كلمة {نساءنا} في آية المباهلة تعني فاطمة (ع)
السؤال: كيف يمكننا الردُّ على ما قيل عن كلمة {نساءنا} في آية المباهلة تُستخدم بشكلٍ أوسع من (البنت)؛ لأَّنها تشمل أيضًا الزوجة والأخت والأم والعمة والخالة؛ لذا الإشكال هنا يتعلق بالقول بالتخصيص بفاطمة مع ان اللفظ جاء بصيغة الجمع {نساءنا} فلماذا لم يقل بناتنا ؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله- أنَّ روايات المخالفين متفقةٌ على أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) اختار يوم المباهلة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ لتكون مصداقاً لـ {نساءنا}، إذ قال أبو عبد الله الحاكم: (وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخذ يوم المباهلة بيد علي وحسن وحسين، وجعلوا فاطمة وراءهم، ثم قال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا، فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) [معرفة علوم الحديث ص٥٠].
وقال أبو بكر الجصاص: (إنَّ رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا في أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضي الله عنهم، ودعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة...) [أحكام القرآن ج٢ ص١٦].
ومن بين تلك الآثار نقتصر على ما رواه بعض كبار محدّثي العامة كـ مسلم، وأحمد، والترمذيّ، والنسائي، والحسن بن عرفة، جميعهم من طريق بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: «..ولما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} دعا رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللَّهم هؤلاء أهلي» [صحيح مسلم ج7 ص120، مسند أحمد ج1ص185، سنن الترمذي ج10ص 228، خصائص عليّ ص73، جزء الحسن بن عرفة ص 69]، وأخرج غيرهم من طرقٍ أخرى.
وبعد أنْ اتضح لك استفاضة الأخبار التي حدَّدت مصداق النساء في الآية بالسيدة فاطمة (عليها السلام) فلابد أنْ تعلم أنَّه لا ريب في أنَّ كلمة «نساء» تُستخدم بمعنى أوسع من مجرد البنت، فهي تشمل أيضًا الزوجة والأخت والأم والعمَّة والخالة، لكن آية المباهلة ناظرةٌ إلى تطبيق لفظ (النساء) العام على السيدة فاطمة (عليه السلام) لتكون مثالاً خاصاً من النساء - كما ثبت بالأخبار الكثيرة -، ويدعم هذا التخصيص ما ورد في القرآن الكريم حيث أُطلق لفظ النساء على البنت، ونستشهد بآيتين كالتالي:
1ـ قوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}[النساء: 11]. فأن كلمة {نساء} هنا يراد منها بنات المتوفى فلهنَّ ثلث ما ترك.
2ـ قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [إبراهيم:6]، وهنا يراد من قوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}، تركهم البنات الصغار من القتل عند ولادتهنَّ، كما حكى الطبريّ ذلك عن ابن عباس والسدي وغيرهما [انظر: تفسير الطبريّ ج16 ص533].
وأمَّا أنه لماذا لم يقل (بناتنا) بدلاً عن قوله: {نِسَاءنَا} ففيه وجوه:
أحدها: أراد أن يكون العنوان شاملًا للأخوات والزوجات، والأمهات إذ الغرض هو بيان إمكانية دخول كلِّ طرفٍ في المباهلة. فلو قال: (بناتنا) لكان ذلك قد يوحي بعدم إمكانية دخول الأخت والزوجة والأم في المباهلة، مع أنَّ الهدف من الآية هو التأكيد على أنَّ لكلِّ طرفٍ في المباهلة حرية اختيار من يشاء من نسائه.
والثاني: أراد شمول التفضيل على سائر النساء فلو عبَّر بلفظ: (بناتنا) لكان ذلك تخصيص فضل الصديقة الكبرى فاطمة (عليها السلام) على بناته أو البنات دون الأخوات والأزواج والأمهات وسائر النساء.
والثالث: لو كان في النساء مَن يفضُلُ فاطمة (عليها السلام) لاختارها النبي (صلى الله عليه وآله) دونها أو يُضاهيها في الفضل لاختارها معها وعدمُ اختيار غيرِها أو معها دليلٌ على تميُّزِها عمَّن سواها.
ويؤيد ذلك كله ما ورد في السنَّة المحمديَّة من تفضيل الصدّيقة فاطمة على سائر نساء العالمين؛ فقد روى البخاريّ ومسلم بالإسناد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال لفاطمة: «أما ترضين أنْ تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين» [صحيح البخاريّ ج4 ص183، ج7 ص142، صحيح مسلم ج7 ص143]. وقال الحاكم: (الأخبار ثابتةٌ صحيحةٌ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، وأنّ فاطمة سيّدة نساء هذه الأمّة) [فضائل فاطمة ص35].
نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق