معنى: «وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا»

السؤال: ممّا خرج من توقيع الإمام الحجّة (عجَّل الله فرجه الشريف): «وأما أموالُكم فلا نَقْبَلُهَا إلّا لِتَطْهَرُوا، فَمَن شاءَ فَلْيَصِلْ ومن شاء فَلْيَقْطَعْ، فما آتانا اللهُ خيرٌ مِمَّا آتاكم». هل يمكن توضيح العبارات لطفا؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

بادئ ذي بدء ينبغي أنْ يُعلم أنّ المقطع - محلَّ السؤال - جاء في التوقيع الشريف المروي عن المشايخ الثلاثة: الصدوق والطوسيّ والطبرسيّ بأسانيد معتبرة عن الكلينيّ عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العَمريّ (رحمه الله) أن يُوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فوَرد التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «أما ما سألتَ عنه - أرشدك الله وثبّتك ووقاك - من أمر المنكرين لي مِن أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنّه ليس بين الله عزّ وجلّ وبين أحد قرابة، ومَن أنكرني فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح (عليه السلام) - إلى أنْ قال (عليه السلام) - وأما أموالكم فلا نقبلها إلّا لتطهروا، فمَن شاء فليصل، ومَن شاء فليقطع، فما آتاني [آتانا] الله خير ممّا آتاكم..» [كمال الدين ص483، الغَيبة ص290، الاحتجاج ج2 ص281].

وقد حظي التوقيع المذكور باهتمام أعلام الطائفة (أعلى الله برهانهم) فتلقّوه بالقبول والتسليم، وقد تضمن بيان جملةٍ من الأمور:

الأوّل: يفصح قوله (ع): «وأما أموالكم فلا نقبلها إلّا لتطهروا» عن فلسفةٍ عميقةٍ في تعامل الإسلام مع أتباعه في مسألة فرض الحقوق الشرعيّة من الزكوات والأخماس وغيرها عليهم، وهي أنّ قبول هذه الأموال من لدن الإمام (عج) بوصفه حجّة الله في أرضه وخليفته في عباده لم يكن لحاجةٍ ذاتيّةٍ منه إليها، وإنّما هنالك عدّة ثمراتٍ إيجابيّةٍ تعود بمجموعها على الأمّة نفسها، فمن أبرز تلك الثمرات:

1ـ تطبيق مبدأ التكافل الاجتماعيّ القائم على أداء الأثرياء لحقوق الفقراء التي في أموالهم طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]، ولا يخفى ما في ذلك من آثارٍ أخلاقيّةٍ وإنسانيّةٍ وتربويّةٍ واجتماعيّةٍ حيث تؤدّي بالفقير نحو الاستقامة والاعتدال السلوكيّ.

2ـ انعكاس هذه العمليّة على المنفق نفسه، فإنّ قبول الإمام (عج) لها بما له من وصف الخلافة الإلهيّة، يكون قرينةً على مقبوليّة عمل المنفق عند الله، بل ومقبوليّته هو أيضاً بقرينة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، وفي هذا السياق يقول المولى سيّد الشهداء (عليه السلام): «رضى الله رضانا أهلِ البيت» [مثير الأحزان ص29].

3ـ لا يخفى ما في قبول الحجّة الإلهيّة لهذه الأموال من تأثيرٍ على المنفق من حيث تطهيره من أخطر الأمراض القلبيّة والنفسيّة؛ كرذيلتي البخل والشُّحِّ وقسوة القلب، فتدفع به نحو استشعار الرحمة في قلبه والاتصاف بكرم النفس، هذا مضافاً إلى ما يتضمّنه من تطهيرٍ لما يتبقّى من أموال المنفِق من شوائب الحرام التي ربّما علقت بها نتيجة التعاملات الماليّة المليئة بالشبهات.

فتحصّل من ذلك: أنّ قوله (عليه السلام): «لا نقبلها إلّا لتطهروا»؛ مسوقٌ على حدّ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].

قال السيّد الطباطبائيّ عند تفسير الآية المذكورة: (التطهير: إزالة الأوساخ والقذارات من الشيء ليصفى وجوده ويستعد للنشوء والنماء وظهور آثاره وبركاته. والتزكية: إنماؤه وإعطاء الرشد له بلحوق الخيرات وظهور البركات، كالشجرة بقطع الزوائد من فروعها فتزيد في حسن نموها وجودة ثمرتها) [تفسير الميزان ج9 ص377].

الأمر الثاني: فيما يرتبط بقوله (ع): «فَمَن شاء فَلْيَصِلْ ومَن شاء فَلْيَقْطَعْ»، يشير الإمام إلى اعتماد مبدأ الاختيار الذي يتبنّاه الإسلام في قبول شريعته والعمل بتشريعاته، فانتماء المسلم إلى دينه وعلاقته بإمامه لا يقومان على الجبر الإكراه، وإنّما على الإيمان والطواعية، وبالتالي يكون في فرض الحقوق الشرعيّة على المكلّفين اختبارٌ إلهيّ مفصليٌّ يمتاز من خلاله المؤمن من غيره والصالح من الطالح.

الأمر الثالث: فيما يتعلّق بقوله (ع): «فما آتانا الله خير ممّا آتاكم»، فهو يعكس أحد أبعاد القيادة الإلهيّة التي أناطها الله تعالى بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث وفّر لهم حالةً من الاستغناء بالخالق عن المخلوق، وذلك باشتماله على نوعين من الرزق:

أحدهما: الرزق المعنويّ المتمثّل بما جُعل لهم (عليهم السلام) من المنازل الجليلة والمقامات القدسيّة والدرجات الرفيعة التي فاقوا بها جميع الخلائق على الإطلاق، وإلى هذا المعنى يشير قول الإمام زين العابدين (ع): «أيّها الناس، أُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بسبعٍ: أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبَّة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأنّ منّا النبيُّ المختار محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة، وسَيّدا شباب أهل الجنّة» [معالم المدرستين ج3 ص165].

والآخر: الرزق الماديّ حيث جعله طوع إرادتهم يصلهم متى شاءوا ومتى رغبوا من دون أن يمدّوا أعينهم إلى ما في أيدي الناس، فقابلوا ذلك بالقناعة والزهد والرضا عن الله تعالى، فقد روى الشيخ المفيد بالإسناد إلى رسول الله (ص) أنّه قال: أتاني مَلَكٌ فقال: يا محمّد إنّ ربَّك يقرئك السلام ويقول: إنْ شئتَ جعلتُ لك بطحاء مكة ذهبا.

قال: فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: يا ربِّ أشبع يوماً فأحمدك، وأجوع يوماً فأسألك» [الأمالي ص124].

فالإمام (ع) بقوله: «فما آتانا الله خير ممّا آتاكم»، إنّما هو يحدّث بنعمة ربّه التي أنعمها عليه وعلى آبائه (عليهم السلام أجمعين) امتثالاً منه لقوله عزّ وجلّ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، فإنّ الله تعالى قد أغناهم عن العالمين، وجعل فضله وفيضه واصلاً إليهم غير منقطعٍٍ عنهم، سواء كان هذا الفيض ماديّاً أم معنويّاً، وتلك خصّيصة من خصائصهم (عليهم السلام) التي لا يشاركهم فيها غيرهم، وهي بالتأكيد خيرٌ ممّا أتانا الله تعالى وأعطانا بالغاً ما بلغ. والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.