هل الشيعة ترفض الصفات الخبرية التي جاءت في نصوص القرآن؟

السؤال: قد ذكر الله استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه، وذكر فوقيّته على خلقه في مواضع كثيرة، وذكر أسماءه وصفاته في آياتٍ كثيرة. ثم نرى البعض يجحد بكلّ ذلك ويقول: الله غير موجودٍ في مكان، ولا فوق العرش، ويتهرّب من اثبات الصفات!

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

المرتكز المنهجيّ للمدارس الحشويَّة والسلفيَّة هو السماع، فهم يحملون الآيات والروايات على ظاهرها حتى لو كان ظاهرها مخالفاً لمحكمات العقل والشرع.

قال أبو بكر الخلَّال: (وأخبرني عليّ بن عيسى: أنّ حنبلاً حدّثهم قال: سألت أبا عبد الله [يعني أحمد بن حنبل] عن الأحاديث التي تروي: «أنّ الله تبارك وتعال ينزل كلّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا»، «وأنّ الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث.

فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدّق بها، ولا كيف، ولا معنى - أي لا نكيّفها ولا نحرّفها بالتأويل، فنقول: معناها كذا -، ولا نردّ منها شيئاً) [ينظر: درء تعارض العقل والنقل ج2 ص30].

والذي ينظر إلى كتب الحنابلة يجدها مشحونةً بالعقائد المتناقضة والمخالفة لضرورات العقل والمنطق، مثل التشبيه والتجسيم والقول بالجبر وغير ذلك من العقائد الفاسدة؛ بسبب تعاملهم التعسفي مع الآيات والروايات.

يقول السيد محمّد رشيد رضا - تلميذ محمد عبده -: (فبلغ بهم التقليد إلى حدّ أنْ صاروا يأخذون بظواهر كلّ ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة والموضوعة والمصنوعة، وإنْ كانت شاذةً أو منكرةً أو غريبةً أو من الإسرائيليات، مثل ما روي عن كعب ووهب و.. أو معارضةً بالقطعيات التي تعدّ من نصوص الشرع ومدركات الحسّ ويقينيات العقل، ويكفّرون مَن أنكرها ويفسّقون مَن خالفها...) [ينظر: أضواء على السنة المحمدية ص23].

وادّعاءُ الحنابلة والسلفيَّة تمسكهم بالكتاب والسنة، ورمي غيرهم بالضلال والكفر، ادّعاءٌ فارغٌ لا دليل عليه، فالكلّ يعترف بحجية القرآن والسنة وضرورة العمل بما جاء فيها، إلَّا أَّن الحنابلة يتعاملون مع النصوص دون فهمٍ أو درايةٍ، أو كما قال الزمخشريّ:

وإنْ قلتُ من أهل الحديث وحزبه* يقولون تيسٌ ليس يدري ويفهم

وقد تطرّف بعض الحشويَّة من أهل الحديث، وأثبت بالفعل التشبيه والتجسيم، يقول الشهرستانيّ: (أما مشبهة الحشويَّة فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة إلى حد الإخلاص) [الملل والنحل ج1 ص105].

فليس هناك مخرجٌ منطقيٌّ من الوقوع في التشبيه والتجسيم لكلّ مَن يُجري النصوص على ظاهرها الحرفيّ، ويُبقى الكلمات على معانيها الوضعية، فمثلاً: الاستواء على العرش، أو القول إنّ الله ينزل ويصعد، أو إنَّ له يداً ووجهاً، وغير ذلك من الصفات، فإنّ هذه الكلمات والتعابير تحمل في دلالاتها معاني لا يجوز نسبتها لله تعالى.

وعليه، فمَن لم ينفِ تلك المعاني يكون قد وقع في التشبيه والتجسيم لا محالة، ونحن لا نفهم سبب الإصرار على تلك المعاني، مع أنّ لهذه الكلمات معاني أخرى في لغة العرب يمكن نسبتها لله تعالى دون الوقوع في التشبيه والتجسيم.

فكلّ محاولات أهل الحديث والحنابلة للتهرّب من القول بالتشبيه والتجسيم محاولاتٌ فاشلةٌ، حيث حاولوا أنْ يبرّروا ذلك ويتذرّعوا بقولهم: أننا نثبت ذلك ولكن بلا كيف.

وقد اعتمد الأشعري هذا التبرير، فيقول: (إنّ لله سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: {وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، وإن له يدين بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}) [الإبانة ص18].

وقد صدق فيهم قول الشاعر:

قد شبّهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفة

(أي: بلا كيف)

ومن الواضح لكلّ صاحب عقلٍ سليمٍ، أنّ هذا التبرير لا يغير في وجه القضية؛ لأنّ الجهل بالكيفية لا يفيد شيئاً ولا يرجع إلى معنىً صحيح، بل هو أقرب إلى الإبهام والإلغاز، فإثبات هذه الألفاظ بمعانيها الحرفية والوضعية هو عين إثبات الكيفية لها.

واللفظ إما أنْ يكون معلوم المعنى، وإما أنْ يكون مجهول المعنى، فإذا كان معلوم المعنى فإنَّ ذلك لا يستقيم إذا لم يكن للمعنى كيفٌ واضحٌ، أما إذا كان اللفظ مجهول المعنى فيكون مجرد صوتٍ ليس له أي دلالة.

وبعبارة أخرى: إذا حملنا هذه الالفاظ على معانيها الوضعية وأجريناها على الله تعالى نكون قد وقعنا حتماً في التشبيه والتجسيم، وحينها لا ينفعنا القول (بلا كيف)؛ لأنه لا يعدوا أن يكون مجرد لقلقة لسان، فمثلاً: كلمة (يد) لها معنىً وضعه الواضع لها، وهي الجارحة، ولها معانٍ استعماليَّةٌ يتمُّ التعرّف إليها من خلال السياق والقرائن المتصلة أو المنفصلة، فعندما يستبعد القائل المعنى الاستعماليّ ويصر على المعنى الوضعيّ، ثم يقول: لله يدٌ بلا كيف، كأنَّما يقول: لله جارحةٌ بلا كيف، وهو تناقضٌ واضحٌ؛ لأنَّ اليد بمعنى الجراحة لها كيفية يعلمها كلُّ مَن يعلم معنى اليد.

ومن هنا فإنَّ قولهم: (الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ، والسؤال عنه بدعة)، قولٌ مبهمٌ وغير واضح، فإذا كان الاستواء معلوماً بكلّ حيثياته ووجوه، فإنّ الكيف معلومٌ تبعاً لذلك حتماً، وإلّا كيف تصبح كيفية الاستواء مجهولةً إذا كان نفس الاستواء معلوماً بكلّ معانيه وكيفياته؟ وإذا كان الكيف مجهولاً كيف أصبح الاستواء معلوماً؟

فالعلم بالاستواء هو عين العلم بكيفيته لا يمكن فصلهما، والعقل لا يفرق بين العلم بالشيء والعلم بكيفيته؛ لأنهما شيءٌ واحد.

فإذا قلت: أنا أعلم بجلوس فلان، فأنت في الواقع تعلم بكيفية جلوسه، وإذا افترضنا أنَّ للجلوس كيفياتٍ متعددةً وأنت تعلم على الإجمال جلوسه دون معرفة أي كيفية من كيفيات الجلوس كان عليها، فإننا نقول: إنَّ هناك حدَّاً مشتركاً بين جميع كيفيات الجلوس، فالجالس حتماً غير القائم والماشي والجاري والنائم، وبالتالي العلم بالجلوس - ولو على الإجمال - هو علمٌ بالكيفية ولو على الإجمال. وهذا الحد المشترك هو الذي يجب نفيه عن الله تعالى، فإذا كان معنى الاستواء معلوماً لديك تفصيلاً أو على نحو الإجمال، فإنَّ كيفية الاستواء معلومةٌ أيضاً تفصيلاً أو إجمالاً، فكيف بعد ذلك تقول: الاستواء معلوم والكيف مجهول؟

أما إذا لم يكن معنى الاستواء معلوماً لديك فحينها تكون قد نسبت لله كلمةً ليس لها معنىً، أو وصفته بصفةٍ نجهل ما هي.

ومن هنا، فإنّ القولَ أنّنا نثبت لله ما أثبته لنفسه بلا كيف، قولٌ بلا معنى ولا يعدو أنْ يكون مجرد لقلقة لسان، فإذا كانت هذه الألفاظ الجوفاء تكفي لإثبات التنزيه لله عزّ وجلّ؛ لجاز لبعض الحشويَّة القول: إنّ لله جسماً بلا كيف ولا كالأجسام، وله دمٌ ولحمٌ وشعرٌ و.. بلا كيف.

حتّى قال أحد المشبّهة: (إنّما استحييت عن إثبات الفرج واللحية، واعفوني عنهما، واسألوا عما وراء ذلك) [الملل والنحل ج1 ص105].

ولا يُفهم من ذلك أنَّنا لا نؤمن بما جاء في القرآن من صفات، أو أننا نتأول هذه الصفات ونحملها على غير معانيها، بل نحن أيضاً نثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه، إَّلا أنَّ الفرق بيننا وبينهم: هو أننا نختار من معاني هذه الكلمات ما يجوز نسبته لله تعالى، ونصرف عنه ما لا يجوز في حقه.

وكما هو معروف أنَّ دلالة الألفاظ على معانيها إما أنْ تكون دلالةً إفراديَّةً وضعيَّةً تصوريَّةً، وإما أنْ تكون دلالةً استعماليَّةً تركيبيَّةً تصديقيَّة، فقد يختلف المعنى الإفراديّ عن المعنى التركيبيّ، أو المعنى الوضعيّ عن المعنى الاستعماليّ، فمثلاً: عندما نقول: (أسد) بوصفها كلمةً مفردةً فإننا سنبحث عن المعنى الذي وضعه الواضع لها، وهو الحيوان المفترس الذي يعيش في الغابة، أما إذا استخدم المتكلم هذه الكلمة ولكنه لم يقصد المعنى الوضعي لها، وإنما أراد استعمالها للدلالة على معنىً آخر لوجود علاقةٍ بين المعنيين كعلاقة المشابهة مثلاً، فلا يجوز حينها التمسك بالمعنى الوضعي للكلمة، فمعرفة المراد الجدي للمتكلم هو الذي يجب البحث عنه من خلال قرائن المقال أو المقال؛ فمثلاً قولنا: (رأيت أسداً على المنبر أو أسداً يقود سيارة)، فإن كلمتي (المنبر) أو (السيارة) تكونان قرينتينِ على أنَّ المتكلم لا يقصد الحيوان الذي يعيش في الغابة، وإنما يقصد وصف من كان على المنبر بالشجاعة أو القوة، وهذا ديدن العرب في فهم الكلام، والذي يفهم ظواهر النصوص على هذا النحو لا نسميه مؤولاً للنصّ خارجاً عن ظاهر الكلام.

وهكذا الحال في مثل آيات الصفات، فعندما يقول تعالى مثلاً: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، فيكون المعنى: أن الله مؤيّد لهذا الموقف، وهو معكم في هذه البيعة، كالذي يقول: (البلد في يد السلطان)، فإنه يقصد أنَّ البلد كلها تحت حكم السلطان، ويصحّ هذا القول حتّى وإنْ كان السلطان مقطوع اليدين.

وكذلك في بقية الآيات، نثبت المعنى الاستعمالي الذي يظهر من خلال بقية السياق، ولا نجمد على المعنى الوضعي للكلمة، ونحن بذلك لا نكون قد تأوّلنا أو حملنا الألفاظ على غير معانيها، وهذا عين العمل بالظاهر.

وبهذه الطريقة نحن نثبت ظواهر الكتاب، ونقول بكلّ ما جاء في القرآن دون أنْ نقع في التشبيه والتجسيم، والذي يحتج بالظواهر الوضعية يكون قد ضلَّ وغفل عن كلام العرب.