معرفة الزهراء (ع) بحديث: «معاشر الأنبياء لا نورث»
السؤال: يقول الشيعة: هل يعقل أنَّ فاطمة (رضي الله عنها) لا تعلم أنَّ معشر الأنبياء (صلوات ربي وسلامه عليهم) لا يورّثون؟ الجواب: نعم. فهل ممكنٌ أن تأتوا لنا بـ 5 رواياتٍ للسيدة فاطمة ومن كتبكم تتكلم فيها عن الأحكام الشرعيّة؟
الجواب:
لقد اشتمل إشكال المستشكل على جملةٍ من المغالطات، وسنقوم بتبيينها فيما يلي:
أوّلاً: القول بأنَّ السيّدة فاطمة (عليها السلام) لم تكن تعلم بحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»، أو بحكمه الفقهيّ، لمجرّد عدم ورود رواياتٍ فقهيّةٍ عنها، يُعدّ من المغالطة التي تُسمّى بـ (الاحتكام إلى الجهل)؛ فعدم الرواية لا يعني بالضرورة عدم العلم، والاستدلال بعدم النقل على عدم العلم هو خللٌ في المنهج العقليّ والاستدلاليّ، ومثاله أنْ يُقال: (لم تُنقل عن العلماء القدامى رسائل في الفيزياء، إذن لم يعرفوا قوانين الحركة)، وهذا استنتاجٌ باطلٌ؛ لأنَّ عدم النقل لا يُثبت عدم الوجود أو عدم المعرفة.
وثانياً: المستشكل افترض من البداية أنَّ إنكار فاطمة (عليها السلام) للحديث سببه جهلها بالحكم، ثمَّ بنى على هذا الافتراض النتيجة نفسها، وهي أنَّها لا تفقه الأحكام.
وهذا خطأٌ منهجيٌّ آخر؛ لأنَّ إنكارها للحديث يمكن أنْ يكون لوجوهٍ أخرى كثيرةٍ، كأن تطعن في صحّة صدوره، أو في فهمهم له، أو في تطبيقهم الخاطئ له على مورد الإرث. فالانتقال من (أنَّها أنكرت الحديث) إلى (أنَّها لم تعلم به) ليس استنتاجاً منطقيّاً، بل افتراضٌ غير مبرهنٍ، كمن يقول: (فلانٌ أنكر نظريّة فيزياء حديثة، إذن هو لا يعرف الفيزياء)، مع أنَّ إنكاره ربَّما كان بسبب رفضه لأدلّتها أو نقده لمنهجها، لا لجهله بها.
وهذا النوع من الاستدلال يُعدّ (مصادرةً على المطلوب)؛ لأنَّ المستشكل افترض الجهل ليستدلَّ به على الجهل نفسه.
وثالثاً: المستشكل جعل قلّة الرواية سبباً لعدم العلم، وكأنَّ العلم لا يُثبت إلّا بالنقل، وهذا خلطٌ بين الوسيلة لإيصال العلم (الرواية) والعلم نفسه، فربَّ عالمٍ عارفٍ بالأحكام لم يُنقل عنه الكثير لأسبابٍ تاريخيّةٍ أو سياسيّةٍ أو ظرفيّةٍ، ومع ذلك كان من أفقه الناس في عصره، وهذه مغالطةٌ ثالثةٌ تسمّى بالسببيّة الزائفة. بل إنَّ كثرة الرواية أيضًا لا تدلّ بالضرورة على العلم، وإلّا لكان أبو هريرة -لكثرة ما رُوي عنه -أعلم من سائر الصحابة، وهذا ما لا يقول به أحدٌ.
ثمَّ إنَّ قلّة الروايات المنقولة عن السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لها أسبابٌ موضوعيّةٌ وتاريخيّةٌ واضحةٌ:
1ـ إذا كان المقصود بالرواية نقلها عن أبيها (صلَّى الله عليه وآله) بعد وفاته، فإنَّ الفترة الزمنيّة التي عاشتها بعده كانت قصيرةً جدّاً، لا تتجاوز خمسةً وسبعين يوماً على المشهور عند الخاصّة، وستّة أشهرٍ على المعروف عند العامّة، وقد قضت تلك المدّة القصيرة في حزنٍ عميقٍ وألمٍ شديدٍ على فراق والدها، حتَّى كانت تبكي بحرقةٍ أثّرت في أهل المدينة، وفي الوقت نفسه، كانت منشغلةً بمواجهة من اغتصب حقّ زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام)، في خضمّ أحداثٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ متوتّرةٍ، فلا يُتوقَّع في ظلّ تلك الظروف أنْ تنشغل بالرواية والنقل، ولاسيّما أنَّها كانت تُعدّ أبرز المعارضين للسلطة الغاصبة.
2ـ من الطبيعيّ أن يُراعى في هذا السياق كونها امرأةً، وقد كانت الزهراء (عليها السلام) أشدّ النساء التزاماً بتعاليم الشريعة في الحياء والعفّة والانزواء عن الرجال؛ تطبيقاً لما نقلته عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «خيرٌ للنساء أنْ لا يَرَيْنَ الرجال، ولا يراهنَّ الرجال» [مكارم الأخلاق ص233]؛ ولذلك لم يكن من شأنها الخروج إلى الناس، والتحديث عن أبيها، كما كانت تفعل بعض نساء الصحابة، بل كانت قدوةً في الالتزام بتعاليم الحشمة والستر، الأمر الذي حدَّ من نقل الرجال عنها مباشرةً، فقلّت الروايات الواردة بطريقهم.
3ـ لم يكن الدور الموكول إلى السيّدة الزهراء (عليها السلام) بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نقل التفاصيل الفقهيّة والشرعيّة، بل كان دورها الأسمى حفظ أصل الدين في تلك المرحلة الحسّاسة من التاريخ الإسلاميّ؛ وذلك من خلال دفاعها عن الولاية والإمامة، بوصفهما الامتداد الشرعيّ والروحيّ لرسالة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، أمّا مهمّة بيان الأحكام ونشرها تفصيلاً فقد أُنيطت بزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمَّة المعصومين من ذرّيّتها (عليهم السلام)، الذين ورثوا علم النبيّ وتكفّلوا بإيضاح معالم الشريعة في العصور اللاحقة.
4ـ إنَّ الظروف الخانقة التي أعقبت وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) حالت دون نشاط أهل البيت (عليهم السلام) العلميّ والاجتماعيّ، حتَّى إنَّ الروايات المأثورة عن الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) في تلك المرحلة قليلةٌ نسبيّاً، قياساً بما رُوي عن الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) في العصور اللاحقة.
5ـ أمّا إذا كان المقصود بـ«الرواية» هو سيرتها العمليّة والقوليّة -أي أقوالها وأفعالها بوصفها معصومةً وحجّةً على الأمّة -، فإنَّ الكتب الحديثيّة والروائيّة مليئةٌ بذكرها، سواءً في مجال العبادة والزهد واليقين، أم في خطبها وكلماتها في الدفاع عن الحقّ، ممّا يشهد على سعة علمها وعلوّ مقامها.
وهذا كلّه مع أنَّ الادّعاء بعدم وجود خمس رواياتٍ فقهيّةٍ عن السيّدة الزهراء (عليها السلام) – كما ادّعى المستشكل – باطلٌ محضٌ، إمّا افتراءٌ متعمّدٌ أو ناتجٌ عن جهلٍ وعدم اطّلاعٍ على المصادر، فمن أراد الوقوف على حقيقة الأمر، فليُراجع كتاب (مسند فاطمة الزهراء) للسيّد حسين شيخ الإسلام التويسركانيّ، و(مسند فاطمة الزهراء) للشيخ عزيز الله العطارديّ، حيث جمعا فيهما قسماً وافراً من الروايات المرويّة عنها، ممّا يُفنّد هذا الزعم من أساسه.
اترك تعليق