امتياز الصوم عن سائر العبادات

السؤال: ما هو معنى الحديث القدسيّ: « إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به؟، ولماذا خصّه الله بالتفضيل؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أخي السائل الكريم أنّ الجواب عمّا أشرتم إليه من الحديث القدسيّ الشريف يتأتّى من جهتين:

الجهة الأولى: في بيان المعنى الإجمالي للحديث:

روى الصدوق والبخاريّ بالإسناد إلى النبيّ (ص) قال: «قال الله: كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصيام [الصوم]، فإنّه لي وأنا أجزي به» [الخصال ص45، فضائل الأشهر الثلاثة ص134، الفقيه ج2 ص75، صحيح البخاريّ ج2 ص238]، هذا هو أشهر ألفاظ الحديث.

وقد قُرئ قوله: «وأنا أُجزِي» تارة بالبناء للمعلوم، والمعنى أنّه تعالى بذاته هو الذي يجازي الصائم جزاءً عظيماً لا يعلم مقداره ونوعه إلّا الله تعالى. وأخرى بالبناء للمجهول «وأنا أُجزَى به» والمعنى أنّ جزاءه هو شدّة قربه منه تعالى.

قال السيّد السبزواري: (وأمّا قوله: «وأنا أجزي به» فهو كناية عن كمال الجزاء، وعدم اطّلاع أحدٍ عليه، فيكون المقام نظير قوله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، هذا إن قُرئ بصيغة المعلوم، وأمّا إذا قُرئ بصيغة المجهول - أي أنّ الله بذاته الأقدس يكون جزاءً لهذا العمل – فيكون كناية عن قرب الصائم إلى ربّه، بحيث لا يمكن تحديده بحدٍّ) [مواهب الرحمن ج3 ص19].

الجهة الثانية: في بيان الوجه في تفضيل الصوم:

اختلف العلماء في مدى دلالة الحديث على تفضيل الصيام على سائر العبادات والأعمال الصالحة من عدمه، فذهب مشهور العامّة إلى عدم دلالته على ذلك. قال النوويّ: (أمّا حكم المسألة فالمذهب الصحيح المشهور أنّ الصلاة أفضل من الصوم وسائر عبادات البدن) [المجموع ج4 ص3].

وذهب الشريف الرضيّ إلى بيان مزيّة الصوم على سائر العبادات بقوله: (وللصوم مزيةٌ على سائر العبادات في هذا المعنى، وإن كانت إذا أدّيت على شروطها بهذه الصفة. وذلك أنّ الصيام لا يظهر أثره بقول اللسان ولا فعل الأركان، وإنّما هو نيّة في القلوب وإمساك عن حركات المطعم والمشرب؛ فهو يقع بين الانسان وبين الله خالصاً من غير رياء ولا نفاق، وسائر العبادات وضروب القرب والطاعات قد يجوز أن يُفلّ على وجه الرياء والسمعة دون حقائق الإخلاص والطاعة - إلى أن قال: - فأمّا ما روي في الخبر من أنّه (عليه الصلاة والسلام) قال حاكياً عن الله تعالى: «كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزى به» فليس ما فيه من تفضيل الصوم بِدالٍّ على أنّ غيره من العبادات ليس بأفضل منه، وإنّما وجه اختصاصه بالذكر من بين العبادات على التعظيم له لأجل ما قدمنا ذكره من أنّه [لا] يفعل إلّا على محض الإخلاص، ولا يتأتّى في حقيقته شيء من الرياء والنفاق، وقد جاء عنه (عليه الصلاة والسلام) أنّه قال: «ليس في الصوم رياء») [المجازات النبويّة ص198].

وقد ذُكرت في كلمات العلماء امتيازات عديدة للصوم عن سائر الأعمال، وأهمّها خمسة وجوه، ولكنّها معارَضة بغيرها وغير وافية:

الأول: اختصاص الصوم بترك الشهوات والملاذّ في الفرج والبطن، وذلك أمرٌ عظيمٌ يُوجب التشريف، وعورض بالجهاد، فإنّ فيه ترك الحياة فضلاً عن الشهوات، وبالحجّ إذ فيه الإحرام ومتروكاته كثيرة.

الثاني: إنّه أمر خفيّ لا يمكن الاطلاع عليه، فلذلك شَرُف، بخلاف الصلاة والجهاد وغيرهما. وأجيب: بأنّ الإيمان والإخلاص أفعال القلب والخشية خفيّة مع تناول الحديث إيّاها.

الثالث: إنّ عدم ملئ الجوف تَشَبُّه بصفة الصمديّة، وأُشكل عليه: بأنّ طلب العلم تشبيهٌ بأجلّ صفات الربوبيّة وهو العلم الذاتيّ، وكذلك الإحسان إلى المؤمنين وتعظيم الأولياء والصالحين كلّ ذلك فيه التخلُّق تشبيهاً بصفات الله تعالى.

الرابع: أنّ جميع العبادات وقع فيها التقرب إلى غير الله تعالى الّا الصوم فإنّه لم يتقرب به إلّا إلى الله وحده. ورُدَّ: بأنّ الصوم يفعله عبدة الكواكب.

الخامس: أنّ الصوم يُوجب صفاء العقل والفكر بواسطة ضعف القوى الشهوية بسبب الجوع؛ ولذلك قال (ص): «لا تدخل الحكمة جوفاً مُلئ طعاماً» [عوالي اللئالي ج1 ص425]، وصفاء العقل والفكر يُوجبان حصول المعارف الربانيّة التي هي أشرف أحوال النفس الانسانية. وأجيب عنه: بأنّ سائر العبادات إذا واظب عليها أورثت ذلك، وخصوصاً الصلاة.

[ينظر: الفروق للقرافي ج1 ص133، القواعد والفوائد ج2 ص37، نضد القواعد الفقهية ص247].

قال الشهيد الأوّل: (وقال بعضهم: لم أرَ فيه فرقاً تقرّ به العين ويسكن إليه القلب. ولقائل أن يقول: هب أنّ كلّ واحدٍ من هذه الأجوبة مدخولٌ بما ذُكر، فلِمَ لا يكون مجموعها هو الفارق؛ فإنّه لا تجتمع هذه الأمور المذكورة لغير الصوم، وهذا واضح) [القواعد والفوائد ج2 ص39].

والحمد لله ربّ العالمين.