إذا هل المحرم نشرت الملائكة ثوب الحسين
هناك جدلٌ دائرٌ في خصوص رواية «إذا هلَّ هلالُ المحرَّم نشرت الملائكة ثوب الحسين (عليه السَّلام) ... الرواية»، فما هو قولكم فيها؟
الجواب:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه السيد عليُّ بن الحسين الهاشميُّ النجفيُّ الخطيب، المتوفَّى عام (1396) هجريَّة، في كتابه الشهير ثمرات الأعواد، حيث قال ما نصُّه:
(وقيل للصَّادق (عليه السَّلام): سيِّدي، جُعلتُ فِداك، إنَّ الميتَ يُجلسون له بالنِّياحة بعد موته وقتله، وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أوَّل الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين (عليه السَّلام)؟! فقال (عليه السَّلام): يا هذا، إذا هلَّ هلالُ المحرَّم نشرتِ الملائكةُ ثوبَ الحسين (عليه السَّلام)، وهو مخرَّقٌ من ضرب السُّيوف، وملطَّخٌ بالدِّماء، فنراه نحن وشيعتُنا بالبصيرة لا بالبصر، فتنفجر دموعُنا) [ثمرات الأعواد ج1 ص36].
وقد يُشكَل على هذا الحديث بأنَّه لا يوجد في مصدرٍ حديثيٍّ قديم، وإنَّما ورد متأخِّرًا، وعليه فلا يصحُّ التعويلُ عليه والأخذُ به، بل حتَّى لو بنينا على التسامح في مثل هذه الأمور، فلا يُمكننا الأخذ به؛ لأنَّ التسامحَ في أمثال ذلك خاصٌّ بما ورد في المصادر المتقدِّمة، ككتب الصَّدوق (رحمه الله تعالى) وأمثاله؛ ولأجل ذلك سوف ينتظم الكلامُ في ذكر مقامَين:
الأوَّل: في مصدرِ الرواية.
إنَّ وجودَ الرواية في مصدرٍ متأخِّرٍ، وعدمَ وجودها في مصدرٍ قديم، لا يعني أنَّها مكذوبةٌ عليهم (صلوات الله عليهم)، إذ ما أكثر المصادر التي كانت عند العلماء والآن هي مفقودة، أو لا زالت في خانة المخطوطات.
قال فقيهُ أهلِ البيت (طاب ثراه): (إنَّ عدمَ العثور على مصدرِ الرواية لا يصلح شاهدًا على كذبها؛ لأنَّه قد أُلِّفت في العصور الأولى كثرةٌ كاثرة من الكتب حول مقتلِ الحسين (عليه السَّلام) تعتمد على الروايات المسندة لمشاهدي الحوادث، أو على ما يُحدِّث به أئمَّةُ أهلِ البيت (عليهم السَّلام) في عصورهم الطويلة، حيث بذلوا (صلوات الله عليهم) جهدَهم في الإعلان والتذكير بهذه المصيبة بما أحاط بها من مآسٍ وفجائع، وعِبَر، وإذا كانت تلك الكتب قد ضاعت علينا، فمن القريب جدًّا أن يكون كثيرٌ من مضامينها قد بقي في الصدور يتناقله الناسُ جيلًا بعد جيل، أو أُودع بنحوٍ مُرسَل في بعض المقاتل المتأخِّرة التي وصلتنا، كما أنَّ كثيرًا من الأحداث ربما لم يُسجَّل، وإنَّما بقي متناقَلًا بين الناس في الأجيال المتعاقبة حتَّى وصل إلينا مُرسلًا من دون مصدر. واحتمالُ ذلك كافٍ في حسن ذكره لتشييد حقٍّ معلوم أو للتنفير من باطلٍ معلوم) [من وحي الطف ص78].
وعليه، فشهادةُ المُصنِّف الثقة بأنَّها من أحاديث الصَّادق (عليه السَّلام) تجعلنا نركن إلى وجود مصدرٍ لها لم نطَّلع عليه نحن، أو أنَّه قد سمعها شِفاهًا من بعض من يثقُ بهم، ومن ثمَّ أودعها في كتابه.
ولو قال قائل: إذا كان لها مصدرٌ قديم، فلماذا لم يطَّلع عليه الآخرون وهم أهل الحرفة والصناعة في الحديث؟
فنقول: ليس من الضَّرورة أنَّ كلَّ ما وجده المتأخِّرون وجده المتقدِّمون؛ ولذا نرى المُحدِّث النُّوري (طاب ثراه) قد عثر على مجموعةٍ من الأصول الأربعمائة ولم يعثر عليها المتقدِّمون، وكذلك السيد الكوهكمريُّ، ومن قبلهم ابن إدريس الحِلِّي [يُنظر: دروس تمهيدية في القواعد الرجاليَّة ص117].
وعليه، فعثور أحد المتأخِّرين على أحد الأصول أو المصادر، وعدم عثور المتقدِّمين عليه أمرٌ ممكن، بل واقعٌ كما لا يخفى على العارف.
ومن ثمَّ يُمكن أنْ يكون السيد الهاشميُّ (طاب ثراه) قد اطَّلع عليها في بعض المصادر التي لم تصل إلينا، أو قد سمعها من بعض الثِّقات، خصوصًا أنَّ المُصنِّف (طاب ثراه) كان يمتلك مكتبةً كبيرةً تضمُّ زهاء ثلاثة آلاف مجلَّد، بينها نيفٌ وخمسون مخطوطة [يُنظر: مجلَّة تراثنا ع4 ص135].
المقام الثاني: في قاعدةِ التسامح.
لا يخفى أنَّ العلماء ـ من العامَّة والخاصَّة ـ يتساهلون في قبول الأخبار التي لا ترتبط بالأحكام الشرعيَّة ـ كالوجوب والحرمة ـ كالأخبار الواردة في المناقب والمعاجز والقصص والمصائب، وما أشبه ذلك ممَّا لا يترتَّب عليها حكمٌ شرعي، ولم يُفرِّقوا بين الأخبار الواردة في المصادر القديمة أو المتأخِّرة، إذ الكلُّ مشمولٌ للتسامح والتساهل.
1 ـ قال الميرزا النُّوريُّ (طاب ثراه): (وأمَّا في غير الواجب والحرام، فيشترك كلُّ العلماء بالعمل بالضَّعيف ولو لم يكن له جابر، ويسيرون على هذا النَّسق في أبواب المستحبَّات، بل المكروهات، وكذلك في أبواب الفضائل، والمصائب، والقصص) [اللؤلؤ والمرجان ص225].
2 ـ وقال الخطيب البغداديُّ: (قد ورد عن غير واحدٍ من السَّلف أنَّه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلِّقة بالتحليل والتحريم إلَّا عمَّن كان بريئًا من التُّهمة، بعيدًا من الظِّنة، وأمَّا أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك، فإنَّه يجوز كتبها عن سائر المشايخ ... إلى أن قال: كان أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسولِ الله في الحلال والحرام والسُّنن والأحكام تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبيِّ في فضائل الأعمال وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد) [الكفاية في علم الرواية ص415 بتصرُّف].
وبناءً على ذلك، تكون القاعدةُ المذكورة شاملةً لرواية السؤال، لكونها لا تنقل حكمًا شرعيًّا، وإنَّما تتضمَّن النقل لأمرٍ معرفيٍّ مرتبط بعاشوراء الحسين (عليه السَّلام)، ولذلك فلا يصحُّ القول بعدم شمولها لها، لكونها نُقلت في مصدرٍ متأخِّر، كما هو واضح.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ هذا الحديث وأمثاله يُمكن أن يُعوَّل عليه في أبواب المصائب التي جرى التسامح فيها من قبل أعلام الفن، نسألُ الله تعالى أن يشملنا بشفاعة الحسين يومَ الورود .. والحمدُ لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق