دور طلحة في معركة أحد

السؤال: هل كان لطلحة بن عُبيد الله دورٌ عظيمٌ في معركة أحد؟ فإنَّ أهل العامة يضخِّمون دوره، ويروون: أنَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) قال: «أُحد كلُّه لطلحة»؟ هل يُمكن معرفة الدور الذي قام به طلحة ليستحق هذا الثناء كله؟ وبالمقابل لا يكاد يذكر دور للإمام علي (عليه السلام) في أحد؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في سؤال الأخ السائل أنه يتضمَّن عدَّة محاور تتعلَّق بدور طلحة بن عُبيد الله في معركة أُحد؛ ولذلك يكون الكلام في جملة أمور إنْ شاء الله تعالى.

الأمور الأوَّل: هروب طلحة يوم أحد.

من المسلَّمات التاريخيَّة أنَّ الصحابة قد فرُّوا في معركة أحد عدا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإجماع. فقد ذكر الطبريُّ أنَّ (الناس انهزموا عن رسول الله، حتَّى انتهى ‌بعضهم ‌إلى ‌المنقى دون الأعوص، وفرَّ عثمان بن عفَّان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتَّى بلغوا الجلعب ... فأقاموا به ثلاثاً ثمَّ رجعوا إلى رسول الله) [تاريخ الطبريّ ج2 ص522، وانظر: دلائل الصدق للمظفَّر ج6 ص412].

فرار طلحة:

وأمَّا طلحة، فالصحيح أنَّه فرَّ مع الفارّين، والدليل على ذلك:

1ـ ما رواه محمَّد بن إسحاق بسنده عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع ـ أخي بني عدي بن النجَّار ـ قال: (انتهى أنس بن النضر ـ وهو عمُّ أنس بن مالك، وبه سمِّي أنس أنساً ـ إلى عمر بن الخطَّاب، وطلحة بن عُبيد الله ... في رجالٍ من المهاجرين والأنصار ‌وقد ‌ألقوا بأيديهم. فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم). قال: فما تضنُّون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثمَّ استقبل القوم فقاتل حتَّى قتل) [سيرة ابن إسحاق ص330، تاريخ الطبريّ ج2 ص517، الروض الأنف للسهيليّ ج5 ص332]، وغيرها.

2ـ وما رواه الطبريّ بسنده عن السديّ، وفيه قوله: (لما كانت وقعة أحُدٍ، اشتدَّ على طائفةٍ من الناس، وتخوَّفوا ‌أنْ ‌يُدَال ‌عليهم الكفَّار، فقال رجلٌ لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أماناً وأتهوَّد معه، فإنّي أخاف أنْ تُدال علينا اليهود!

وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصرانيّ ببعض أرض الشام، فآخذ منه أماناً وأتنصَّر معه...) [تفسير الطبريّ ج10 ص397، تفسير الثعلبيّ ج11 ص375، تفسير البغويّ ج3 ص67]، وغيرها من المصادر الكثيرة.

والمراد من قوله: (فقال رجلٌ لصاحبه...) هو عثمان بن عفَّان. وبقوله: (وقال الآخر...) هو طلحة بن عُبيد الله، ولكنَّ القوم كالعادة يُعمُّون على الأسماء كما هو المعروف من طريقتهم في أمثال ذلك.

قال السيد أحمد آل طاووس: (ومن كتاب السدّيّ عند قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية وما يعقبها بها. قال: لما أصيب أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وآله) بأُحد قال عثمان: لألحقنَّ بالشام، فإنَّ لي به صديقاً من اليهود، يقال له دهلك ولآخذنَّ منه أماناً فإنّي أخاف أنْ تُدال علينا اليهود. وقال طلحة بن عُبيد الله: لأخرجنَّ إلى الشام، فإنَّ لي صديقاً من النصارى. قال السدّيّ: أراد أحدهما أنْ يتهوَّد والآخر أنْ يتنصَّر) [عين العبرة في غبن العترة ص28، نهج الحق للعلَّامة الحلِّي ص305]، وغيرهما.

3ـ وما رواه الشيخ المفيد عن زيد بن وهب قال: (قلتُ لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله حتَّى لم يبق معه إلَّا عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأبو دجانة وسهل بن حنيف؟ قال: انهزم الناس إلَّا عليُّ بن أبي طالب وحده. وثَابَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفرٌ، وكان أوَّلهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، وسهل ابن حنيف، ولحقهم طلحة بن عُبيد الله...) [الإرشاد ج1 ص83، الدر النظيم للشامي ص159]. مما يدلُّ على فراره ثمَّ رجوعه بعد ذلك.

وعلى أيِّ حال، فلم يكن لطلحة بن عُبيد الله الدور المهم في معركة أحد، بل هو من الصحابة الذين فرُّوا ثمَّ عادوا على أحسن تقدير! وللمزيد عن فرار طلحة وغيره من الصحابة في معركة أحد يُمكن مراجعة كتاب الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم للعلَّامة السيد جعفر مرتضى العاملي [ج7 ص ١٧٣ وما بعدها].

الأمر الثاني: في نسبة الرواية.

ورد في السؤال أنَّ النبيَّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) قال في حقِّ طلحة في يوم أحد: «أُحد كلُّه لطلحة». والحال أنَّه غير صحيح، فإنَّ القائل هو أبو بكر وليس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؛ ولذلك فلا قيمة لكذا مروياتٍ بعد عدم عصمة القائل، وإمكان صدور الخطأ منه، كما هو واضحٌ وبيِّن.

يُنظر في ذلك: [سير السلف الصالحين للأصبهانيّ ج1 ص215، ربيع الأبرار للزمخشريّ ج4 ص129، كتاب الأربعين في إرشاد السائرين لأبي الفتوح الطائيّ ص63، شرح مسند الشافعيّ للقزوينيّ ج1 ص234، تهذيب الأسماء واللغات ج1 ص252، مختصر تاريخ دمشق ج11 ص195]، وغيرها من كتب الجمهور.

الأمر الثالث: الأمور بخواتيمها.

لو أعرضنا عن جميع ذلك وقلنا بثبات طلحة بن عُبيد الله في معركة أحد، فهو غير نافعٍ بعد أنْ كانت عاقبته إلى سوء؛ وذلك بخروجه على إمام زمانه والحاكم العادل والخليفة الشرعيّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة الجمل.

1ـ فقد جاء في كتاب الموسوعة العقديَّة عند العامة ما هذا لفظه: (الإمام ‌العادل ‌المقسط: فهذا يحرم الخروج عليه مطلقاً وباتفاق العلماء، يدلُّ على ذلك الآية والأحاديث الآمرة بالطاعة لأولي الأمر من المسلمين. ويدلُّ على ذلك أيضاً الآيات والأحاديث الواردة في وجوب الوفاء بالبيعة، وما ورد من النهي والتحذير من نكثها في ذلك. حتَّى ولو وجد بعد إبرام العقد والمبايعة لمن هو أفضل وأكمل شروطاً. بل تجب مناصرته ومقاتلة من ناوأه وبغى عليه إذا لم يفئ إلى أمر الله) [الموسوعة العقدية ص114 ـ المكتبة الشاملة].

2ـ وأمَّا ما ورد عند شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد قال الشيخ الطوسيُّ ما لفظه: (ظاهر مذهب الإماميَّة أنَّ الخارج على أمير المؤمنين (عليه السلام) والمقاتل له كافر، بدليل إجماع الفرقة المحقَّة على ذلك، وإجماعهم حُجة؛ لكون المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ داخلاً فيهم، وأنَّ المحاربين له كانوا منكرين لإمامته ودافعين لها، ودفع الإمامة عندهم وجحدها كدفع النبوَّة وجحدها سواء، بدلالة قوله (صلَّى الله عليه وآله): «من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليَّة». وروي عنه (عليه السلام) أنَّه قال لعليٍّ: «حربك يا عليُّ حربي، وسلمك سلمي». وحرب النبي كفرٌ بلا خلاف، فينبغي أنْ يكون حربُ عليٍّ مثله) [الاقتصاد ص226].

بقي شيء:

فقد جاء في كلمات الأخ السائل أنَّ العامة لم يهتمُّوا بدور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معركة أحد، وهذا ليس بالأمر الغريب عليهم، وذلك بعد ثبوت حقدهم وحسدهم له، وإلَّا فقد سمعتَ في طيَّات الجواب المتقدِّم فرار القوم كافَّة إلَّا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان من الإِنصاف ـ إنْ وجد ـ أنْ يُعطوه حقَّه في ذلك، ولكنها الحسيكة عند القوم، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليّ العظيم.

قال ابن هشام: (وحدَّثني بعض أهل العلم، أنَّ ابن أبي نجيح قال: نادى منادٍ يوم أحد: لا سيف ‌إلَّا ‌ذو ‌الفقار، ولا فتى إلَّا علي) [سيرة ابن هشام ج2 ص100، تاريخ الطبريّ ج2 ص514، الكامل لابن عدي ج6 ص458، وانظر أيضاً: تفسير القمِّيّ ج1 ص144، الكافي ج8 ص١١٠، الاحتجاج ج1 ص200]، وغيرها الكثير من مصادر العامَّة والخاصة كما هو واضح.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّه لم يثبت لطلحة بن عُبيد الله دورٌ مهمٌ في معركة أحد، ومع الغض عن ذلك فهو غير نافعٍ بعد خروجه على أمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة الجمل ومقتله فيها، كما أوضحنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.