هل يدعم القرآنُ الكريم النظريّةَ الدارونيّة؟

السؤال: إنّ كلمة (اصطفى) فعل ماضٍ ويعني (اختار) فما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ...﴾ إن كان هو أوّل مخلوقٍ ترابيٍّ؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يرجع السؤال المطروح إلى شبهةٍ طرحها بعض الحداثويّين والملاحدة حينما تخيّلوا أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 33–34] يتضمّن تدعيماً لنظرية النشوء والارتقاء، بيان ذلك:

تدّعي النظرية الدارونيّة أنّ الانتقال من إنسان (هايدلبرغ) إلى (الإنسان العاقل) كان تدريجيّاً عبر آليات التكيّف مع الظروف الطبيعيّة الصعبة ضمن عمليّة الانتقاء الطبيعيّ، وتفترض أنّ هذا (الإنسان العاقل) لم يكن شخصاً واحداً، بل كان مجموعةً بشريّةً تميّزت عن أسلافها وأبناء عمومتها بميّزات الإنسان الحديث.

وحاول البعض تطبيق الآية الكريمة على هذه النظرية وجعلها شاهداً على صحّتها، بزعم أنّ طبيعة الاصطفاء هي اختيار شخصٍ من بين مجموعةٍ مشابهةٍ له في الصفات ويجمعه مع أفرادها وجودٌ مشتركٌ، ومعاصرةٌ زمانيّةٌ ومكانيّةٌ، وإذن.. يستنتج من ذلك أنّ آدم لم يكن الوحيد في عصره ولا الأوّل من نوعه، بل كان معاصراً لمجتمعٍ إنسانيٍّ كبيرٍ فيه السابقون عليه في وجودهم، ومنهم المتأخرون عنه؛ ولذا صحّ الاصطفاء في حقّه من بينهم.

نقول: بعيداً عن مناقشة أصل النظريّة، يتّضح الجواب عمّا جاء في السؤال من خلال عرض أمرين:

الأمر الأوّل: في بيان معاني الاصطفاء:

فإنّ للاصطفاء معنيين:

أحدهما: هو أخذ صفوة الشيء وتمييزه عن غيره إذا اختلطا، فيكون بمعنى انتخاب واختيار شيءٍ من بين أشياء متشابهةٍ مشتركةٍ في بعض الخصائص والصفات [ينظر مجمع البيان ج1 ص395]، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحجّ: 75].

فكما نرى فإنّ الفعل في هذا النوع يتعدّى إلى المفعول بواسطة حرف الجرّ (من) الدالّ على التبعيض، حيث يأخذ الله تعالى قسماً من الملائكة وقسماً من الناس، ليجعل منهم رسلاً، فمثل هذه العمليّة تُسمّى: (اصطفاءً للشيء من الأشياء).

والآخر: التفضيل والتكريم والتقديم لشيء على بقية الأشياء في خصوصيّة خاصّة لا تشاركه فيها تلك الأشياء.

وهذا النوع من الاصطفاء يتعدّى فيه الفعل إلى مفعوله بواسطة حرف الجر (على)، فيكون بمعنى اختيار شيء وتفضيله وتقديمه على الأشياء، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

والذي يرشد إلى المعنيين معاً قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، فإنّ هاهنا اصطفاءين: الأوّل الاختيار والانتخاب، والثاني التفضيل والتقديم، فهما إذن متغايران قطعاً؛ وإلّا لكان الثاني تحصيل للحاصل كما لا يخفى؛ ولذا ذكر المفسرون بأنّ الله اصطفاها من بين النساء لتربيتها، ثمّ اصطفاها عليهنّ بما لا يشاركنها فيه، وهو أن تكون أمّاً للمسيح وتلده بإعجاز ربّانيّ لم يحصل لغيرها قط [يُنظر: تفسير الميزان ج3 ص164، تفسير الرازي ج8 ص45].

فإذا عرفت ذلك، فإنّ الاصطفاء المذكور لآدم (ع) في الآية محل البحث إنّما هو بالمعنى الثاني، أعني: تقديم الله وتفضله له بما لا يشاركه فيه أحدٌ؛ إذ جاء الاصطفاء متعدياً بـ(على)، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

الأمر الثاني: في بيان المعنى المراد بلفظ (العالمين):

لقد توهّم هؤلاء أنّ لفظ (العالمِين) الوارد في الآية دالّ على عالم الإنس فقط، ولذا زعموا أنّ اصطفاء آدم تمّ من بينهم، لكن من الواضح جدّاً فساد ما ذكروه، فإنّ مفردة (العالمين) عامّة وشاملة لجميع العوالم؛ من الإنس والجنّ والملائكة وعالم السماء وعالم الأرض ... إلخ، وهو نفس اللفظ والمعنى الموجود في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1]، وأيضاً في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فكما أنّ الله ليس ربّاً للإنس فقط، وأنّ النبيّ الأكرم (ص) ليس مبعوثاً لهم فقط، فكذا الحال في الآية محل البحث حيث اصطفى الله تعالى آدم على سائر العالمين.

والذي يشهد بهذا المعنى هو:

1ـ اعتراض الملائكة في قوله تعال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، فإنّهم لو لم يكونوا معنيّين بهذا الاصطفاء والتقديم والتفضيل لما كان لهم حقّ الاعتراض، بل ولا كان لاعتراضهم معنىً أصلاً كما هو واضح،

2ـ وكذا هو الحال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 31 – 32]، فإنّه تعالى احتجّ عليهم في هذا التقديم والتفضيل بما لدى آدم (ع) من العلم الذي لا يملكونه.

3ـ وكذلك يشهد به امتناع إبليس عن السجود لآدم (ع) كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 75–76]، فإنّ إبليس (لع) قد فهم أنّ الأمر بالسجود لآدم فيه نوعُ تفضيلٍ وتقديمٍ لهذا المخلوق عليه وعلى أبناء نوعه من الجنّ، وأنّه يستلزم حجّيته عليهم أجمعين، وبالتالي فلو امتثله مع ما له من زعامة لعالم الجنّ؛ للزم من ذلك إقراره بأفضلية عالم الإنس عليه وعلى عالمه إلى الأبد؛ فلذا أبى واستكبر والعياذ بالله.

فتحصّل من مجموع ما تقدّم: أنّ الآية أجنبيةٌ تماماً عن النظريّة الدارونيّة، وأنّ ما زعمه هؤلاء ليس إلّا توهّماً وتحكّماً بلا دليل، ومصادرةً على المطلوب؛ فإنّ الاصطفاء لآدم (ع) لا يمكن أن يلتئم ومرادهم. والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.