هل مدح أمير المؤمنين (ع) إمارة معاوية؟
السؤال: سيدنا عليّ بن أبي طالب بنفسه يقول: «لا تَكرَهوا إِمرَة معاوية، فإنّ إمرته سِلمٌ وعافية، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تَنْدُرُ عن كهولها كأنّها الحنظل، وعداً كان مفعولاً، فأمّا إِمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرَّها، ما بعدها أدهى وأَمَرُّ!» المصادر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة للتستريّ، سيرة أمير المؤمنين للكورانيّ العامليّ.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
عند التتبّع والسبر المعمّق في مصادر الشيعة نجدها خالية تماماً من الرواية المذكورة، وإنّما هي من مرويات علماء السنّة، وأمّا ما أشار صاحب الشبهة من مصادرٍ لها فلا يخلو من التمويه والتدليس؛ ضرورة أنّ كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوريّ ليس من كتب الطائفة.
وأمّا كتاب (بهج الصباغة) للشيخ التستريّ، فإنّه نقل هذه العبارة من كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة [ينظر: بهج الصباغة ج6 ص61]، وكذلك ما في كتاب (سيرة أمير المؤمنين (ع)..) للشيخ عليّ الكورانيّ، فقد نقل العبارة محلّ البحث عن كتابي الإمامة والسياسة وتاريخ دمشق [ينظر: سيرة أمير المؤمنين ج4 ص471]، وكلاهما ليسا من مصادر الشيعة. فهما – إذن – ناقلان عمّا جاء في كتب السنّة، ومجرّد النقل عنهم لا يعني الإقرار والتسليم بصحّة المنقول.
وبذلك يظهر أنّ ما قام به صاحب الشبهة من نسبة هذه العبارة لمصادر الشيعة ليس سوى تمويه وتدليس؛ إذ ليست هذه الرواية معدودة من تراث الشيعة، بل هي من تراث أهل السنّة.
ولأجل أن يتّضح الحقّ الحقيق وما هو الأولى بالتصديق، نوقفك - عزيزي القارئ - على بعض الأمور التي قادنا إليها التحقيق الدقيق، في صحّة هذه الرواية أوّلاً، وفي دلالتها على تزكية إمرة معاوية ثانياً، تاركين لك مجال التدبّر والتأمّل فيها:
الأمر الأوّل: في بيان مصدر الرواية:
لقد روى جمعٌ من علماء أهل السنّة قول الإمام (عليه السلام): «لا تكرهوا إمرة معاوية...»، بألفاظ متفاوتة في الزيادة والنقيصة، وإليك أهمّ مصادرها:
1ـ روى ابن سعد بإسناده إلى مجالد عن الشعبيّ عن الحارث قال: (لما رجع عليّ من صفين علم أنه لا يملك، فتكلم بأشياء لم يكن يتكلم بها قبل ذاك، وقال أشياء لم يكن يقولها قبل ذاك، فقال: «أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل») [الطبقات الكبرى ج6 ص20].
2ـ روى عبد الله بن أحمد بإسناده إلى مجالد عن الشعبيّ عن الحارث الأعور، قال: «سمعت عليّاً (رض) يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية، والذي نفسي بيده ما بينكم وبين أن تنظروا إلى جماجم الرجال تندر عن كواهلها كأنها الحنظل إلا أن يفارقكم معاوية») [السنة ج2 ص550].
3ـ روى ابن عساكر بإسناده إلى مجالد عن الشعبيّ عن الحارث عن عليّ قال: «لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لئن فقدتموه لترون رؤوسا تندر عن كواهلها كأنها الحنظل» [تاريخ دمشق ج59 ص151].
وينظر: مصنف ابن أبي شيبة ج21 ص523، شرح أصول الاعتقاد ج8 ص1539، دلائل النبوة ج6 ص466، وغيرها.
الأمر الثاني: في بيان اعتبار الرواية:
كما ترى فإنّ جميع مصادر الرواية وطرقها تشترك في «مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، عن الحارث الهمداني، عن الإمام (عليه السلام)»، وهذا الإسناد ضعيفٌ جداً، فإنّه بغضِّ النظر عن كون الحارث الهمدانيّ مقدوحاً فيه عند جمع من علماء العامّة، وبغضِّ النظر عن كون الشعبيّ ماجناً ناصبيّاً منحرفاً عن أهل البيت (عليهم السلام)، بل وكونه ممّن يرمي الحارث الهمدانيّ بالكذب!، فإنّ في الإسناد (مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي)، المشهور بالضعف الشديد، وإليك بعض كلمات علماء الرجال في حقّه:
قال البخاري: (كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه وكان أحمد ابن حنبل لا يراه شيئاً)، وقال ابن المديني: (قلت ليحيى بن سعيد: مجالد؟ قال: في نفسي منه شيء)، وقال أبو طالب عن أحمد: (ليس بشيء، يرفع حديثاً كثيراً لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس)، وقال الدوري: عن ابن معين: (لا يحتج بحديثه) [ينظر: تهذيب الكمال ج27 ص221، تهذيب التهذيب ج10 ص37].
والحاصل: أنّ العبارة محل البحث لا تصح نسبتها إلى الإمام (عليه السلام)؛ إذ إنّها لا تُعرَف إلّا من طريق (مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبيّ، عن الحارث الهمدانيّ)، وهذا طريق ضعيفٌ جدّاً، لا يحتجّ به.
الأمر الثالث: في بيان دلالة الرواية:
لو سلّمنا صحّة صدور الرواية من أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن هذه العبارة: «لا تكرهوا إمرة معاوية...» ليست واردة على سبيل مدح إمارة معاوية وتزكيتها؛ إذ إنّ الموقف الثابت لأمير المؤمنين (عليه السلام) معروف ومشهور، فإنّه كان يراها إمارة غير شرعيّة، وكان يحثّ الناس على جهاد معاوية، ومن جملة كلامه: «يا أهل الكوفة، خذوا أهبّتكم لجهاد عدوّكم معاوية وأشياعه» [الإرشاد ج1 ص277]، وكثيراً ما كان يذمّ معاوية وإمرته بشدة [ينظر: الغارات 2 ص625، تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص198]، وكلّ ذلك من المشهورات.
فقوله (عليه السلام): «لا تكرهوا إمارة معاوية، فوالله لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل» إنذار وإنباء بحصول فتن عظيمة بعد هلاك معاوية، إذ إنّه هلك سنة 60هـ، وتولّى بعده يزيد بن معاوية، فقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في أهل بيته وأصحابه بمجزرة كربلاء، ثم استباح المدينة المنوّرة لجيشه ثلاثة أيام، ثم رمى الكعبة بالمنجنيق، ولا يخفى أنّ هذه الجرائم أعظم وأشنع من جرائم معاوية. ثم ما فعله بعده أمثال الحجّاج بن يوسف الثقفي بالشيعة وأهل الكوفة فهو أعظم وأشنع ممّا صنعه معاوية.
فقول الإمام: «لا تكرهوا إمارة معاوية» من باب المبالغة في تصوير فظاعة إمارة يزيد وأشباهه التي ستكون بعد هلاك معاوية، فـ «لا تكرهوا» نسبةً لغيره؛ إذ غيره أشدّ شناعة وأكثر فظاعة، فهذه العبارة من باب المفاضلة بين الإمارات السيّئة وترجيح بعضها على بعض، وليس «لا تكرهوا» لأنّ إمارته حسنة وجيّدة في نفسها، بل «لا تكرهوا» قياساً مع الإمارات التي ستأتي بعدها، لذا نجده يقول: «فوالله لو فقدتموه» يعني لو فقدتم معاوية وانتهت إمارته، «لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل»، وهذا وصفٌ لما سيحصل بعد هلاك معاوية وبدء إمارة يزيد وأمثاله.
فهذه الرواية تقع في سياق ما يُروى: أنّ أبا هريرة كان (يمشي في سوق المدينة وهو يقول: اللهم لا تدركني سنة الستين. ويحكم، تمسّكوا بصدغي معاوية. اللهم لا تدركني إمارة الصبيان) [تاريخ دمشق ج59 ص217، دلائل النبوة ج6 ص466].
إذن: تعدّ هذه المقولة من أمير المؤمنين (عليه السلام) من إخباراته المستقبليّة التي تنذر بالفتن اللاحقة والجرائم التي ستحصل في المستقبل، وليست تزكية لإمارة معاوية نفسها، وهذا ما فهمه علماء أهل السنّة أنفسهم:
فقد عقد البيهقيّ باباً بعنوان: (ما جاء في إخبار النبي (ص) بالفتن التي ظهرت بعد الستين من أغيلمة من قريش، فكان كما أخبر)، ثم ذكر رواية أبي هريرة ورواية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم قال: (وهما إنما يقولان مثل هذا الشيء سمعاه من النبيّ) [دلائل النبوة ج6 ص464].
وأفرد ابن كثير عنواناً فقال: (إخباره (ص) لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته)، ثم ذكر فيه هذه الرواية [ينظر: البداية والنهاية ج6 ص255].
ونحوهما صنع المقريزيّ في [إمتاع الأسماع ج12 ص230]، والسيوطيّ في [الخصائص الكبرى ج2 ص139].
الحاصل: لا تصح نسبة هذه المقولة لأمير المؤمنين (عليه السلام) لأنّ إسنادها ضعيف جداً، ولو سلّمنا ذلك فهي ليست صادرة على سبيل المدح لإمرة معاوية، بل على الإنذار من الفتن المستقبلية، كما فهم ذلك علماء أهل السنّة.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
اترك تعليق