كيف ينسى المعصوم (ع) اسم المقداد؟

السؤال: في الكافيّ عن الصادق (ع): «. قال: فأمر رسول الله (ص) عليّاً (ع) وسلمان وأبا ذر – ونسيت آخر وأظنّه المقداد – أنْ ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم: بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه..». فكيف ينسى المعصوم اسم المقداد؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

للإجابة عن هذا السؤال وما شاكله، لا بُدّ أوّلاً من بيان أمرٍ جوهريٍّ يتوقّف عليه فهمُ طبيعة الروايات، وهو التمييز بين السُنّة الواقعيّة والسُنّة الحاكية، فالسُنّة الواقعيّة هي نفسُ قولِ الإمام (عليه السلام) أو فعله أو تقريره، وهي الحقيقة الثابتة التي صدرت عنه.

أمّا السُنّة الحاكية فهي ما ينقله الراوي عن الإمام: أي هي النصّ الذي وصلنا بلسان الراوي لا بلسان الإمام مباشرة.

وقد وقع بحثٌ طويلٌ في علم الأصول حول حجّية السُنّة الحاكية، ولسنا الآن في مقام تفصيله، لكن خلاصة القول: إنّ حجّيتها ثابتةٌ بالسيرة العقلائيّة؛ فإنّ العُقلاء بطبعهم يقبلون نقلَ الثقات عن غيرهم، كما نقبل ـ بطبعنا ـ ما ينقله زيدٌ من كلام عمرو، فكذلك نقبل ما ينقله زرارة أو محمّد بن مسلم عن كلام الإمام عليه السلام، لكن مع الالتفات إلى أنّ المرويّ هو نقلُ الراوي، لا نفسُ ألفاظ الإمام.

وهنا يقع الفارق المهمّ: فالرواة ـ وإن كانوا ثقاتٍ ـ يتفاوتون في الدقّة، والضبط، وقوّة الفهم، وسرعة الالتقاط، ومراتبهم في الذكاء والبيان مختلفة، وهذا التفاوت هو السبب الحقيقيّ في وقوع الاختلافات بين الروايات في بعض الألفاظ أو التعابير.

فقد يكون طولُ بعض الأحاديث يجعل ضبطها بكاملها أمراً عسيراً على الراوي، أو بسبب نسيان الألفاظ عيناً مع بقاء المعنى في الذهن، كما يعود ذلك أحياناً إلى قلّة الدقّة، وضعف الحفظ عند بعض الرواة، أو إلى كثرة الروايات واتّساع مادّتها بحيث يتعذّر تدوين جميعها في ذلك الزمن.

ويضاف إلى ذلك: ما وقع من تساهلٍ أو تراخٍ في الضبط عند بعض الرواة، مع أنّ النقل كان شفويّاً في الغالب، ولم تكن الألفاظ تعبديّةً يجب التقيّد بها كما هو الحال في القرآن الكريم، بل كان المعصومون (عليهم السلام) يرخّصون في النقل بالمعنى ولا يمنعون منه.

ومن الأسباب أيضاً: ما كان يصدر من تفسير بعض الرواة لكلام المعصوم (عليه السلام)، وضمّ الشرح إلى النصّ الأصليّ، أو عدم التنبّه لجميع أجزاء الحديث لشدّة انجذاب الراوي إلى بعض كلمات الإمام في المجلس، فيذهل عن غيرها، إضافةً إلى أنّ سرعة انتقال العلم وكثرة الأسئلة والروايات كانت تحول دون تمكّن الرواة من تثبيت كل ما يسمعونه كتابةً أو حفظاً.

ومن هنا نعلم أنّ اختلاف الروايات ليس اختلافاً في كلام الإمام نفسه، بل هو اختلافٌ في المنقولات؛ فإنّ الإمام يقول كلمةً واحدةً، لكنّ اثنين من تلامذته يسمعانها، فينقل كلّ واحدٍ ما فهمه بحسب تعبيره وأسلوبه، فتتعدّد الألفاظ وإن كان المضمون واحداً، ومثال ذلك ما يقع في كلام الأساتذة اليوم: فقد يقول الأستاذ جملةً واحدةً، ومع ذلك يختلف نقل التلاميذ لها في الألفاظ دون أنْ يختلفوا في أصل المعنى؛ وبهذا يظهر أنّ التفاوت الواقع في بعض النصوص الروائيّة راجعٌ إلى طبيعة الحكاية عن السُنّة، لا إلى اختلاف السُنّة الواقعيّة نفسها، وهذه قاعدةٌ أساسيّةٌ لفهم منهج التعامل مع الروايات.

وأمّا ما نحن بصدده من الحديث الذي رواه الكلينيّ في [الكافي ج2 ص666] بإسناده إلى عمرو بن عكرمة قال: «دخلتُ على أبي عبد الله (ع)، فقلت له جارٌ يؤذيني، -إلى قوله: -قال: فأمر رسولُ الله عليّاً وسلمانَ وأبا ذرّ – ونسيتُ آخر، وأظنّه المقداد – أنْ ينادوا…»، فالمتأمّل في صياغة النصّ يدرك أنّ لفظة (نسيت) هنا ليست من كلام الإمام الصادق (ع)، بل هي من الراوي الذي نقل عن الإمام كلامه هذا، وهو عمرو بن عكرمة، والذي هو في عداد المجهولين. فالمقام -إذنْ -مقامُ نقلٍ وحكايةٍ، لا مقامُ صدور نصّ مباشر من المعصوم؛ ولذلك فالذي قال: (نسيتُ آخر وأظنّه المقداد) ليس الإمام (عليه السلام)، وإنّما هو الراوي الذي لم يَضبط الاسم الرابع على وجه اليقين.

وهذا يؤكّد القاعدة التي تقدّمت في التفريق بين السُنّة الواقعيّة والسُنّة الحاكية: فالنسيان هنا ليس نسيان الإمام ولا تردّدَ المعصوم، بل هو نسيانُ الراوي الذي لم يتيقّن من الشخص الرابع، فهو يشكّ في أنّه المقداد أو غيره.

وبعبارة أخرى: الراوي عن الإمام لم يشكّ في واقعة الأمر النبويّ، ولا في أصل صدورها، وإنّما شكّ في تفصيلٍ جزئيٍّ يتعلّق بضبط الاسم، وهذا أمرٌ مألوفٌ في النقل الروائيّ، حيث يثبت الأصل وتختلف بعض الجزئيّات في النقل دون أن يؤثّر ذلك على حجّية مضمون الرواية.