هل فرح أبو بكرٍ وعمر بزواج عليّ وفاطمة (ع)؟
السؤال: ذكر أحد الشيوخ في محاضرةٍ له: أنَّ شهود زواج عليّ وفاطمة (عليهما السلام) هم أبو بكرٍ وعمر وسعد بن معاذٍ، وذكر عباراتٍ تدلّ على فرحهم بهذا الزواج، عكس ما يروّجه الرافضة من رواياتٍ تدلّ على نفاقهم حتَّى في السنين الأولى للدعوة؟
الجواب:
لا شكَّ أنَّ زواج الإمام عليّ (عليه السلام) من السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يُعدّ من أعظم الفضائل التي اختصَّ الله بها عليّاً، فقصّة هذا الزواج تكشف بوضوحٍ عن عنايةٍ إلهيّةٍ خاصّةٍ بعليٍّ (عليه السلام)، حيث إنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لم يُزوّج فاطمة من أحدٍ رغم تقدّم كبار الصحابة إليها ممّن كانوا أكبر سنّاً وأوسع مالاً، بل ردّهم جميعاً وقال: إنَّ الأمر إلى الله تعالى، ثمَّ زوّجها من عليٍّ بأمرٍ إلهيٍّ، فقد ورد من طرق العامّة عن عبد الله بن مسعودٍ أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: «إنَّ الله أمرني أن أُزوّج فاطمة من عليّ» [المعجم الكبير ج10 ص156]، قال الهيثميّ: (رواه الطبرانيّ، ورجاله ثقاتٌ) [مجمع الزوائد ج9 ص204].
وقد نُقل أنَّ بعض الصحابة الذين تقدّموا لخطبة فاطمة (عليهم السلام) شعروا بالامتعاض حين زوّجها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) من عليٍّ (عليه السلام)، فراجعوه معترضين، فقال لهم النبيّ: إنَّ زواج عليٍّ من فاطمة كان بأمرٍ من الله [ينظر: تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص41]. ومن هنا يتّضح أنَّ بعض الصحابة قد وجد في هذا الزواج ما يثير الغيرة والحسد تجاه الإمام عليٍّ (عليه السلام)؛ لما انطوى عليه من تكريمٍ إلهيٍّ لا يدانيه شرفٌ.
أمّا ما نُقل في الإشكال من رواياتٍ تُظهر فرح بعض الصحابة وشهودهم لمراسم الزواج، فهي روايةٌ عامّيّةٌ أوردها الخوارزميّ الحنفيّ في كتابه [المناقب ص335-354]، ونقلها عنه الأربليّ في [كشف الغمّة ج1 ص358]، وهذه الرواية طويلةٌ وفيها سردٌ قصصيٌّ غير منسّقٍ؛ لتناقض بعض فقراته مع بعضٍ، فضلاً عن تعارضه مع نقل المشهور، ممّا يُضعف من اعتبارها التاريخيّ، خصوصاً مع ما ورد في كتاب المناقب وسائر مؤلّفات الخوارزميّ من أخبارٍ يُظهر بوضوحٍ أنَّ كثيراً منها موضوعٌ أو متناقضٌ مع الواقع التاريخيّ، ومن ذلك ما تضمّنه من رواياتٍ مثل:
1ـ أنَّ أفضل الناس بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هما أبو بكرٍ وعمر.
2ـ أنَّ أبا بكرٍ صلّى على جنازة السيّدة فاطمة (عليها السلام) ودفنها مع عليٍّ وعمر.
3ـ الروايات التي تحثّ على صيام يوم عاشوراء.
4ـ الروايات التي تجعل يوم عاشوراء عيداً وتعدّه سبعين عيداً.
5ـ الخبر المنسوب إلى عمر بن عبد العزيز، أنَّه رأى في المنام القيامة قد قامت، وأنَّ الخلفاء الثلاثة الأوائل دخلوا الجنّة بعد حسابٍ يسيرٍ [ينظر: مقتل الحسين ج1 ص76، وص132، وج2 ص4، وص6، وص98].
فهذه الأخبار وأمثالها تدلّ على ضعف منهج الخوارزميّ في النقل، وكثرة ما تسلّل إلى مؤلّفاته من الروايات الموضوعة والمختلطة؛ ولذلك لا يمكن الاعتماد على ما ينقله خصوصاً إذا كانت الرواية متناقضةً متناً ومخالفةً لباقي الروايات فضلاً عن التتبّع السنديّ.
وأمّا ما ورد في هذه الرواية من مظاهر الاضطراب والتناقض في مضامينها، فقد بُيّن جانبٌ منها في مقالٍ نُشر على بعض المراكز بعنوان: (ردّ مزاعم الخراشي في كتابه «العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت» بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكرٍ)، ونحن نُشير هنا إلى أبرز تلك المواضع مع شيءٍ من الترتيب والتهذيب، ويمكن مراجعة المصدر لمزيدٍ من التفصيل:
أوّلاً: ما نُقل فيها من أنَّ الدموع اغرورقت في عيني عليّ (عليه السلام) حين قال: «يا أبا بكرٍ، لقد هيّجتَ منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمرٍ كنت عنه غافلاً، وبالله إنَّ فاطمة لرغبتي، وما مثلي يقعد عن مثلها»؛ فإنَّ هذا التعبير لا يليق بمقام عليّ (عليه السلام) في الحياء والعفّة والوقار، ولا ينسجم مع ما هو معروفٌ من شخصيّته المتعالية.
وثانياً: ما ورد فيها من أنَّه قال لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «واستنقذني ممّا كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشرك»، وهو قولٌ باطلٌ؛ لأنَّ آباءه هم آباء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وقد ثبت أنَّهم جميعاً كانوا موحّدين على ملّة إبراهيم (عليه السلام)، ولم يكونوا من المشركين.
وثالثاً: ما جاء فيها من أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمر أزواجه أنْ يدففن لفاطمة (عليها السلام)، فضربن على رأسها بالدفوف، وهو أمرٌ لا ينسجم مع مقام زوجات النبيّ ولا مع هيبة المناسبة، ولا يوجد له أيّ أصلٍ في الروايات الصحيحة.
ورابعاً: ما ذكرتْه الرواية من أنَّ عليّاً (عليه السلام) باع درعه من عثمان بن عفّان، وأنَّ عثمان أعادها إليه هديّةً، فليس له أصلٌ في الأخبار المعتبرة، بل هو إدخالٌ متكلّفٌ لاسمه في سياقٍ لا علاقة له به.
وخامساً: مثل ذلك ما جاء فيها من حشر اسم عقيل بن أبي طالبٍ في القصة، وأنَّه دخل على أخيه عليٍّ (عليه السلام) وقال له: «والله ما فرحت بشيءٍ كفرحي بتزويجك فاطمة، فهلاّ تسأل رسول الله أن يدخلها عليك...»؛ فإنَّ هذا مخالفٌ للواقع التاريخيّ؛ إذ لم يحضر عقيلٌ الزواج، لأنَّه كان يومئذٍ أسيراً في قيوده أو ما يزال في مكّة بعد أن فدى نفسه.
وسادساً: ما يُستفاد من ظاهر الرواية من أنَّ دخول عليٍّ (عليه السلام) بفاطمة كان بعد شهرٍ من العقد الذي تمَّ في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، في حين أنَّ المشهور بين المؤرّخين أنَّ دخوله بها كان في أوائل ذي الحجّة من السنة نفسها، لا بعد شهرٍ من العقد كما زعمت الرواية.
وسابعاً: إدخال أسماء بنت عميسٍ في الحادثة، وذكر دعاء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لها، وهو أمرٌ باطلٌ؛ لأنَّ أسماء في ذلك الوقت كانت لا تزال في الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالبٍ، ولم تكن قد رجعت إلى المدينة بعد.
فمن خلال هذه الملاحظات يظهر بوضوحٍ أنَّ هذه الرواية قد شابتها زياداتٌ وإضافاتٌ من الرواة، وأنَّ المؤلّف أدخل بعض الأخبار في بعضٍ، حتَّى اختلطت مضامينها، وتعذّر قبولها على هذا النحو؛ ولذلك لا يُمكن الأخذ بما ورد فيها إلّا إذا وجد ما يؤيّده في سائر الروايات المعتبرة، وليس في الروايات الأُخرى ما يُسانده.
وأمّا نقلُ كلٍّ من الإربليّ والعلّامة المجلسيّ لهذه الرواية، فليس دليلاً على تبنّيهما لمضمونها، حيث إنَّهما ذكراها مع الإشارة إلى مصدرها الأصليّ، ممّا يدلّ على أنَّ الغرض من النقل كان للتوثيق لا للاعتقاد، أي لبيان ما ورد في المصادر السابقة في قصّة الزواج لا لإثبات صحّته أو الالتزام به.
كلّ ذلك مع الإشارة إلى أنَّ الشهادة على الزواج لم تكن خصوصيّةً للذين ذُكروا في الرواية، بل حضر العقدَ غيرُهم أيضاً، فلا وجه لجعل الحضور أو الشهادة فضيلةً مخصوصةً بهم، ثمَّ إنَّ الشهادة في ذاتها ليست منقبةً شرعيّةً، وإنَّما كانت لحكمةٍ اقتضت أن يشهد بعضُهم الحدث ليدركوا عظمة مقام عليّ و فاطمة (عليهما السلام)، وليكون ذلك حجّةً عليهم يوماً ما، كما أنَّ ما ورد من فرحهم أو إظهارهم للسرور، فلا يدلّ بالضرورة على صفاء النيّة أو صدق المودّة، إذ قد يكون مظهراً من مظاهر النفاق والمجاراة الاجتماعيّة، لا عن إيمانٍ قلبيٍّ، والله أعلم بالسرائر
اترك تعليق