دلالات حادثة سدّ الأبواب
السؤال: ما هي دلالات حادثة سدّ الأبواب إلَّا باب علي (ع)؟
الجواب:
من يطالع السيرة النبويَّة الشريفة يلاحظ - بشكلٍ واضحٍ - وجود سيرةٍ متكررةٍ جداً للنبي (ص) تجاه أمير المؤمنين (ع) في تمييزه وتفضيله وذلك منذ الأيام الأولى لحياة أمير المؤمنين (ع) وحتى الأيام الأخيرة من حياة رسول الله (ص)، حتى أَّلف في ذلك العامَّة فضلاً عن الخاصة الكتب والمؤلفات تحت عناوين: كالمناقب، والفضائل، والخصائص، واعترف بذلك كبار أئمة العامَّة؛ كأحمد بن حنبل حيث يقول: (ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله (ص) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب) [ينظر: المستدرك ج3 ص107[، وقد كان النبيّ (ص) ينصّ ـ دائماً ـ على أنَّ هذا التمييز الخاص لأمير المؤمنين (ع) إنما هو بأمرٍ مباشرٍ من الله تبارك وتعالى، وليس من عندياته محاباةً أو لجهة القرابة.
فهي إذن سيرة الله تعالى الجارية على يدي النبيّ (ص) والتي تهدف ـ بلا شك ـ إلى تسليط الضوء على أمير المؤمنين (ع) وتوجيه بوصلة الأمة إليه، ومخاطبة وعيها، وتنبيه عقلها بشكلٍ عمليٍّ إلى فضله ومقامه، وأنَّه هو الجدير في أنْ يكون خليفة النبيّ (ص) في الأمة وقائدها، وماسك زمام أمرها، ومستقى شريعة نبيّها وراعي مصالحها، فلا يكون بذلك النبيّ (ص) قد اكتفى بالنص على إمامة أمير المؤمنين (ع) بل ـ أيضاً ـ يكون قد عمل على إبراز مكانته عند الله تعالى بشكلٍ عملي.
و(حادثة سدّ الأبواب) هي واحدة من تلك الحوادث الكثيرة الحاكية عن تلك السيرة، وقد اتفق وأجمع عليها الفريقان، فهي عندهم أشهر من أن تذكر، وقد نقلها جمعٌ غفيرٌ من الصحابة، منهم: أمير المؤمنين (ع)، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، وزيد بن أرقم، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والبرَّاء بن عازب، وعائشة بنت أبي بكر، وأمّ سلمة زوج النبيّ (ص)، وأبو سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله (ص)، وجابر بن سمرة، وأبو الحمراء خادم النبيّ (ص)، وبريدة الأسلميّ، وزيد بن ثابت، وحذيفة بن أسيد، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاريّ.
وقد نصّ غير واحدٍ من علماء العامّة على اشتهاره وقطعيّة صدوره كابن حجر العسقلانيّ إذ قال: (وهذا الحديث من هذا الباب هو حديثٌ مشهورٌ له طرقٌ متعددة، كلّ طريقٍ منها على انفرادها لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها ممّا يقطع بصحّته على طريقة كثيرٍ من أهل الحديث) [القول المسدّد ص16]، وعدّه بعضهم ضمن الأحاديث المتواترة، كما صنع العلّامة الكتانيّ إذ أدرجه في كتابه [نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص192].
ثـمّ إنّ الحادثة قد رُويت بألفاظٍ متعدّدةٍ منها: ما ورد من طريق زيد بن أرقم قال: "كان لنفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) أبوابٌ شارعةٌ في المسجد، قال: فقال رسول الله (ص) يوماً: "سدّوا هذه الأبواب إلَّا باب علي".
فتكلَّم في ذلك الناس، فقام رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فأنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، وقال فيه قائلكم، والله ما سدّدته ولا فتحته ولكني أمرت فاتبعته" [مسند أحمد ج4 ص369 ، خصائص علي ص73]. وسيأتي ذكر جملةٍ من الألفاظ التي رويت بها الحادثة ضمن الجواب.
ولهذه الحادثة دلالاتٌ كثيرةٌ غاية في الأهمية، نذكر بعضاً منها:
الدلالة الأولى: العناية الإلهيَّة الخاصة:
لقد دلَّت جميع الروايات التي نقلت الحادثة على أنَّ سدّ الأبواب غير باب عليّ (ع) كان بأمرٍ مباشرٍ من الله تبارك وتعالى. ولهذا الأمر دلالته الخاصة؛ فإنَّ النبيّ (ص) وإنْ كان معصوماً ومطهراً ـ بلا ريب ـ غير أنَّ بعض الأمور يتدخل الله تبارك وتعالى بشكلٍ مباشرٍ لتوجيه النبيّ (ص) إليها على وجه الخصوص، وهذا التدخل الخاص من شأنه أنْ يكشف عن أهمية خاصة لهذه الحادثة عنده سبحانه، وأنَّ له فيها ملاكاً وغرضاً إلزاميَّاً لا يقبل بتفويته وتضييعه، بل ورد في بعض ألفاظ الروايات الحاكية عن الحادثة توعّد النبيّ (ص) وتهديده بنزول العذاب في حال لم يتم امتثال هذا الأمر الإلهيّ بسدّ الأبواب كما سيأتيك.
الدلالة الثانية: تنزيل عليٍّ (ع) منزلة نفس رسول الله (ص):
دلَّت الحادثة على تنزيل الله تعالى علياً (ع) منزلة نفس النبيّ (ص)؛ حيث أسكنه المسجد، وأحلَّ له فيه ما أحلَّ لنبيّه (ص)؛ من عدم كراهة النوم، والبيتوتة، وجواز المرور، بل والمكث فيه على جنابة، بل وإيقاعها فيه، إلى غير ذلك من خصوصيات المسكن. وقد صرّحت جملةٌ من روايات الحادثة بهذه الأمور:
روى الحاكم عن عمر قال: "لقد أعطي عليّ بن أبي طالب (ع) ثلاث خصال، لإنْ تكون لي خصلةٌ منها أحبّ إلي من أنْ أعطي حمر النعم، قيل: وما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوّجه فاطمة بنت رسول الله (ص) وسكناه المسجد مع رسول الله (ص) يحلُّ له فيه ما يحلّ له، والراية يوم خيبر" [المستدرك ج3 ص125 ]
وروى أحمد بن حنبل عن ابن عبّاس عن النبيّ (ص) أنَّه قال: "..سدّوا أبواب المسجد غير باب علي، فقال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريقٌ غيره"[مسند أحمد ج1 ص331]
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن مسعود قال: "انتهى إلينا رسول الله (ص) ذات ليلةٍ ونحن في المسجد جماعة من الصحابة، فينا أبو بكر وعمر وعثمان وحمزة وطلحة والزبير وجماعةٌ من الصحابة بعدما صُليت العشاء، فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: يا رسول الله، قعدنا نتحدَّث منَّا من يريد الصلاة، ومنَّا من ينام، فقال: إنَّ مسجدي لا يُنام فيه، انصرفوا إلى منازلكم، ومن أراد الصلاة فليصلِّ في منزله راشداً، ومن لم يستطع فلينم، فإنّ صلاة السر تضعف على صلاة العلانيّة، قال: فقمنا فترفقنا وفينا علي بن أبي طالب (ع) فقام معنا، قال: فأخذ بيد علي (ع) وقال: أما أنت فإنَّه يحلّ لك من مسجدي ما يحلّ لي، ويحرم عليك ما يحرم علي.." [فضائل الخلفاء ص72]
وروى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنَّه قال: "جاء رسول الله (ص) ونحن مضطجعون في المسجد، فضربنا بعسيبٍ في يده، فقال: أترقدون في المسجد؟ إنّه لا يُرقد فيه. فأجفلنا وأجفل عليّ، فقال رسول الله (ص): تعال يا عليُّ، إنّه يحلُّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أنْ تكون مني منزلة هارون من موسى إلّا النبوة، والذي نفسي بيده إنك لذوّادٌ عن حوضي يوم القيامة تذود البعير الضال عن الماء بعصاً لك من عوسج، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي" [تاريخ دمشق ج42 ص141]
وروى البيهقيُّ عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: "قال رسول الله (ص) ـ لعلي –: يا علي، لا يحلُّ لأحدٍ يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" [السنن الكبرى ج7 ص 65]
الدلالة الثالثة: شمول الفضيلة لأهل البيت (ع):
إنّ الروايات الواردة في هذه الحادثة أفادت عدم اختصاص الاستثناء بأمير المؤمنين (ع)، بل تعميم الاستثناء لأهل البيت (ع) أيضاً.
روى النسائيّ عن الحارث بن مالك قال: "أتيتُ مكة، فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت له: هل سمعتَ لعليّ منقبة؟ قال: كنَّا مع رسول الله (ص) في المسجد، فنودي فينا لسدّه: ليخرج من في المسجد إلا آل رسول الله (ص). قال: فخرجنا فلما أصبح أتاه عمه، فقال: يا رسول الله، أخرجتَ أصحابك وأعمامك وأسكنتَ هذا الغلام! فقال: رسول الله (ص): ما أنا أمرت بإخراجكم، ولا بإسكان هذا الغلام، إنّ الله هو أمر به" [خصائص علي ص75].
وروى البيهقيُّ عن أم سلمة عن رسول الله (ص) أنّه قال: "ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنبٍ ولا لحائضٍ إلا لرسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيَّنت لكم الأسماء أنْ لا تضلوا"، وروى أيضاً عن أم سلمة عن رسول الله (ص) أنَّه قال: "ألا أنَّ مسجدي حرامٌ على كلّ حائضٍ من النساء، وكل جنبٍ من الرجال إلا على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين (ع)" [السنن الكبرى ج7 ص65 – 66].
وروى ابن عساكر عن أبي رافع أنَّه قال: "أن رسول الله (ص) خطب الناس فقال: يا أيُّها الناس، إنَّ الله أمر موسى و هارون أنْ يتبوّءا لقومهما بيوتاً، و أمرهما أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقربوا فيه النساء، إلَّا هارون و ذريته، ولا يحّل لأحدٍ أنْ يعرك النساء في مسجدي هذا، ولا يبيت فيه جنب إلَّا علي وذريته " [تاريخ دمشق ج42 ص141].
الدلالة الرابعة: أنَّها شاهد على إطلاق حديث المنزلة:
دلَّت بعض الروايات على أنَّ الحادثة تجسيدٌ وتحقيقٌ لإحدى منازل علي (ع) من رسول الله (ص)، تلك الثابتة له بمقتضى حديث المنزلة المعروف؛ حيث قال له رسول الله (ص): "يا عليُّ، إنّك مني بمنزلة هارون من موسى، إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدي".
فإنَّ من جملة المنازل الثابتة لهارون (ع) من موسى (ع) أنْ أحلَّ الله تعالى له من المسجد ما أحلّ لموسى (ع)، فكان ذلك لعلي (ع) من رسول الله (ص) أيضاً؛ لكونه منه بمنزلة هارون من موسى (ع).
فقد روى البزّار عن علي (ع) أنه قال: "أخذ رسول الله (ص) بيدي فقال: إنّ موسى سأل ربَّه أنْ يطهّر مسجده بهارون، وإنّي سألت الله أن يطهّر مسجدي بك وبذريتك" [مسند البزار ج2 ص144].
وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه قال: "جاء رسول الله (ص) ونحن مضطجعون في المسجد، فضربنا بعسيبٍ في يده فقال: أترقدون في المسجد؟ إنَّه لا يُرقد فيه. فأجفلنا وأجفل عليٌّ، فقال رسول الله (ص): تعال يا عليُّ، إنّه يحلُّ لك في المسجد ما يحلّ لي، ألا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوة؟ ..".
وأخرج أيضاً عن أبي رافع أنَّه قال: "إنّ رسول الله (ص) خطب الناس فقال: يا أيها الناس، إنَّ الله أمر موسى و هارون أن يتبوّءا لقومهما بيوتاً، و أمرهما أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقربوا فيه النساء، إلا هارون و ذريته، ولا يحلُّ لأحدٍ أنْ يعرك النساء في مسجدي هذا، ولا يبيت فيه جنبٌ إلَّا عليٌّ وذريته " [تاريخ دمشق ج42 ص141ـ142].
ونقل السيوطيُّ عن أبي حازم الأشجعيّ أنّه قال: قال رسول الله (ص): "إنّ الله أمر موسى أنْ يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلَّا هو وهارون، وإنَّ الله أمرني أنْ أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلَّا أنا وعليُّ وابنا علي" [الخصائص الكبرى ج3 ص294].
وحادثة سدّ الأبواب فضلاً عن كونها تجسيداً لتلك المنزلة الثابتة لعلي (ع) من رسول الله بمقتضى حديث المنزلة، هي ـ أيضاً ـ شاهدٌ على إطلاق حديث المنزلة، ودليلٌ على ثبوت عموم منازل هارون (ع) من موسى (ع) لعلي (ع) من رسول الله (ص) إلّا النبوة، فلا يكون الحديث مختصاً بخلافة علي (ع) على المدينة حين خرج النبيّ (ص) لغزوة تبوك كما زعم بعض المعاندين.
الدلالة الخامسة: طهارة عليٍّ وأهل بيته (ع) وإطلاقها:
يستفاد من إحلال المسجد لعلي وأهل بيته (ع) أنَّهم غير مشمولين بالأحكام المترتبة على الحد -؛ إمّا لعدم تأثير الإحداث فيهم فيكون خروجهم عن الحكم خروجاً موضوعياً، وإمّا لاستثناء الله تعالى لهم من عموم الحكم فيكون خروجهم عن الحكم حكمياً -؛ لأنَّ الروايات دلَّت على أنَّ من أسباب إحلالهم المسجد أنّهم مطهرون في كتاب الله؛ فقد أخرج ابن عساكر عن عباد بن عبد الله الأسدّيّ وعن عمرو قالوا: "قال عليُّ بن أبي طالب يوم الشورى: والله لأحتجنَّ عليهم بما لا يستطيع قرشيُّهم ولا عربيُّهم ولا عجميُّهم ردَّه ولا يقول خلافه، ثم قال لعثمان بن عفان ولعبد الرحمن بن عوف والزبير ولطلحة وسعد - وهم أصحاب الشورى وكلُّهم من قريش - وقد كان قدَّم طلحة... قال أنشدكم بالله! أفيكم مطهَّرٌ غيري إذ سدّ رسول الله (ص) أبوابكم وفتح بابي وكنت معه في مساكنه ومسجده؟" [تاريخ دمشق ج42 ص431ـ432]؛ فتكون الحادثة دليلاً مضافاً إلى بقية ما دلَّ على إطلاق الطهارة في قوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا{ ]الأحزاب: 33[، وعدم اختصاصها بمورد الطهارة من الذنوب والمعاصي.
الدلالة السادسة: الاهتمام الإلهيّ الفائق بعلي (ع):
تأتي هذه الحادثة إلى جانب بقية الحوادث المشابهة لتشكل لنا صورةً واضحةً عن الاهتمام الإلهيّ الفائق بعلي (ع)؛ حيث شاء أن يولد في بيته، وأسكنه بيته، ولم يشأ إلا أنْ يختم حياته بالشهادة في بيته؛ فضلاً عن أنه كفّله خير خلقه، وزوَّجه خير النساء، وأولد له خير الأولاد، وللمتدبر أنْ يسأل هل هذا الاهتمام الفائق عن عبث؟
الدلالة السابعة: أفضلية علي وأهل بيته (ع) على سائر الخلق:
كشفت الحادثة عن أنَّ علي وأهل بيته (ع) أفضل الخلق عند الله تعالى وأقربهم إليه وأخصهم زلفى لديه؛ فالمسجد بيت الله تعالى والآمر هو الله تعالى؛ سدّ أبواب الجميع وترك بابهم مشرعاً إلى بيته وأسكنهم إياه وأحله لهم دون الناس. ولا بد أنْ يكون ذلك لخصوصية فيهم إذ لا محاباة ولا مجاملات عند الله تعالى بل كما يقول هو سبحانه: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ]
نعم، حاول بعض المسلمين آنذاك أنْ يسوقوا الحادثة على أنَّها محاباةٌ من النبيّ (ص) لقرابته، مشككين بذلك في نزاهته وعصمته وطهارته؛ فكان جواب النبيّ (ص) الدائم لهم: القسم بأنَّه لم يسدّ أبوابهم ويدع باب علي (ع)، بل الله تعالى هو الذي فعل ذلك، وأنَّه لم يفعل إلَّا ما قد أمر.
وقد نقل السمهوديّ جزءاً من ذلك الحديث الذي بدء يتناقل على ألسنة القوم آنذاك؛ حيث روى عن أحد أصحاب النبيّ (ص) أنَّه قال: "..سدّ أبوابنا وترك باب عليٍّ وهو أحدثنا، فقال بعضهم: تركه لقرابته! فقالوا: حمزة أقرب منه وأخوه من الرضاعة وعمه. وقال بعضهم: تركه من اجل ابنته. فبلغ ذلك رسول الله (ص) فخرج إليهم بعد ثالثةٍ فحمد الله واثنى عليه محمراً وجهه ـ وكان إذا غضب أحمر عرق في وجهه ـ ثم قال: أما بعد ذلكم، فإن الله أوحى إلى موسى أنْ اتخذ مسجداً طاهراً لا يسكنه الَّا هو وهارون وابناء هارون شبراً وشبيراً، وان الله أوحى إلي أن أتخذ مسجداً طاهراً لا يسكنه إلَّا أنا وعلي وأبناء علي حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجداً، وما أردت التحول إليه حتى أمرت، وما أعلم إلَّا ما علّمت، وما أصنع إَّلا ما أمرت، فخرجت على ناقتي فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله انزل علينا، فقلت: خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سدّدت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنت علياً ولكن الله أسكنه" [وفاء الوفاء ج2 ص478].
الدلالة الثامنة: أنها من الفضائل العظيمة لعلي (ع) حتى تمناها بعض الصحابة وكانت محل استشهاد عندهم على عظمة علي (ع):
روى الحاكم عن أبي هريرة أنَّه قال: "قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلةٌ منها أحبّ إلي من أنْ أعطي حمر النعم، قيل: وما هنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجه فاطمة بنت رسول الله (ص)، وسكناه المسجد مع رسول الله (ص)؛ يحلّ له فيه ما يحلّ له، والراية يوم خيبر" ]المستدرك ج3 ص125[.
وروى أحمد بن حنبل عن ابن عمر أنّه قال: "ولقد أوتى ابن أبي طالب ثلاث خصال لأنْ تكون لي واحدةٌ منهنَّ أحبّ إلىَّ من حمر النِّعم: زوَّجه رسول الله (ص) ابنته وولدت له، وسدّ الأبواب إلَّا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر" [مسند أحمد ج2 ص26].
وروى الحاكم عن خيثمة بن عبد الرحمن أنه قال: "سمعت سعد بن مالك، وقال له رجلٌ: إنَّ علياً يقع فيك أنَّك تخلفت عنه، فقال سعد: والله إنَّه لرأيٌّ رأيتُه وأخطأ رأيي، إنَّ علي بن أبي طالب أعطي ثلاثا لأن أكون أعطيت إحداهن أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها... وأخرج رسول الله (ص) عمَّه العباس وغيره من المسجد، فقال له العباس: تخرجنا ونحن عصبتك وعمومتك وتسكن علياً؟ فقال ما أنا أخرجتكم وأسكنته ولكن الله أخرجكم وأسكنه" [المستدرك ج3 ص116]
وأخرج ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص أنَّه قال: "لقد كانت لعليٍّ خصالٌ لأنْ تكون لي واحدةٌ منها أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها...وأخرج الناس من المسجد وترك علياً فيه فقال له: عليٌّ يحلّ له ما يحلّ..." [تاريخ دمشق ج42 ص119].
وروى أحمد بن حنبل عن عمرو بن ميمون أنَّه قال: "إنّي لجالسٌ إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا أبا عباس، إما أنْ تقوم معنا، وإما أنْ يخلونا هؤلاء. قال: فقال ابن عباس بل أقوم معكم. قال: وهو يومئذٍ صحيحٌ قبل أنْ يعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أفٍّ وتف، وقعوا في رجلٍ قال له رسول الله (ص)... وقال: سدّوا أبواب المسجد غير باب علي فقال: فيدخل المسجد جنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره.." [مسند أحمد ج1 ص331].
الدلالة التاسعة: أحقيَّة علي (ع) في خلافة النبيّ (ص):
لما دلَّت الحادثة على أفضلية علي (ع) على الخلق قاطبة، وأنَّه نفس رسول الله (ص)، ثبت أنَّه هو الجدير بخلافة النبيّ (ص) في قيادة الأمة، وبالفعل قد استشهد أمير المؤمنين (ع) بهذه الحادثة عند محاججته القوم في يوم الشورى وإبطاله تقدم غيره؛ فقد أخرج ابن عساكر عن عباد بن عبد الله الأسدّي وعن عمرو قالوا: "قال علي بن أبي طالب يوم الشورى: والله لأحتجنَّ عليهم بما لا يستطيع قرشيُّهم ولا عربيُّهم ولا عجميُّهم ردَّه، ولا يقول خلافه، ثم قال: لعثمان بن عفان ولعبد الرحمن بن عوف والزبير ولطلحة وسعد وهم أصحاب الشورى وكلهم من قريش وقد كان قدم طلحة...قال أنشدكم بالله أفيكم مطهَّرٌ غيري إذ سدّ رسول الله (ص) أبوابكم وفتح بابي وكنتُ معه في مساكنه ومسجده..." [تاريخ دمشق ج42 ص431].
الدلالة العاشرة: أنها من مختصات علي (ع):
عطفاً على الروايات المتقدمة في الدلالة السابعة والثامنة يظهر أنَّ هذه الفضيلة من مختصات عليٍّ (ع) لم يشاركه فيها أحدٌ من الصحابة؛ ولذا كان من الصحابة أنْ تمنوا لو كانوا بدل عليٍ (ع) فيها؛ ولذا كانت محل استشهاد منهم على عظمة علي (ع)، كما أنَّ احتجاج علي (ع) بهذه الحادثة وإقرار القوم له عليها ـ أيضاً ـ يكشف عن اختصاصه بها، مما يثبت معه أنَّ الحديث الآخر: (خوخة أبي بكر) حديثٌ موضوعٌ لا قيمة له، وما وُضع إلا لمقابلة حديث (سدّ الأبواب) المشهور عند العامة والخاصة أشهر من نارٍ على علم.
الدلالة الحادية عشر: بطلان نظرية عدالة جميع الصحابة المزعومة:
نظرية عدالة جميع الصحابة من المزاعم الأسطوريَّة التي لا تنهض أمام ثوابت القرآن الكريم والسنة الشريفة والتاريخ الإسلامي؛ وأصحابها يريدون أنْ يصّوروا المشهد وكأنَّه لم يكن في أمة النبيّ (ص) إلا ذوو الصدق والاستقامة والنزاهة الذين لم يغتروا بالدنيا وزخرفها طرفة عين، ولم يتجرأوا على نبيّهم أبداً.
وفي الواقع لم يكن ابتكار هذه النظرية والترويج لها إلَا لأغراضٍ سياسيةٍ خبيثة، ولسنا ههنا في مقام الحديث عنها، وإنما ما نريد قوله إنَّ حادثة سدّ الأبواب تمثل دليلاً وشاهداً مضافاً إلى الكثير من الأدلة والشواهد التي تبطل هذه النظرية المزعومة؛ فإن المتتبع لروايات الحادثة يلاحظ أنها قد أحدثت هزةً عنيفةً في المسلمين آنذاك، وأثارت البلبلة والجلبة بينهم، وصارت محلَّ خوضٍ على ألسن البعض، ووجدٍ وعتبٍ في قلوبهم على رسول الله (ص)، بل والتشكيك بفعله (ص) والجرأة على أمره، وكادت تؤدي إلى نوعٍ من التمرد والعصيان؛ إذ إن تمييز علي (ع) وتفضيله عليهم أمرٌ لا تتقبَّله إلَّا نفس سلمت لله ورسوله، مما دعا النبيّ (ص) أنْ يقسم لهم أنَّ الأمر من الله تعالى وليس من عنده، وأنْ يخطب بهم غاضباً يذكرهم بعصمته ووحيانيَّة أفعاله وأقواله في كتاب الله، ومع ذلك لم يطيعوه (ص) من أول مرة حتى توعّدهم وهدَّدهم بنزول العذاب.
فقد روى ابن عساكر عن ابن عباس أنّه قال: "أما لأحدثنَّك حقاً إنَّ رسول الله أمر بالأبواب الشارعة في المسجد فسدّت، وترك باب علي فقال: إنّهم وجدوا من ذلك. فأرسل إليهم: إنّه بلغني أنّكم وجدتم من سدّي أبوابكم وتركي باب علي، وإنّي والله ما سدّدت من قبل نفسي ولا تركت من قبل نفسي، إن أنا إلا عبدٌ مأمور، أمرت بشيء ففعلت، إنْ أتّبع إلا ما يوحى إلي" [تاريخ دمشق ج42 ص137].
وروى الطبرانيُّ عن ابن عباس أنَّه قال: "لما أُخرج أهل المسجد، وتُرك علي قال: الناس في ذلك، فبلغ النبيّ (ص)، فقال: ما أنا أخرجتُكم من قبل نفسي، ولا أنا تركتُه، ولكن الله أخرجكم وتركه، إنّما أنا عبدٌ مأمورٌ، ما أُمِرت به فعلتُ إنْ أتّبع إلّا ما يوحى إلي" [المعجم الكبير ج12 ص174].
وروى أحمد بن حنبل والنسائي عن زيد بن أرقم أنَّه قال: "كان لنفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) أبوابٌ شارعةٌ في المسجد، قال: فقال رسول الله (ص) يوماً: سدّوا هذه الأبواب إلّا باب علي. فتكلم في ذلك الناس، فقام رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فأنّي أُمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي. وقال فيه قائلكم، والله ما سدّدته ولا فتحته ولكنّي أمرت فاتبعته" [مسند أحمد ج4 ص369، خصائص علي ص73].
وروى أبو نعيم عن بريدة الأسمليّ أنَّه قال: "أمر رسول الله (ص) بسدّ الأبواب فشقَّ ذلك على أصحاب رسول الله (ص)، فلما بلغ ذلك رسول الله (ص) دعا الصلاة جامعة حتى إذا اجتمعوا صعد المنبر ولم يسمع لرسول الله (ص) تحميداً وتعظيماً في خطبه مثل يومئذٍ فقال: يا أيُّها الناس ما أنا سددتُها ولا أنا فتحتُها، بل الله (عزَّ وجلَّ) سدّها ثم قرأ: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}، فقال رجلٌ: دع لي كوَّةً يكون في المسجد! فأبى وترك باب علي مفتوحاً" [فضائل الخلفاء وغيرهم ص71].
ونقل السمهوديُّ عن رجل من اصحاب رسول الله (ص) قال: "بينما الناس جلوسٌ في مسجد رسول الله (ص) إذ خرج منادٍ فنادى: أيُّها الناس، سدّوا أبوابكم فتحسحس الناس لذلك ولم يقم أحد، ثم خرج الثانية، فقال: ايّها الناس سدّوا أبوابكم. فلم يقم احد، فقال الناس: ما أراد بهذا؟ فخرج فقال: أيُّها الناس سدّوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين وخرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى سدّوا أبوابكم قال: ولكلّ رجلٍ منهم بابٌ إلى المسجد، أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، قال: وجاء عليٌّ حتى قام على رأس رسول الله (ص) فقال: ما يقيمك؟ ارجع إلى رحلك، ولم يأمر بالسدّ، فقالوا: سدّ أبوابنا وترك باب عليٍّ وهو أحدثنا! فقال بعضهم: تركه لقرابته، فقالوا: حمزة أقرب منه وأخوه من الرضاعة وعمّه. وقال بعضهم: تركه من أجل ابنته! فبلغ ذلك رسول الله (ص) فخرج إليهم بعد ثالثةٍ فحمد الله واثنى عليه محمرّاً وجهه ـ وكان إذا غضب أحمر عرق في وجهه ـ ثم قال: أما بعد ذلكم، فإنّ الله أوحى إلى موسى أنْ اتخذ مسجداً طاهراً لا يسكنه إلَّا هو وهارون وابناء هارون شبراً وشبيراً، وأنَّ الله أوحى إليَّ أن أتخذ مسجداً طاهراً لا يسكنه إلَّا أنا وعلٌّي وأبناء علي حسن وحسين، وقد قدمت المدينة، واتخذت بها مسجداً، وما أردتُ التحول إليه حتى أُمِرْتُ، وما أعلم إلا ما علّمتُ، وما أصنع إلا ما أُمِرتُ، فخرجتُ على ناقتي فلقيني الأنصار يقولون: يا رسول الله، أنزِلْ علينا. فقلت: خلوا الناقة فإنَّها مأمورة، حتى نزلت حيث بركت، والله ما أنا سدّدت الأبواب وما أنا فتحتها، وما أنا أسكنتُ علياً ولكن الله أسكنه" [وفاء الوفاء ج2 ص478].
فهل يعقل أن تصدر كل هذه الجرأة تجاه رسول الله (ص) وأمره من قومٍ يفترض بهم أنَّهم يعتقدون بنبوة وعصمة وطهارة رسول الله (ص)؟! بل نحن نقول: حتى لو كان هذا الأمر من النبيّ (ص) وليس من الله تعالى أفلم يقل الله تعالى في كتابه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ]النساء: 65]، أفهل بعد هذه الجرأة والجسارة منهم على النبيّ (ص) يمكن أنْ نتمسَّك بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً؟!
كما نجد نظير هذه الجرأة على النبيّ (ص) والاعتراض على أمره في بيعة الغدير؛ حيث اعترض البعض واستنكر على تنصيبه (ص) عليَّاً (ع) وسأله: هل جئت بهذا الأمر من عندك أم من عند الله؟ فقد روى الحموينيّ وغيره عن الإمام جعفر الصادق (ع) عن آبائه (ع) قال: "لما كان رسول الله (ص) بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (ع) فقال: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهريَّ فأتى رسول الله (ص) على ناقةٍ له حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته فأناخها فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أنْ نشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله فقبلناه، وأمرتنا أنْ نصلي خمساً فقبلنا منك، فأمرتنا بالزكاة فقبلناه، وأمرتنا أنْ نصوم شهراً فقبلناه، وأمرتنا بالحجّ فقبلناه، ثم لم ترضَ بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه! فهذا شيءٌ منك أم من الله (عزَّ وجلَّ)؟ فقال: والذي لا إله إلا هو إنَّ هذا من الله.
فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللَّهم إنْ كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا بعذابٍ أليم! فما وصل إليها حتى رماه الله (عزَّ وجلَّ) بحجرٍ فسقط على هامته وخرج (الحجر) من دبره فقتله فأنزل الله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}. [فرائد السمطين ج1 ص82].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق