هل كانت تقية الأئمة تحريفا للدين؟

السؤال: الأئمَّة المعصومون عند الإماميَّة لم يحقّقوا الغاية من وجودهم وهي حفظ الدين من التحريف! بل لاذوا بالعمل بالتقيَّة فكتموا الحق وحرَّفوا الدين ليحقنوا دماءهم! إلَّا أنَّ الفاجعة هي قتلهم بالسُّمِّ أو بالسيف على أيدي أعدائهم! فلا هم للدين حفظوا ولا لدمائهم حقنوا.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

تقوم هذه الشبهة على خلطٍ واضحٍ بين طبيعة العصمة ووظيفة الإمام المعصوم (عليه السلام)، وبين مقتضيات الظرف التاريخيّ والسياسيّ الذي وُضع فيه. فالإمام المعصوم لا يخطئ في تبليغ الدين، ولا يحرِّفه، ولا يكتم ما يجب عليه إظهاره، إنَّما يؤدِّي دوره الرساليَّ وفق ما تتيحه له الظروف من إمكاناتٍ. فحفظُ الأمَّة من الضلال متوقِّفٌ على التزامها بطاعة الإمام واتباعه، لا على مجرَّد وجوده المادّيّ بينهم، ومن هنا كان لزاماً على الإمام أن ينهض بوظيفته في حدود ما يسمح به الواقعُ السياسيُّ والاجتماعيُّ، بحيث لا يفرِّط في بيان الحقّ ولا يعرِّض الدين وأهلَه للفناء.

وبهذا التفريق يتبيَّن بوضوح موضعُ الخطأ في الشبهة، إذ توهَّمت أنَّ التقيَّة تعني تحريف الدين أو كتمانَه، بينما التقيَّة في حقيقتها وسيلةٌ اقتضتها الظروفُ لحماية الدين وأهله من الاستئصالِ، من غير أن يطرأ على جوهر الدين أو معناَه أيُّ تغييرٍ أو تحريفٍ، فلو كان الأئمَّة (ع) كتموا الحقّ أو حرَّفوا الدين، فما الذي دعا الحكَّام إلى التآمر على قتلهم؟! ولو كانوا محرَّفين تابعين لما احتاج الظالمون إلى التآمرِ عليهم بالسُّمِّ أو السيف، فنفسُ قتلهم دليلٌ على ثباتهم على الحقِّ لا على كتمانه.

فالتقيَّة في معناها هي أن يُخفي الإمامُ بعض الحقّ أو يؤجِّل بيانه في ظرفٍ خاصٍّ لحماية النفوس أو لحماية أصل الدين من الانهيارِ، لا أن يبدِّل أو يحرّف معناَه. وقد استعملها الأنبياء قبل الأئمَّة، كما في قصَّةِ مؤمنِ آلِ فرعون: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:28]. فالتقيَّة حفظٌ، لا تحريفٌ، والأئمَّة مارسوا التقيَّة لحماية شيعتهم ومنع استئصالهم، ومع ذلك كانوا يودعون علومَهم عند الخواصِّ، حتَّى وصلتنا اليوم آلافُ الروايات في العقيدة والفقه وفي الآداب والسلوك والدعاء والعبادة. فلو كانت التقيَّة تحريفاً لما بقي عندنا هذا التراثُ الضخمُ المدوَّن بدقَّةٍ. وفي موقعنا عشراتُ الأجوبة التي فصَّلت معنى التقيَّة ودليل شرعيَّتها.

وقد قدَّم الأئمَّة أنفسهم شهداء في سبيل حفظ الدينِ، وكانت دماؤُهم وقود الهداية للأمَّة، فمثلاً: الإمامُ الحسين (ع) بقتله فضح السلطةَ الأمويَّة، وحرَّك ضمير الأمَّة، وثبَّت خطَّ الإسلام المحمَّديّ، والإمامُ الكاظم (ع) بصبره في السجون أبقى الدين حيّاً، والإمامُ الرضا (ع) بمواقفه العلميَّة واجه الانحراف الفكريَّ، فكلُّ إمامٍ واجه ظرفَه بما يناسبه، والنتيجةُ الجامعة: الإسلامُ بقي، واسمُ النبيِّ (ص) وذكرُ أهل بيته (ع) لم يُطمس رغم بطش الطغاة. أليس هذا عين حفظ الدين؟

فالشبهة قائمةٌ على تصوُّرٍ ساذجٍ لوظيفة الإمامِ، وعلى خلطٍ متعمَّدٍ بين الكتمان والتحريف، وعلى تناقضٍ داخليٍّ، حيث جعلت قتل الأئمَّة دليلاً على فشلهم، مع أنَّ قتلَهم هو أبلغُ شاهدٍ على ثباتهم على الحقِّ. فدماؤُهم كانت ضمانةً لخلود الرسالة، ولو ساوموا لما بقي من الإسلامِ المحمَّديِّ الأصيل أثر.