دواعي اختيار موقع غدير خمّ لإعلان الولاية

السؤال: ما هو السبب في تأخير النبيّ (ص) إعلان البيعة للإمام عليّ (ع) في مكة، مع أنّ عدد المسلمين الحاضرين آنذاك أكبر من الذين شهدوا غدير خمّ؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم ـ أيّدك الله ـ أنّ اختيار موقع «غدير خم» لم يكن قراراً نبويّاً صرفاً، بل كان أمراً إلهيّاً أوحى الله تعالى به إلى النبيّ (ص) بواسطة جبرئيل لإعلان الولاية [انظر: إرشاد القلوب ج2 ص330، تفسير العياشيّ ج1 ص332].

وأنَّ هذا الاختيار كان اضطرارياً لعدّة أسبابٍ كما سترى بعد قليل، حيث أوحى الله (عزّ وجلّ) إليه وهو في طريق رجوعه إلى المدينة بعد الانتهاء من مناسك الحج كما في قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [سورة المائدة: 67].

ثمَّ لا ريب في وجود حكمةٍ داعيةٍ إلى تأخير الإعلان إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجّة بدلاً من ايّام الحجّ، ونقل مكانه من مكّة إلى «الغدير»، وهناك عدة أسباب محتملة:

الأول: ما يرتبط بتأخير زمان التبليغ:

وفيه عدة وجوه نذكر بعضاً منها:

1ـ المستفاد من بعض الأخبار الواردة من طرق الفريقين وجود تخوّفٍ نبويٍّ من ردَّة فعل المنافقين إزاء إعلان إمامة أمير المؤمنين (ع)، كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فأمّا ما جاء من طريقنا فنذكر منه:

منها: ما رواه الكلينيّ بسنده عن زرارة والفضيل بن يسار، وبكير بن أعين ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعاً عن أبي جعفر (ع) قال: « أمر الله عزّ وجلّ رسوله بولاية عليّ وأنزل عليه ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ وفرض ولاية أولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمّداً (ص) أن يفسّر لهم الولاية، كما فسّر لهم الصلاة، والزكاة والصوم والحجّ، فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله (ص) وتخوّف أنْ يرتدوا عن دينهم وأنْ يكذّبوه، فضاق صدره وراجع ربّه (عزّ وجلّ) فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام بولاية عليٍّ (ع) يوم غدير خمّ ..» [الكافي ج1 ص289].

ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: .. «فقال الله (جلَّ ذكره): يا محمّد، ولقد نعلم أنّك يضيق صدرُك بما يقولون فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون، ولكنّهم يجحدون بغير حجّةٍ لهم ، وكان رسول الله (ص) يتألّفهم ويستعين ببعضهم على بعض، ولا يزال يخرج لهم شيئاً في فضل وصيّه حتّى نزلت هذه السورة، فاحتجّ عليهم حين علم بموته، ونعيت إليه نفسه، فقال الله جل ذكره: ﴿فإذا فرغتَ فانْصَبْ * وإلى ربّك فارغَبْ﴾ يقول : إذا فرغت فانصب عَلمَكَ ، وأعلن وصيّك فأعلِمْهُم فضله علانيةً ، فقال (ص) : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهُمّ وآلِ من والاه ، وعادِ من عاداه - ثلاث مرات..» [الكافي ج1 ص296].

وإلى هذا المعنى أشار الشيخ المفيد بقوله: (وقد كان تقدّم الوحي إليه في ذلك من غير توقيتٍ له، فأخّره لحضور وقتٍ يأمن فيه الاختلاف منهم عليه، وعَلِمَ اللهُ أنّه إنْ تجاوز غدير خمٍّ انفصل عنه كثيرٌ من الناس إلى بلادهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد اللهُ أنْ يجمعهم لسماع النصّ على أمير المؤمنين [الإرشاد، ج1، ص175].

2ـ أنَّ الداعي الذي دعا النبيّ (ص) للتمهّل في إعلان الولاية أمام تلك الجموع في مكّة هو أنّ كثيراً من الناس لم يكن على انقيادٍ تامٍّ له، ممّا يشيرُ إلى طبيعة تلك الجموع الحاضرة في موسم الحجّ، وإلى عدم استعداها لقبول الولاية، ممّا يؤشر الى احتماليّة وقوع الفوضى أو التشويش الذي يحدثه المنافقون دائما، كما فعلوه في يوم رزيّة الخميس حيث اختصموا عند النبيّ حتى كثر ‏ ‏اللغط، وارتفعت الأصوات، كلّ ذلك من أجل منعه من كتابة الكتاب العاصم من الضلال.

3ـ من المحتمل أنَّ جود المنافقين في مكة كان أكثر منه في أثناء طريق العودة إلى المدينة حيث كان بعضهم من ساكني مكة فبقوا فيها، وبذلك قلّ عدد الممانعين المرافقين له بطريق العودة إلى المدينة، فهؤلاء لم يكونوا يتقبلون أن يكون هذا الأمر في بني هاشم أبداً فتجتمع لهم النبوة والخلافة .

الأمر الثاني: فيما يرتبط باختيار المكان

وفيه وجوه عدة نذكر منها ثلاثة وجوه:

1ـ لعلّ الاختيار لهذا الموضع كان لسببٍ آخر، وهو أنَّ وادي الغدير له صدىً يُسمع إلى مدىً أبعد من الطبيعيّ - كما أخبر بعض الثقات ممّن تأكّد بزيارة المكان على ما حكاه الشيخ علي آل محسن- فأراد النبيُّ (ص) أنْ يسمعه كلّ من حضر المكان من الجموع الغفيرة.

2ـ كان هذا المكان نقطة التقاء الطرق المؤدية إلى المدينة المنورة، والعراق، والشام، ومصر. تفرَّق الناس عن رسول الله (ص) متجهين نحو أوطانهم، فأمر النبي بإعادتهم ثم خطب فيهم حول مسألة الغدير.

3ـ اختيار مكان غير اعتيادي ومفاجئ مثل موقع غدير خم يعطي تصور في الأذهان ان حدثا كبيرا سيحدث خصوصا ان كان قد نزل فيه وحيا يأمره في بلاغه وعلى عجل وفيه وعيدا كبيرا لهذا تواترت الأخبار بنقله لحد كبير جدا.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولا وآخراً