إنا أهل بيتٍ لا يُقاس بنا أحد

السؤال: رُوِي عن أحدِ المعصومين (عليهم السلام) قوله: «نحن أهل بيتٍ لا يُقاس بنا أحد». ومع ذلك نجد بعض الروايات التي تشير إلى أنَّ أهل البيت قد شبَّهوا بعض صحابتهم بهم، أو تمَّ تشبيه بعضهم بمخلوقاتٍ أُخرى، كما في تشبيه شجاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالأسد، وغير ذلك، فما هو ردُّكم على ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في جوابٍ سابقٍ تحت عنوان (هل يُمكن الوصول إلى مقام المعصوم؟) جملةٌ من الروايات الدالَّة على أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يُقاس بهم أحدٌ من الخلق، نذكر روايةً واحدةً فقط.

روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن عباد بن صهيب قال: «قلتُ للصادق جعفر بن محمَّد (عليه السلام) أخبرني عن أبي ذر أهو أفضل أم أنتم أهل البيت؟ فقال: يا بن صهيب، كم شهور السنة؟ فقلت: اثني عشر شهراً، فقال: وكم الحرم منها؟ قلت: أربعة أشهر، قال: فشهر رمضان منها؟ قلت: لا، قال: فشهر رمضان أفضل أم أشهر الحرم؟ فقلت: بل شهر رمضان، قال: فكذلك نحن أهل البيت لا يُقاس بنا أحد» [علل الشرائع ج1 ص177، معاني الأخبار ص189، الاختصاص ص12].

إذا بان هذا ـ عزيزي السائل ـ فقد ذكرنا هناك أنَّ المراد من قولهم «إنَّا أهل بيت لا يُقاس بنا أحد» هو عدم إمكان الوصول إلى ما بلغوا إليه من الرتب العالية، والمقامات الساميَّة التي منحها الله لهم، وليس عدم صحَّة التشبيه المطلق؛ وذلك لما جاء في عددٍ من الروايات التي ورد تشبيه غيرهم بهم (عليهم السلام)، كما هو واضح.

من ذلك:

1ـ تشبيه الملَك بعليِّ بن أبي طالب (ع).

روى المحدِّث الطبريُّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي هريرة عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «ليلة أسري بي وصرتُ إلى السماء الرابعة، نظرتُ فإذا بمَلكٍ شبيهٌ بعليِّ بن أبي طالب، فقلتُ له: ألم اخلفك في أمتي؟ قال: فتبسَّم جبرئيل (عليه السلام) ضاحكاً وقال لي: يا محمَّد، شبَّهته بابن عمِّك؟ فقلتُ: نعم. فقال: والذي بعثك بالحق نبيَّاً لقد خلق الله (عزَّ وجلَّ) هذا الملك في صورة علي بن أبي طالب (عليه السلام) من حبِّه لعليٍّ» [نوادر المعجزات ص73].

2ـ تشبيه جعفر برسول الله (ص).

روى أهل العامَّة بالإسناد عن هبيرة بن يريم وهانئ بن هانئ عن عليٍّ أنَّ رسول الله، (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، قال لجعفر بن أبي طالب ـ في حديث بنت حمزة ‌ـ: (أشبهت خَلقي وخُلقي) [الطبقات الكبرى ج4 ص33، مصنَّف ابن أبي شيبة ج18 ص101، صحيح البخاريّ ج2 ص960]، وغيرها.

ورووا مثله في حقِّ عبد الله بن جعفر.[يُنظر: الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ج1 ص313].

3ـ تشبيه علي الأكبر برسول الله (ص).

قال الخوارزميُّ: (فتقدَّم عليُّ بن الحسين، وأمه ليلى بنت أبي مرَّة بن عروة بن مسعود الثقفيّ، وهو يومئذٍ ابن ثمان عشرة سنة، فلما رآه الحسين رفع شيبته نحو السماء، وقال: « اللَّهمَّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، كنَّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللَّهمَّ فامنعهم بركات الأرض، وإنْ منعتهم ففرِّقهم تفريقاً، ومزِّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً، فإنَّهم دعونا لينصرونا، ثمَّ عدوا علينا يقاتلونا ويقتلونا») [مقتل الحسين (عليه السلام) ج2 ص34، اللهوف في قتلى الطفوف ص67، تسلية المجالس للحائريّ ج2 ص310]، وغيرها.

4ـ تشبيه إبراهيم بأبيه رسول الله (ص).

روى أهل العامَّة بالإسناد عن عبد الله بن عمرو، وفيه قوله في قصَّة السيِّدة مارية القبطيَّة: (أنَّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد برَّأها وقريبها، وأنَّ في بطنها غلاماً منِّي وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أنْ أسمِّيه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم) [فتوح مصر وأخبارها للقرشيّ ص121، اعتلال القلوب للخرائطي ص357]، وغيرهما.

5ـ تشبيه حَسَن الأخلاق بالنبيِّ (ص).

روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «إنَّ جبرئيل الروح الأمين نزل عليَّ من عند ربِّ العالمين، فقال: يا محمَّد، عليك بحُسن الخلق، فإنَّ سوء الخلق يذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإنَّ أشبهكم بي أحسنكم خلقاً) [الأمالي ص344، عيون أخبار الرضا ج2 ص55]، وغيرهما.

وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جدِّه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «يا علي، أوصيك بوصية فاحفظها فلا تزال بخير ما حفظت وصيَّتي ... إلى قوله: يا علي، ألا أخبركم بأشبهكم بي خلقاً؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً، وأعظمكم حلماً، وأبرَّكم بقرابته، وأشدَّكم من نفسه إنصافاً» [الفقيه ج4 ص352].

وروى الشيخ الكلينيُّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): «ألا أخبركم بأشبهكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً، وألينكم كنفاً، وأبرَّكم بقرابته، وأشدَّكم حباً لإخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفواً، وأشدَّكم من نفسه إنصافاً في الرضا والغضب» [الكافي ج2 ص240].

والنتيجة المتحصَّلة من جميع ذلك، أنَّ التشبيه والقياس المنهيَّ عنه هو ما كان راجعاً إلى مقاماتهم الرفيعة التي خصَّهم الله بها، وليس مطلق التشبيه، كما تبيَّن من هذه الأخبار المذكورة .. والحمد لله ربِّ العالمين.