هل كانت حروب علي بأمر النبيّ؟

السؤال: هل يثبتْ من مصادر العامة أنَّ قتال الإمام علي (عليه السلام) خلال فترة خلافته ضد "الناكثين والقاسطين والمارقين" كان بتوجيهٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

: الشيخ أحمد الكعبي

 الجواب:

من المسائل التي حظيت باهتمامٍ بالغٍ وأثارت الكثير من الجدل والكلام بين الفرق والمذاهب الوقائع الثلاث الكبرى التي خاضها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مواجهة الناكثين (أهل الجمل)، والقاسطين (أهل الشام)، والمارقين (الخوارج).

وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار تلك الحروب اجتهاداً سياسياً من الإمام علي (عليه السلام)، في حين تؤكّد رواياتٌ متعدّدةٌ ومعتبرةُ أنّ تلك المواقف لم تكن نابعةً من اجتهادٍ شخصيٍّ، بل كانت بعهدٍ وأمرٍ مباشرٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

إنّ هذا البحث يُسلّط الضوء على الروايات الواردة من طرقٍ مختلفةٍ – من الصحابة ومن أمهات المؤمنين، وبأسانيد متعدّدة – تثبت بوضوح أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو من عهد إلى الإمام عليٍّ (عليه السلام) بقتال هؤلاء، وحدّد له صفاتهم، وأمره بذلك.

هذا مع قطع النظر عمّا ورد من طرق أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ الحصيلة تكون من حيث الكثرة والاتفاق في مرتبة التواتر المعنويّ، مما يمنح هذه الدلالة قوةً توثيقيَّةً واعتقاديَّةً معتبرةً، لا يمكن إغفالها.

وفيما يأتي بيان هذه الروايات:

أولا: ما ورد عن الإمام عليٍّ (ع) بطرقٍ متعدّدةٍ أنّه قال: «أُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».[ينظر: المعجم الأوسط الطبرانيّ ج8 ص213، وتاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ج42 ص469]، وقد علّق الهيثميُّ على الرواية قائلاً: (رواه البزار والطبرانيّ في الأوسط، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، غير الربيع بن سعيد، ووثقه ابن حبان). [مجمع الزوائد ج7 ص238].

كما وردت هذه الرواية من طريقٍ آخر في [أنساب الأشراف ج2 ص138، ومسند أبي يعلى ج1 ص397، 186، وتاريخ دمشق ج42 ص468، وفي مسند البزّار]. وقد علّق عليها الهيثميّ عليها بما تقدّم نقله.

كما وردت هذه الرواية من طرقٍ أخرى في [تاريخ بغداد ج8 ص336، وتاريخ دمشق ج42 ص470، ومناقب علي لابن مردويه ص161].

ثانياً: ما ورد عن أبي أيوب الأنصاريّ بطرقٍ متعدّدةٍ أنّه قال: «أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليَّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»، [ينظر: المستدرك ج3 ص139، تاريخ دمشق ج42 ص472، المعجم الكبير ج4 ص172، ونحوه أيضاً في تاريخ دمشق ج16 ص54، وتاريخ بغداد ج13 ص189].

ثالثا: ما ورد عن عبد الله بن مسعود بطرقٍ متعدّدةٍ أنّه قال: «أُمر عليٌّ بقتال الناكثينَ والقاسطينَ والمارقينَ». [ينظر: المعجم الأوسط ج9 165، المعجم الكبير ج10 ص92، مسند الشاشيّ ج1 ص342، تاريخ دمشق ج42 ص470].

رابعا: ما ورد عن عمَّار بن ياسر بطرقٍ متعدّدةٍ أنّه قال: «أمرني رسولُ الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين». [ينظر: المعجم الكبير ج7 ص239، مسند أبي يعلى ج3 ص194، تاريخ دمشق ج43 ص456، وقعة صفين للمنقري ص338، الفتوح ج3 ص77].

خامسا: ما ورد عن أبي سعيد الخدريّ قال: «أمرنا رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلنا: يا رسولَ الله، أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع مَن؟ قال: مع عليِّ بن أبي طالب، معه يُقتل عمار بن ياسر». [أُسد الغابة ج4 ص33].

سادسا: ما ورد عن أم سلمة: «أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لي: اشهدي أنّ عليّاً وصيّي، وأنّه وليّي في الدنيا والآخرة، وأنّه يُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين». [مناقب علي لابن مردويه ص160].

سابعا: ما رُوي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في قوله تعالى: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «نزلت في عليّ بن أبي طالب، إنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي». [مناقب علي لابن مردويه ص318].

ثامناً: ما ورد عن ابن عباس أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لأم سلمة: «اشهدي يا أم سلمة أنَّ علياً يُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين». ثم علّق ابن عباس بقوله: «وقتلُهم لله رضىً، وللأمة صلاح، ولأهل الضلالة سخط». [المحاسن والمساوئ للبيهقي ج1 ص20، مناقب الإمام علي للكوفي ج1 ص369].

فهذه الروايات الواردة في مصادر التراث الإسلاميّ تمثّل دليلاً واضحاً على أنَّ معارك الإمام علي (عليه السلام) ضد الفرق المنحرفة (الناكثين والقاسطين والمارقين) لم تكن قراراً فردياً أو سياسةً خاصةً، بل كانت تنفيذاً لوصية النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولعهدٍ إلهيٍّ مباشر.

وهي تدلُّ على أنَّ هذه الفئات ضالةٌ أو باغيةٌ أو مارقةٌ، وأنًّ الإمام عليَّاً (عليه السلام) كان يمثل محور الهداية والحق والعدل، ومن وقف مع عليٍّ (عليه السلام) كان على الصراط المستقيم، ومن حاربه، كان محاربا للحق، ولو كان من كبار الصحابة، فالمعيار هو الحق لا الأشخاص.

والحمد لله ربّ العالمين.