الدور العقائديّ للإمام الصادق (ع)

السؤال: ما هو الدور العقائديّ الذي مارسه الإمام الصادق (ع) في مدة إمامته؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

تزامناً مع احتدام الصراع الفكريّ والعقائديّ في عصر مولانا الإمام الصادق (ع) وعلى الجبهتين الداخليّة المتمثّلة بالفرق والنحل المبتدَعة والضالّة، والأخرى الخارجيّة المتشخّصة بحركات الزندقة، اقتضت الحكمة الإلهيّة أنْ تمتدّ إمامة الإمام (ع) أربعة وثلاثين عاماً، أمكن له من خلالها أنْ يبدّد بنور الحقيقة غياهب الأوهام، ويفتق ببارق البراهين حجب الأفهام، ويهدم أسوار الإلحاد بنور الإسلام، حيث تدرّج (ع) من بيان أُمُهات المسائل العقائدية الحاضرة على الساحة آنذاك، في أصول الدين الخمسة من التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة والمعاد، وصولاً إلى صغريات فروعها ومسائلها حتّى لم يترك شاردة إلّا وأدركها، ولا واردة إلّا وقف عندها، فأبان بذلك مذهب أهل البيت (ع) في مختلف القضايا الكلاميّة، وجلا عن صفحته الغموض والإبهام، ورائده في ذلك كلّه العقل وما نطق به الذكر الحكيم والسنّة الشريفة.

ويمكن استكشاف عظيم أثره (ع) في الساحة الفكريّة والعقديّة من خلال إطلالةٍ سريعةٍ ومقتضبةٍ على شيءٍ من تراثه السامي المسطور في بطون الكتب الكلاميّة في الأبواب التاليّة:

1- باب التوحيد، ومن أبرز ما فيه:

أوّلاً: معاجلة شبهات الملحدين حول إثبات الصانع:

كان الملحدون والزنادقة يثيرون الكثير من الشبهات على توحيد الله (عزَّ وجلَّ)، وكان من أبرزهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي كان يزعم أنَّه لا خالق ولا مدبر لهذا الكون، وقد طرح المفضل بن عمر الجعفيّ الكوفيّ إشكالات ابن أبي العوجاء على الإمام الصادق (ع)، فأجابه الإمام (ع) بأدلةٍ علميَّةٍ قويةٍ، وأملى على المفضل في أيامٍ متعددةٍ رؤيته في التوحيد، وقد صدر ذلك في كتاب بعنوان (توحيد المفضل) وهو من أهم الكتب في العقائد، وبيَّن مسألة التوحيد بشكلٍ علميٍّ، وبأدلةٍ منطقيةٍ مقنعةٍ، وهو من أكثر الكتب العقائدية استيعاباً وشمولاً للأدلة الحسيَّة والوجدانيَّة في مسألة التوحيد، ودعّم ذلك كلّه بأدلّةٍ حسيّةٍ آفاقيّةٍ وأنفسيّةٍ، وقد تحدث الإمام الصادق بصورةٍ موسعةٍ عن تكوين الإنسان، وما فيه من أجزاء وأعضاء دقيقةٍ تدلُّ على وجود الخالق القادر العليم.

ثانياً: التصدّي المبكّر لطلائع الثنويّة:

لقد ظهرت على الساحة في عصر الإمام الصادق (ع) بوادر بعض الحركات الداعية لعقيدة الثنويَّة وأنّ هنالك إلهين في الوجود إلهٍ للخير، وإلهٍ للشرّ، فقام الإمام بالتصدّي لتلك العقيدة الباطلة قبل تمكّنها من نفوس الناس، فقد روى الكلينيّ والصدوق عن هشام بن الحكم جوابه (ع) على شبهة أحد الثنويّة بقوله: «لا يخلو قولك: إنّهما اثنان من أن يكونا قديمين قويّين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً، فإن كانا قويّين فَلِمَ لا يدفع كلُّ واحد منهما صاحبه ويتفرّد بالتدبير؟!. وإنْ زعمت أنَّ أحدهما قويٌّ والآخر ضعيفٌ ثبت أنّه واحدٌ كما نقول؛ للعجز الظاهر في الثاني. وإنْ قلتَ: إنّهما اثنان لم يخل من أن يكونا مُتّفقين من كلّ جهةٍ أو مفترقين من كلِّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفُلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دلَّ صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنَّ المدبر واحد. ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فلابد من فرجةٍ بينهما حتّى يكونا اثنين فصارت الفرجة ثالثاً بينهما، قديماً معهما، فليزمك ثلاثة فإنْ ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً، ثمّ يُتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة» [الكافي ج1 ص80، التوحيد ص243]. وكما ترى فقد أثبت الإمام الصادق (ع) بعدّة أدلّةٍ قطعيٍّة وحدة واجب الوجود، وبطلان تعدده، وهذه الأدلّة معمول بها إلى يومنا هذا.

ثالثاً: إثبات عينيّة الصفات للذات:

لقد أوضح الإمام بما لا يقبل اللبس أنّ صفات الله تعالى الثبوتيّة الذاتيّة هي عين ذاته المقدّسة وليست شيئاً زائداً على الذات؛ لأنّ الصفة الزائدة إمّا أن تكون قديمةً فيلزم تعدد القدماء، وإما أنْ تكون حادثة فيلزم خلو الذات عنها قبل حدوثها؛ فقد أخرج الكلينيّ والصدوق عن أبي بصير قال: «سمعتُ أبا عبد الله (ع) يقول: لم يزلِ الله عزّ وجلّ ربُّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مُبصَر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم [أي وُجِدَ المعلوم]، وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصَر، والقدرة على المقدور، قال: قلتَ: فلم يزل الله متحركا؟ قال: فقال: تعالى الله [عن ذلك] إنّ الحركة صفة مُحدَثةٌ بالفعل، قال: قلت: فلم يزل الله متكلما؟ قال: فقال: إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّةٍ كان الله عزّ وجلّ ولا متكلم». [الكافي ج1 ص107، التوحيد ص139].

2- باب العدل الإلهيّ، ونذكر فيه مسألتين:

المسألة الأولى: أفعال العبد بين الجبر والتفويض:

ما من معركةٍ كلاميّةٍ دارت رحاها في هذا الباب بأشرس من تلك التي وقعت في هذه المسألة، فقد لاقى مفهوم الجبر الذي أقحمه بنو أميّة في منظومة العقيدة الإسلاميّة قبولاً واسعاً لدى الكثير من العوامّ، حتّى أدّى إلى نشوء اتّجاهٍ كلاميٍّ عريض المساحة رفع لواءه الأشاعرة وكانوا المنظّرين له. بيد أنّه جُوبِه بمفهوم التفويض الذي ابتدعه اليهود كما يُرشد إلى ذلك قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ...} [المائدة: 64]، ولقد استقطب التفويض الكثير من المسلمين، واضطلع المعتزلة بمسؤولية القول به فكانت لهم الريادة فيه. وليس خفيّاً كون الاتجاهين في منتهى الخطورة والانحراف؛ إذ القول بالجبر يفضي إلى اتهام الله تعالى بالإكراه والظلم وإجبار العباد على أفعالهم الصالحة والطالحة، وأمّا القول بأنّ الله تعالى فوّض إلى عباده أنْ يفعلوا ما يشاؤون ولا يمكنه التدخّل في ذلك، فواضح ما يعنيه من التعطيل ونسبة العجز لله تعالى والحدّ من سعة قدرته.

وفي ظلِّ هذا الانقسام القائم بين المدرستين يومذاك، أزاح الإمام الصادق (ع) الستار عن الحقيقة بعرضه للعقيدة الحقّة في المسألة من خلال أحاديث، أبرزها قوله المشهور: «لا جبر ولا تقويض، بل أمرٌ بين أمرين»، وقد أوضح الشيخ الصدوق مراده (ع) بذلك فقال: (وعنى بذلك: أنّ الله تبارك وتعالى لم يجبر عباده على المعاصي ولم يفوّض إليهم أمر الدين حتّى يقولوا فيه بآرائهم ومقائسهم، فإنّه عزّ وجلّ قد حدَّ ووظّف وشرّع وفرض وسَنَّ وأكمل لهم الدين، فلا تفويض مع التحديد والتوظيف والشرع والفرض والسُنّة وإكمال الدين) [التوحيد ص206].

المسألة الثانية: البَداء:

من المعروف أنّ البداء عقيدة إسلاميّة نطق بها الذكر الحكيم في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 29]، وقد عرفها المسلمون على عهد النبيّ الأكرم (ص) حتّى روى العامّة بأسانيدهم أنَّ عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: «اللَّهم إنْ كنتَ كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإنْ كنتَ كتبتَ عليَّ الذنب والشقوة فامحني واكتبني في أهل السعادة والمغفرة؛ فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب». وعن ابن مسعود أنّه كان يقول: «اللَّهم إنْ كنتَ كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإنْ كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء؛ فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب» [ينظر: تفسير الثعلبيّ ج15 ص318، تفسير القرطبيّ ج9 ص330].

لكن وبالرغم من ذلك فقد وجد أعداء التشيّع في هذه المسألة ضالّتهم فزعموا أنّ الشيعة يعتقدون بالله جلّ شأنه أنّه لم يكن عاملاً ثمّ عَلِمَ وأنّه يجوز عليه بداء الندامة: وهو أنْ يفعل الله فعلاً ما، ثمّ يتّضح له أنّ ما فعله غير صحيح، أو هنالك ما هو أفضل منه فيندم على ذلك يعدل عنه إلى غيره – تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً – فصارت هذه المسألة من أبرز الموجبات للطعن بدين الشيعة ورميهم بالكفر، حتّى قام الإمام الصادق (ع) بتوضيح المسألة بما يقطع الشك باليقين، حيث تدرّج في ذلك فأبان قبل كلّ شيء موقف المذهب ممّن يعتقد ببداء الندامة، فقال: «مَن زعم أنّ الله بدا له في شيء بَداء ندامة، فهو عندنا كافرٌ بالله العظيم»، وفي حديث آخر: «من زعم أنَّ الله بدا له في شيءٍ اليوم لم يعلمه أمس فابرؤا منه »، ثمّ عمد (ع) إلى بيان حقيقة البداء من خلال عدّة شواهد وبيانات، منها حادثة موت ولده إسماعيل فقال: «ما بدا لله في شيءٍ كما بدا له في ابني إسماعيل إذ اخترمه قبلي؛ لِيُعلَمَ أنّه ليس بإمام بعدي» [ينظر: الاعتقادات ص41] وبهذه الأحاديث ونظائرها أوضح الإمام الصادق (ع) أنَّ معنى البداء هو: (أنْ يُبدي - أي يُظهِر- الله تعالى للناس شيئاً على خلاف ما كانوا يتوقّعون) ، وللوقوف على تفاصيل المسالة يلاحظ كتاب البداء في ضوء الكتاب والسنّة للشيخ السبحانيّ.

3ـ باب الإمامة، ونكتفي فيه بذكر مسألتين:

المسألة الأولى: التنصيص على أسماء الأئمة الاثني عشر (ع):

فقد روى ابن عيّاش بإسناده عن داود بن كثير الرقيّ أنّه دخل على الإمام (ع) وعنده سماعة بن مهران، قال داود: « فقال أبو عبد الله (ع): يا سماعةُ بنَ مهران أتيني بتلك الصحيفة، فأتاه بصحيفةٍ بيضاء، فدفعها إليّ وقال لي: اقرأ هذه ممّا أُخرج إلينا أهل البيت يرثه كابرٌ عن كابرٍ منّا من لدن رسول الله (ص) ، فقرأتها فإذا فيها سطران : السطر الأول لا إله إلا الله محمد رسول الله، والسطر الثاني ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم عليّ بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وعليّ بن الحسين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، و الحسن بن عليّ، والخلف منهم الحجّة لله..» [مقتضب الأثر ص30].

المسالة الثانية: الاهتمام الكبير العقيدة المهدويّة:

فقد استمرّ الإمام الصادق تبعاً لآبائه (ع) بتوعية الأمّة ونشر ثقافة الغيبة المهدويّة، وبيان نسب الإمام المهديّ، وذكر علامات ظهوره، ولاسيّما الخمس الحتميّة منها وهي: (اليمانيّ، والسفيانيّ، والمناديّ ينادي من السماء، وخسفٌ بالبيداء، وقتل النفس الزكيّة)، وغير ذلك من جزئيات العقيدة المهدويّة كثيرة جدّاً، وبذلك فوّت الفرصة على مدّعي المهدوية في عصره وما بعده.

هذا شيءٌ ممّا يسمح به المقام وهنالك المزيد، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.