كيفية حمل الأمير(ع) باب خيبر
السؤال: كيف قام الإمام عليٌّ (عليه السلام) بحمل باب خيبر؟ وهل يُعتبر ذلك معجزةً، أم يعكس قوَّةً جسديَّة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (عليٌّ قالع باب خيبر) مجموعةً من الروايات الدالَّة على أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قام بقلع باب خيبر في حين عجز عنه الكثيرون، نتبرَّك بذكر روايةٍ واحدةٍ رغبةً في الاختصار.
روى شيخنا الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) دفع الراية يوم خيبر إلى رجلٍ من أصحابه فرجع منهزماً، فدفعها إلى آخر فرجع يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنونه، قد ردَّ الراية منهزماً، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله، لا يرجع حتَّى يفتح الله على يديه»، فلمَّا أصبح قال: ادعو لي علياً. فقيل له: يا رسول الله، هو رَمِدٌ. فقال: «ادعوه». فلمَّا جاء تفل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في عينيه، وقال: اللهمَّ ادفع عنه الحر والبرد. ثمَّ دفع الراية إليه ومضى، فما رجع إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلَّا بفتح خيبر ... فحمل عليهم عليٌّ (عليه السلام) حتَّى دنا من الباب، فثنى رجله، ثمَّ نزل مغضباً إلى أصل عتبة الباب فاقتلعه، ثمَّ رمى به خلف ظهره أربعين ذراعاً!
قال ابن عمر: وما عجبنا من فتح الله خيبر على يدي عليٍّ (عليه السلام)، ولكنَّا عجبنا من قلعه الباب ورميه خلفه أربعين ذراعاً، ولقد تكلَّف حمله أربعون رجلاً فما أطاقوه، فأُخبِر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) بذلك فقال: والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملكاً» [الأمالي ص٦٠٣].
إذا بان عزيزي السائل، فاعلم أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنْ كان أشجع الناس بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلَّا أنَّه صرَّح في جملة من الأخبار بأنَّ حمل الباب كان من باب المعجزة الإلهيَّة.
1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن يونس بن ظبيان، عن الصادق جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال في رسالته إلى سهل بن حنيف (رحمه الله): «والله ما قلعتُ باب خيبر ورميتُ بها خلف ظهري أربعين ذراعاً بقوةٍ جسديةٍ، ولا حركةٍ غذائيةٍ، لكني أيدت بقوَّةٍ ملكوتيةٍ، ونفسٍ بنور ربِّها مضية، وأنا من أحمد كالضوء من الضوء، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولِّيت، ولو أمكنتني الفرصة من رقابها لما بقيت، ومن لم يبال متى حتفه عليه ساقط، فجنانه في الملمات رابط» [الأمالي ص604، بشارة المصطفى ص294].
2ـ وروى أيضاً ـ كما في النص السابق ـ فقال: «ولقد تكلَّف حمله أربعون رجلاً فما أطاقوه، فأُخبِر النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) بذلك فقال: «والذي نفسي بيده لقد أعانه عليه أربعون ملكاً» [الأمالي ص ٦٠٣].
3ـ وروى الحافظ البرسيُّ (طاب ثراه) وقال: «لما جاءت صفية إلى الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وكانت أحسن الناس وجهاً فرأى في وجهها شجَّة، فقال: ما هذه وأنت ابنة الملوك؟ فقالت: إنَّ علياً لما قدم الحصن هزَّ الباب فاهتزَّ الحصن، وسقط من كان عليه من النظارة وارتجف بي السرير، فسقطتُ لوجهي فشجَّني جانب السرير، فقال لها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): يا صفية، إنَّ علياً عظيم عند الله، وإنه لما هزَّ الباب اهتزَّ الحصن واهتزَّت السماوات السبع، والأرضون السبع، واهتزَّ عرش الرحمن غضباً لعليٍّ، وفي ذلك اليوم لما سأله عمر فقال: يا أبا الحسن، لقد اقتلعت منيعاً ولك ثلاثة أيام خميصاً، فهل قلعتها بقوَّة بشرية؟ فقال: ما قلعتها بقوَّة بشرية، ولكن قلعتها بقوَّة إلهية، ونفسٍ بلقاء ربها مطمئنة رضية» [مشارق أنوار اليقين ص170، بحار الأنوار ج21 ص40].
4ـ وروى ابن أبي الحديد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «والله ما قلعتُ باب خيبر، ودكدكتُ حصن يهودٍ بقوَّةٍ جسمانيَّة، بل بقوَّةٍ إلهية» [شرح نهج البلاغة ج20 ص316].
5ـ وقال الفخر الرازيُّ: إنَّ (كلَّ من كان أكثر علماً بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلباً وأقل ضعفاً؛ ولهذا قال عليُّ بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه): «والله ما قلعتُ باب خيبر بقوَّة جسدانيَّة، ولكن بقوَّة ربانيَّة»؛ وذلك لأنَّ علياً (كرَّم الله وجهه) في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد، وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء، فتقوَّى روحه وتشبَّه بجواهر الأرواح الملكيَّة، وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة، فلا جَرَمَ حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره، وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله: كنتُ له سمعاً وبصراً، فإذا صار نور جلال الله سمعاً له سمع القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور بصراً له رأى القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور يداً له قدر على التصرُّف في الصعب والسهل والبعيد والقريب) [تفسير الرازي ج21 ص436].
6ـ وقال نظام الدين النيسابوريُّ: (قالت الحكماء: إنَّ النفس إذا قويت بحسب قوَّتها العلميَّة والعمليَّة تصرَّفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرَّف في جسده. قلتُ: وذلك أنَّ النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتَّى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرُّف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه): «والله ما قلعتُ باب خيبر بقوَّةٍ جسدانيَّةٍ ولكن بقوةٍ ربانيَّة») [تفسير النيسابوري ج4 ص418].
وللمزيد انظر: [الدر النظيم ص271، الطرائف ص519، النجاة في القيامة ص162، كشف اليقين ص141، النافع يوم الحشر ص192]، وغيرها من المصادر الكثيرة.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع باب خيبر بمعجزةٍ إلهيَّة، كما ورد في الأخبار وكلمات العلماء .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق