دور قاعدة التسامح في إنتاج الموضوعات

السؤال: يقال: إنّ قاعدة: « التسامح في أدلة السُنَن » لها دورٌ في إنتاج العدد الكبير من المستحبَّات والأدعية والزيارات الموضوعة التي لا أصل لها.

: اللجنة العلمية

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أوّلاً: وردت رواياتٌ كثيرةٌ في مصادر المسلمين تُعرَف بأحاديث: « مَـن بلغ »، منها: الحديث المرويُّ بسندٍ صحيحٍ عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: « مَن بلغه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) شيءٌ من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإنْ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقله » [وسائل الشيعة ج1 ص80].

وهذه الأخبار بلغت حدّاً من الكثرة حتّى عبّر عنها الشيخ الأنصاريّ وغيره بأنّها من (الأخبار المستفيضة التي لا يبعد دعوى تواترها معنى) [مجموعة رسائل ص14].

وقد اختلف العلماء في مفاد هذه الروايات على اتّجاهين معروفين:

أحدهما: هذه الرواياتُ تفيد التسامح في أدلّة السُنَن، أي أنّ الحديث المرويّ بطريقٍ ضعيفٍ قادرٌ على إثبات الحكم غير الإلزاميّ، فيكون حال الحديث الضعيف في المستحبّات كحال الحديث المعتبر في الإلزاميّات، وهذا رأي مشهور العلماء.

والآخر: هذه الروايات لا تفيد التسامح في أدلّة السُنَن، بل ترشد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط والانبعاث من المطلوبيّة الاحتماليّة، وهو المسمّى برجاء المطلوبيّة، وهذا رأي جملةٍ من العلماء، وعليه كثيرٌ من المعاصرين.

إذن: توجد قراءتان لروايات: « مَن بلغ »: إحداهما: قاعدة التسامح في أدلّة السُنَن، والأخرى: قاعدة الرجاء. فتستند كلتا القراءتين للروايات المعتبرة الثابتة عند المسلمين، فليست قاعدة التسامح أجنبيّةً عن الدين، بل هي تستمدّ شرعيّتها من الدين.

وثانياً: هناك شروطٌ مقرّرة للعمل بمفاد روايات « مَن بلغ »، سواءٌ كانت نتيجتها قاعدة التسامح أو قاعدة الرجاء:

منها: عدم العلم بكون الحديث موضوعاً مكذوباً؛ لأنّ موضوع هذه الروايات هو كون الحديث محتمَل الصدور عن المعصوم (عليه السلام)، فلو ثبت عدم صدور الحديث فلا مجال للحكم بالاستحباب – بناءً على قاعدة التسامح -، كما لا مجال لحكم العقل بالتحرّك؛ لأنّ حكمه بحسن الاحتياط نابعٌ من احتمال كون الفعل مطلوباً، وينتفي الاحتمال مع ثبوت كذب الحديث.

ومنها: عدم حرمة الفعل؛ فإنّ هذه الروايات لا تشمل عملاً قامت الحجّة على حرمته، فإذا دلّ خبرٌ ضعيفٌ على ترتّب الثواب على عملٍ قامت حجّةٌ معتبرةٌ على حرمته، لا يمكن رفع اليد به عنها؛ لأنّ هذه الروايات مختصّةٌ بما بلغ فيه الثواب فقط، فلا تشمل ما ثبت العقاب عليه بدليلٍ معتبر.

وبعبارةٍ أخرى: هذه الروايات لا تشمل عملاً مقطوع الحرمة – ولو بالقطع التعبّديّ -، فإنّ القطع بالحرمة يستلزم القطع باستحقاق العقاب، فكيف يمكن الالتزام بترتّب الثواب؟

وهناك شروطٌ أخرى مذكورةٌ في البحوث المبسوطة.

إذن: هناك شروطٌ معتبرةٌ في العمل بروايات « مَن بلغ »، وليس الأمر مفتوحاً على مصراعيه، حتّى يكون مدخلاً للتلاعب وإدخال ما ليس من الدين فيه.

وثالثاً: إنّ نقّاد الحديث والرجال من الفريقين – سنّة وشيعة – كانوا شديدي النقد للرواة والروايات وكثيري التنقير والفحص والبحث، ولَـم يكونوا مغفّلين لتمرّ عليهم الأحاديث التي وضعها الوضّاعون – لتحليل المحرّمات أو للتحفيز على الطاعات أو لغير ذلك – مرور الكرام، مع أنّهم يروون ويصحّحون أحاديث: « مَن بلغ » الواردة في فضائل الأعمال، فلم تكن هذه الأحاديث مقيّدةً لهم عن أداء مهمّتهم في البحث عن الرواة والروايات حتّى في السُنَن والآداب؛ ولهذا نجدهم قد حكموا على كثيرٍ من أحاديث الفضائل بأنّها من الموضوعات والمكذوبات.

وبعبارةٍ أخرى: لا يخلو الحديث الوارد في فضائل الأعمال من أحد احتمالات: أحدها: أنّه ثابت الصدور عن المعصوم، وثانيها: أنّه غير ثابت الصدور عن المعصوم، يعني هو محتمل الصدور، وثالثها: أنَّ عدم صدوره ثابتٌ عن المعصوم. وتحديد كونها ثابتة الصدور أو محتملة أو ثابتة عدم الصدور مهمّة يقوم بها نقّاد الحديث والرجال وفق موازين خاصّة.

وموضوع أحاديث « مَن بلغ » هو الحديث الثابت صدوره عن المعصوم والمحتمل صدوره، وأمّـا الثابت عدم صدوره فهو غير داخل، فلا تشمله أحاديث « مَن بلغ »، بل ذكر بعضُ العلماء أنّ الحديث الذي يُحتمل صدوره احتمالاً ضعيفاً جداً فهو خارجٌ أيضاً وملحقٌ بالحديث الثابت عدم صدوره في عدم شمول الروايات له.

إذن: العمل النقديّ للروايات والرواة هو الذي يبيّن المصاديق التي تشملها أحاديث « مَن بلغ »، ويبيّن المصاديق التي لا تشملها، فإنْ كان الحديث ممّا يحتمل صدوره فهو مشمول، وإنْ كان ممّا لا يحتمل صدوره فهو غير مشمول، وهذا يعني أنّ أحاديث الوضّاعين لا تجد لنفسها مدخلاً للدخول في الدين من باب التسامح في السُنَن.

ورابعاً: يتبيّن مـمّا سبق: أنّ العلماء- وإنْ تساهلوا في العمل بأحاديث السُنَن عملاً بأحاديث « مَن بلغ » -، فعملوا بأحاديث الرواة الضعفاء الذين يُحتمل حديثهم ويُكتب في هذا الباب، إلّا أنّهم لَـم يتساهلوا في قبول كلّ حديثٍ وإنْ كان مـمّا انفرد بها الكذّابون والوضّاعون.

فهذا شيخ الطائفة الشيخ الصدوق يقول: (وأمّا خبر صلاة يوم غدير خمٍّ والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإنّ شيخنا محمّد بن الحسن - رضي الله عنه - كان لا يصحّحه ويقول : إنّه من طريق محمّد بن موسى الهمدانيّ، وكان كذّاباً غير ثقة، وكلّ ما لَـم يصحّحه ذلك الشيخ - قدّس الله روحه – ولَـم يحكم بصحّته من الأخبار فهو عندنا متروكٌ غير صحيح) [من لا يحضره الفقيه ج2 ص91].

فيلاحظ أنّ شيخ النقّاد ابن الوليد لا يصحّح روايةً في فضل صلاة وصيام يوم الغدير انفرد بروايتها محمّد بن موسى الهمدانيّ؛ لأنّه كذّابٌ غير ثقة، ثـمّ يتابعه على ذلك تلميذُه الشيخ الصدوق، مع أنّ الروايةَ في السُنَن والفضائل.

وهذا الشيخ المفيد يقول – تعليقاً على روايةٍ إسنادها هكذا: « عن محمّد بن إسماعيل عن بعض أصحابه » -: (وهذا الحديث شاذّ، مجهول الإسناد، لو جاء بفضل صدقة أو صيام أو عمل برّ لوجب التوقّف فيه، فكيف إذا جاء بشيءٍ يخالف الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة...) [الرسالة العددية ص22].

فيلاحظ أنّ الشيخ المفيد – وهو تلميذ الصدوق – يعلّق على روايةٍ مجهولة الإسناد ولَـم تُروَ إلّا من هذا الطريق: بأنّها لا تصلح لأنْ يُعمَل بها حتّى في مثل السُنَن التي يُتسامح فيها.

وهذا يكشف أنّ استناد العلماء للأحاديث الضعيفة في المستحبّات والسُنَن – عملاً بأحاديث « مَن بلغ » - مضبوطٌ بضوابط معيّنة، وليس الأمر مفتوحاً على مصراعيه.

وخامساً: يتبيّن مـمّا سبق الجواب عن الدعوى الواردة في السؤال، ونضيف لِـما تقدّم:

أنّ القاعدة ليس لها دورٌ في إنتاج الموضوعات، بل الوضّاع هو الذي يجعل الأحاديث وينسبها للمعصوم، ولكن نقّاد الحديث والرجال – كما ذكرنا – كانوا شديدي التحرّي، فحتّى لو حاول الكذّابون استغلال فجوة ما فإنّ العلماء سدّوها بنقدهم الحديثيّ والرجاليّ، ولهذا تجد الكتب الرجاليّة مليئةً بتوصيف جماعة من الرُّواة بالكذب والوضع.

ثمّ إنّ القاعدة مستندةٌ إلى الروايات الثابتة عن النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام)، فكأنّ السائل يستشكل على المعصوم قائلاً: لماذا قنّنتَ قاعدةً صارت مدعاةً لأن تسوِّل نفوسُ الكذّابين لهم وضع أحاديث على لسان المعصوم لإدخالها في الدين؟! وكأنّه لولا هذه القاعدة لَـما وُجد كذّابٌ يكذب لينسب أشياء للمعصوم، ولعلّ السائل أعرف من المعصوم في مثل هذه الأمور، وهذا لسان مَن يستشكل على الله: لماذا مكّن الظالمين من السلطة والقوّة والمال فتسوّل لهم نفوسهم ظلم العباد؟ والجواب هو الجواب، فإنّ الله تعالى نهى الظالمين عن الظلم والفساد غيرها من المحرّمات، والدنيا دار ابتلاء وامتحان، وليس الناس مجبورين على امتثال الطاعات، بل لهم الاختيار، وهكذا الحال بالنسبة للدين، فليست القواعد الدينيّة تسوّغ ارتكاب عمليّة جعل الأحاديث ووضعها على لسان المعصوم، بل نهى عنها الدين أشدّ المنع، وأمّـا مَن تبع هواه وكذب فعليه كذبه، وتمييز الموضوع عن المعتبر ممكن وفق المعايير العلميّة كما ذكرنا سابقاً.

والحمد لله ربّ العالمين