فيمن نزلت ﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾؟
السؤال: هل نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾ في شأن أبي بكر، أم في شأن غيره؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يريد السائل الكريم الآية 33 من سورة الزمر، حيث زعم بعض العامّة نزولها في أبي بكر، باستنادهم إلى ما رواه البزّار في [مسنده ج3 ص138]، وابن عساكر في [تاريخ دمشق ج30 ص440] وغيرهما عن عمر بن إبراهيم الهاشميّ، عن عبد الملك بن عمير عن أُسيد بن صفوان صاحب رسول الله (ص) قال: «لَمّا تُوفي أبو بكر سُجِّيَ بثوبٍ فارتجت المدينة بالبكاء، ودُهِشَ كيوم قُبِضَ رسول الله (ص) وجاء عليّ بن أبي طالب مسرعاً مسترجعاً، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوّة، حتّى وقف على باب البيت الذي هو فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر؛ كنت أوّل القوم إسلاماً، ... ، صدّقت رسول الله (ص) حين كذّبه الناس؛ فسماك الله في كتابه: صدّيقاً، فقال: والذي جاء بالصدق محمّد (ص) وصدّق به أبو بكر..».
هذا. ولكنّ الخبر المذكور مردودٌ من عدّة جهات:
الجهة الأولى: تضعيف العامّة له بلا خلاف:
فقد ذكر غير واحدٍ من علمائهم أنّ الخبر واهٍ لا يمكن التعويل عليه؛ لأنّ في سنده عمر بن إبراهيم الهاشميّ الكذّاب، قال الهيثميُّ: (رواه البزّار، وفيه عمر بن إبراهيم الهاشميّ الكرديّ، وهو كذّاب) [مجمع الزوائد ج9 ص148]. أقول: مدار الخبر على عمر بن إبراهيم، وهو معروف بوضع الأحاديث كما نصّ على ذلك الدارقطنيّ [ينظر: سنن الدارقطنيّ ج3 ص382].
وقال الذهبيّ: (وفي مسند الهيثم الشاشيّ: حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي العوام، حدّثنا أبي، حدّثنا عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عمير، عن أُسيد بن صفوان صاحب النبيّ (ص)، قال: لَمّا توفى أبو بكر ارتجت المدينة بالبكاء، وجاء عليٌّ باكياً مسترجعاً، ثمّ أثنى عليه، فساق أربعين سطراً يشهد القلب بوضع ذلك، وأُسيدٌ مجهول) [ميزان الاعتدال ج3 ص380]، وإذن: فالحديث عنده موضوعٌ مكذوبٌ.
الجهة الثانية: منافاة الخبر لرأي أمير المؤمنين (ع) في الأوّل والثاني:
لقد ذكر العامّة أنفسهم أنّ أمير المؤمنين (ع) يرى الرجلَين (كاذبَين آثمَين غادرَين خائنَين) كما أخرج ذلك مسلم بن الحجّاج في صحيحه بالإسناد إلى عمر بن الخطّاب أنّه قال لعليٍّ والعبّاس: «فلَمّا توفي رسول الله (ص) قال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله (ص): ما نُورَث، ما تركنا صدقة. فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائنا، والله يعلم إنَّه لصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق، ثمّ تُوفّي أبو بكر وأنا وليُّ رسول الله (ص)، ووليُّ أبي بكر، فرأيتماني كاذبا آثما غادراً خائناً، والله يعلم إنّي لصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحقّ فوليتها...» [صحيح مسلم ج5 ص151]. وقد اشتملت على رأي الإمام (ع) الصريح والواضح في الرجلين بتصريح عمر نفسه، فكيف يعقل معه تقريظه للأوّل ووصفه إيّاه بالصدِّيق المصدِّق بالحقّ؟!
الجهة الثالثة: إنكار عائشة نزول شيءٍ من القرآن فيهم:
أخرج البخاريّ عن يوسف بن ماهك قال: «كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايَع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إنّ هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلّا أنّ الله أنزل عذري».
والحديث - كما ترى - صريحٌ في نفي نزول أيّ شيءٍ من القرآن على الإطلاق في أبي بكر وأهل بيته جميعاً إلّا ما استثنته عائشة من آيات الإفك في سورة النور، فلو كانت الآية نازلةً في مدح أبيها لاستثنتها أيضاً، فمن أين جاء بسبب النزول هذا؟ [ينظر: دلائل الصدق ج6 ص554]؛ فإنّ تنكير عائشة للفظ (شيئاً) يفيد الإطلاق، وإتيانها بالاستثناء بعد النفي يفيد الاستيعاب والشمول لعموم آل أبي بكر كما هو واضح في العربيّة؛ لذا قال المحقق مصطفى البغا: (فينا: آل أبي بكر وبنيه) [صحيح البخاريّ ج4 ص1827].
هذا فيما يرتبط بشأن أبي بكر، وأمّا كون الآية نازلةً في غيره فذلك ممّا اتفقت عليه كلمات الكثير من علماء الفريقين، ودلّت عليه الأخبار المعتبرة عندهم، فقد ذكروا أنّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو رسول الله (ص)، وبقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو أمير المؤمنين عليٌّ (ع)، وإليك قطوفاً ممّا جاء في كتب السنّة:
1- روى النحّاس بإسناده عن مجاهد قال: (﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ محمّد (ص)، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ عليُّ بن أبي طالب (ع)) [معاني القرآن ج6 ص176].
2- وأخرج أبو بكر ابن مردويه ثلاث رواياتٍ في ذلك، إحداها: ما تقدّم عن مجاهد، والثانيّة عن أبي هريرة قال: «﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: رسول الله (ص)، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: عليّ بن أبي طالب»، وأمّا الثالثة فعن مولانا أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «﴿الَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ محمّد (ص)، والذي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ عليّ بن أبي طالب» [مناقب ابن مردويه ص315].
3- وأخرج ابن عساكر روايتين بهذا المعنى أيضاً. [ينظر: تاريخ دمشق ج42 ص359].
4- وقال الآلوسيّ عند تفسيره للآية محل البحث: (وقال أبو الأسود، ومجاهد في رواية، وجماعةٌ من أهل البيت، وغيرهم: الذي صدّق به هو علي (كرّم الله تعالى وجهه). وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)) [تفسير الآلوسيّ ج24 ص3].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق