هل الله يحتاج إلى ما يدلّ خلقه عليه؟

السؤال: هل يحتاج الخالق إلى خلقه ليدلُّوا عليه؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

لعلَّ قصد السائل مدى احتياج الله سبحانه إلى نصب أدلةٍ كونيّةٍ أو علميّةٍ؛ لكي تدلّ الخلائق على وجوده جلّ شأنه، وبالتالي يرجع السؤال إلى الشبهة التي يتمسّك بها الملاحدة؛ حيث يزعم هؤلاء أنّه لو كان إلهاً لما احتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه من خلقه، ومن الواضح أنّ قولهم هذا يستبطن مصادرةً على المطلوب كثيراً ما تخفى على ضعفاء البصيرة وقليلي المعرفة؛ وذلك من خلال تفسيرهم حاجة المخلوق بحاجة الخالق.

فإنّ المعرفة على نحوين:

أحدهما: معرفةٌ فطريّةٌ توجد في الإنسان كجزءٍ لا يتجزأ من كيانه، وهي لا تحتاج إلى التعلّم والاكتساب، بل يكون المعلوم بهذا النوع من المعرفة ضروريّاً وبديهيّاً واضحاً لا يحتاج معه الإنسان إلى دليلٍ لإثبات وجوده، ومثالها علم الطفل الرضيع حين ولادته بأنّ حياته متوقّفةٌ على الطعام والشراب، وأنّ عليه تحصيل ذلك من خلال الرضاعة.

والأخرى: كسبيّة يتحصّل عليه الإنسان بسعيه وطلبه، وإلى مثل هذه المعرفة حصراً يشير قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] فإنّ السمع والبصر هما من وسائل تحصيل الإنسان للعلوم الكسبيّة.

وبحسب ما في القرآن الكريم فإنّ معرفة الإنسان بالله سبحانه هي معرفةٌ فطريّةٌ لا كسبيّةٌ، وعلمه بوحدانيّته وتنزّهه عن الشريك هو أمرٌ وجدانيٌّ ضروريٌّ راسخٌ في أعماق جِبِلّته وليس أمراً نظريّاً. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وقد جاءت روايات أهل البيت (ع) في معنى الآية صريحةً في أنّه تعالى فطر الإنسان على معرفته وتوحيده، فعن أبي عبد الله (ع) قال: «قلت: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، قال: التوحيد». وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عزّ وجلّ: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحجّ: 31] قال: الحنيفيّة من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به» [ينظر الكافي ج2 ص12]، وروى البرقيّ عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله عزّ وجلّ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، قال: فطرهم على معرفة أنّه ربُّهم، ولولا ذلك لم يعلموا إذا سُئلوا مَن ربّهم ولا مَن رازقهم» [المحاسن ج1 ص241].

لكنّ ما يلاحظ في المقام أنّ هذه الفطرة وإنْ كانت لا تقبل التبديل إلّا أنّها قابلة لعروض التلوّث عليها، وطروء حُجُب الغفلة المانعة من الالتفات والحضور.

فمن تلك الحجب: البيئة التي ينشأ فيها الإنسان، روى الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق (ع) قال: «ما من مولودٍ يُولد إلّا على الفطرة، فأبواه اللذان يُهوّدانِهِ ويُنصّرانِه ويُمجّسانِهِ» [الفقيه ج2 ص49]، وأمر مثل هذا التأثير واضح وملموس لا شكّ فيه.

ومنها أيضاً: الذنوب والمعاصي التي يقترفها العبد. قال تعالى: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطفّفين: 14]، وروى الكلينيّ عن الصادق (ع) قال: «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتةٌ سوداء، فإنْ تاب انمحت، وإنْ زاد زادت حتّى تغلَّب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً» [الكافي ج2 ص271].

وإلى جميع ذلك يرشد أمثال قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] فالإنسان حتّى وإن كان مشركاً أو كافراً فإنّه لو التفت إلى فطرته لأدرك أنّ هنالك إلهاً خالقاً لهذا الكون وما فيه.

ومن هنا احتاج هذا الإنسان إلى منبهاتٍ تذكّره ما نسيه وتنبّهه إلى ما غفل عنه من التوحيد الوجداني لله سبحانه، فكان من لطف الله به أن يضع جملة من تلك المنبّهات لعباده منها:

1ـ التعريض للابتلاء:

قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33]، وقال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]. وفي ذلك روى الصدوق عن الصادق (ع): «سأله رجل وقال له: يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو، فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني، فقال له: يا عبد الله، هل ركبتَ سفينةً قط؟ قال: نعم. قال: فهل كُسِرَ بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ فقال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادرٌ أنْ يخلصك من ورطتك؟ قال: نعم. قال: فذلك الشيء هو الله القادر على الانجاء حيث لا منجي وعلى الاغاثة حيث لا مغيث» [التوحيد ص231].

2ـ إرسال الرسل والأنبياء (عليهم السلام):

فإنّ دَورهم في حدود هذه المعرفة فهو التذكير بما هو مركوزٌ في الفطرة ومغفولٌ عنه، قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21]، ومن الواضح أنّ التذكير لا يكون إلّا بما هو معلوم قبل ذلك؛ لذا فهم يذكّرون الإنسان بما هو مركوز في فطرته وراسخ في وجدانه. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، لِيستأدوهم ميثاقَ فطرته، ويذكروهم مَنسيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم الآيات المقدّرة: من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايشَ تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم» [نهج البلاغة ص43]، فوظيفة الأنبياء (ع) من هذه الجهة هي التذكير والتنبيه، ومن هنا يتبيّن لنا أنّ بعثات الأنبياء (ع) ضرورةٌ عقليّةٌ، وحاجةٌ فعليّةٌ بالنسبة للإنسان.

3ـ نصب الآيات والأدلّة الدالّة عليه تعالى بمختلف أنواعها:

سواء أكانت آياتٍ كونيّةً، كما في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 6-8] أو أنفسيّة، أم كانت أدلةً علميّةً وذهنيّة؛ كأدلة إثبات الصانع، فإنّ الغاية منها جميعاً هي تذكير الإنسان وتنبيهه إلى ما غفله أو نسيه. قال السيّد الخرّازيّ: (هذه جملةٌ من محكمات الأدلّة الدالّة على إثبات المبدأ المتعال، وكلّها -عدا دليل الفطرة - أدلةٌ عقليَّةٌ بعضها بديهيٌّ والبعض الآخر نظريّ. وكيف كان فكلّها منبهاتٌ بالنسبة إلى ما تسوق إليه الفطرة من المعرفة القلبيَّة) [بداية المعارف الإلهيّة ج1 ص42].

والخلاصة من مجموع ما تقدّم: أنّ الله سبحانه غنيّ عن الخلائق، وإذا ما جعل بعضها دليلاً عليه؛ فذاك لحاجة خلقه إليها، لا حاجته هو جلّ شأنه، فالله سبحانه في حدود العلم بوجوده ليس خفيّاً على خلقه، ولا هو في حاجةٍ إلى من يُظهره لهم، وإنّما هنالك موانع كالغفلة والنسيان تمنع من الالتفات إليه فلابدّ من رفعها لطفا بالعباد.

هذا ما وفّقنا الله لتحريره في المقام، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.