هل قصة موسى (ع) مقتبسة من قصة سرجون الأكادي؟
السؤال: يقول اللادينيّون: إنّ قصة ميلاد موسى (عليه السلام) وإلقائه في النهر في صندوقٍ وانتشاله وتربيته في قصر الملك هي قصةٌ مسروقةٌ من قصة سرجون الأكّاديّ الذي هو كان قبل موسى، ونقل اليهود قصته، وادّعوها على موسى ثم توارثها المسيح والمسلمون.
الجواب:
الإلحاد بطبيعته قائمٌ على إنكار كلّ ما له صلةٌ برسالات الله تعالى، فهو لا ينكر قصة موسى فحسب، وإنّما ينكر كلّ ما جاء في القرآن الكريم، ومن الخطأ مناقشتهم في أمورٍ يتوقّف إثباتها على أمورٍ أخرى سابقةٍ لها، فالذي ينكر وجود الله كيف نُثبت له وجود الرسل؟ والذي ينكر وجود الرسل كيف نُثبت له صحّة ما نزل إليهم من كتب؟ فنحن المسلمين نُصدّق بكلّ ما جاء في القرآن؛ لأنّنا نؤمن بالله ونؤمن برسوله محمّد (ص) وما نزل عليه، والذي يُعارض ذلك يجب مناقشته أوّلًا في وجود الله، ومن ثمّ في ضرورة الرسل، ومن ثمّ في نبوّة النبيّ محمّد (ص).
وعندما نقوم بالردّ على مثل هذه الشبهة لا نقصد إقناع الملحد الذي لا همّ له غير التشكيك، وإنّما نقصد حماية المسلم الذي قد تعلّق في ذهنه بعض هذه الشبهات.
تدّعي هذه الشبهة: أنّ التوراة هو الذي اقتبس قصة ولادة موسى من قصة ولادة سرجون الأكّاديّ، ومن ثمّ جاء القرآن واقتبس القصة من التوراة، ومع أنّ القرآن أيّد العديد من القصص الواردة في الكتاب المقدّس بما في ذلك قصة ميلاد موسى، إلّا أنّ القرآن بنفسه يعتبر مصدرًا أصيلًا للقصة، وليس ناقلًا من الكتب التي سبقته، فالقرآن يُقدّم القصة جزءاً من الوحي الإلهيّ الذي نزل على النبيّ محمّد (ص) دون أن يكون له معرفةٌ عاديّةٌ سابقةٌ بقصص الأنبياء السابقين.
ومن ثمّ إذا سلّمنا بالأسطورة التي تتحدث عن ميلاد سرجون الأكّاديّ [2334ـ2193 ق.م]، إلّا أنّنا لا نعلم على وجه اليقين تاريخ كتابة هذه الأسطورة، وهل كُتبت بالفعل أيام حياته التي كانت قبل حياة موسى (ع)، أم كُتبت في قرونٍ لاحقةٍ وبعد ميلاد موسى (ع)؟
والذي يدعو لإلقاء هذا السؤال: هو أنّ قصة سرجون الأكّاديّ، التي تشير إلى وضعه في سلَّةٍ وإلقائه في النهر، لم تُكتب إلّا بعد قرونٍ من وفاته، وتحديدًا في فترة الإمبراطوريّة الآشوريّة الحديثة (القرن السابع قبل الميلاد).
وعليه، هناك فرقٌ بين تاريخ سرجون الأكّاديّ الذي كان بالفعل قبل موسى (ع)، وبين التاريخ الذي كُتبت فيه قصة ولادته، فمجرّد القول بأنّ سرجون كان قبل موسى لا يكفي للقول بأنّ قصة موسى مقتبسةٌ من قصته، طالما كان هناك رأي يقول بأنّ تاريخ سرجون كُتب لاحقًا وفي عصورٍ متأخّرةٍ، والذي يؤكّد ذلك: ما جاء في الموسوعة البريطانيّة بأنّ تاريخ سرجون نُقل من الأساطير والحكايات التي كُتبت في قرونٍ لاحقةٍ، وقد جاء فيها: (إنّ مصادر معرفتنا بحياة سرجون نستقيها بأكملها من الأساطير والحكايات التي جاءت بعد شهرته خلال ألفين عام من التاريخ الرافديّ الذي سُجّل بالكتابة المسماريّة، وليس من وثائق كُتبت في زمنه)، وعلى ذلك يمكن القول إنّ أسطورة سرجون كُتبت من وحي التأثير الثقافيّ لليهود الذين دخلوا بابل بعد السبيّ البابليّ وليس العكس.
والذي يؤكّد كتابة هذه الأسطورة في قرون لاحقة: هو أنّ النقش الذي وُجدت فيه هذه القصة يرجع للقرن السابع قبل الميلاد، أي بعد نزول التوراة واشتهار قصة ميلاد موسى (ع)؛ ولذا لا يُستبعد أن يكون هذا النص لسرجون الثاني ملك آشور من 722 - 705 ق.م.
ومع وجود مثل هذا الاحتمال لا يمكن الادّعاء بأنّ التوراة اقتبس قصة ولادة موسى (ع) من الأساطير الأكّاديّة، وإنّما العكس يصبح هو الاحتمال الراجح.
ولا يفوتنا أيضًا التأكيد على وجود فروقاتٍ كبيرةٍ بين القصتين، سواء في التفاصيل أو في الغاية والهدف من القصة، فالقاسم المشترك بين القصتين هو مولود يتم إلقاؤه في البحر، وما عدا ذلك ليس بين القصتين أي تطابق في الأحداث.
أمّا من جهة الغاية من القصتين، فقصة موسى تدور على تدخّلٍ إلهيٍّ لإنقاذ نبيّ سيُصبح قائدًا لشعبه ويحرّرهم من العبوديّة، في حين أنّ قصة سرجون تقوم على ابن غير شرعيّ تخلّصت منه أمّه ليجده سقاء الملك ويقوم بتربيته ورعايته، وبعد أن كبر استغلّ وجوده بالقرب من الملك ليتخلّص منه طمعًا في ملكه.
فقصة موسى (ع) ترتبط بسياقٍ دينيٍّ وأخلاقيٍّ يُثبت عناية الله بأنبيائه ورعايته لهم، بينما قصة سرجون مجرّد أسطورةٍ ملكيّةٍ لا تهدف إلّا لتعزيز الهيمنة والسيطرة على الآخرين بالقوّة والسيف، وليس لها دلالاتٌ دينيّةٌ وأخلاقيّةٌ.
اترك تعليق