هل في إقامة الشعائر الحسينية إساءة للإمام الحسين (ع)؟

السؤال: إنّ ما يُسمّى بـ «الشعائر الحُسينيّة» هي بحدّ ذاتها إساءةٌ للصحابيّ الجليل الحُسين بن عليّ (رضي الله عنهما)! فإن أرادوا الاقتداء به فليس باللطم والتطبير، ولبس السواد والتطيّين. إنْ كنتم تعتقدون أنَّكم مقتدون به فقد أسأتم إليه، وذلك بحصركم قضيّة الحسين باللطم والتطبير ونحوه، كأنّها رسالةٌ مختصرةٌ لما يسمّى بـ «القضيّة الحُسينيّة». فمنْ أراد الاقتداء بالحُسين فبعبادته وقيامه وحلمه، لا بغير ذلك.

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

قبل الشروع في مناقشة الإشكال، لا بدّ من تقديم مقدّمتين أساسيّتين:

إحداهما: أنّ جواز إقامة العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) ثابتٌ بدليلٍ قطعيٍّ من القرآن والسنّة والعقل، بل ومن الوجدان الفطريّ الإنسانيّ؛ فالقرآن أثبت مشروعيّة تعظيم الشعائر، والسنّة الشريفة أثبتت مشروعيّة البكاء والحزن على الحسين (عليه السلام)، والعقل والفطرة يشهدان بأنّ إظهار الحزن على المظلوم وإحياء ذكراه من أوضح مقتضيات العاطفة الإنسانيّة السليمة.

وهذه الأدلّة القطعيّة تُغنينا عن الدخول التفصيليّ في إثبات أصل المشروعيّة في هذا الموضع؛ إذ لسنا الآن في مقام الاستدلال على ذلك، وللمزيد من البحث هنا يمكن مراجعة أجوبةٍ سابقةٍ للمركز، كما يمكن مراجعة كتاب (نظرةٌ في إحياء مراسم عاشوراء) للشيخ مصباح اليزديّ.

والأخرى: أنّ الشعائر الحسينيّة من قبيل الشعائر التي لم يحدّد الشارع لها كيفيّةً خاصّةً أو قالباً تعبّديّاً معيّناً، بل ترك تحديد تفاصيلها لعرف العقلاء والمتشرّعة.

وهذا الأمر ليس خاصّاً بالشعائر الحسينيّة، بل هو منهجٌ عامٌّ في عددٍ من العبادات والسنن: فالذكر والتسبيح لم يعيّن الشارع لهما أسلوباً واحداً، بل يصحّ بأيّ صيغةٍ من صيغ التمجيد لله، وقراءة القرآن كذلك: تجوز فرديّةً أو جماعيّةً، في البيت أو المسجد، في الأفراح أو الأتراح، بل يجوز تأسيس المحافل، وإقامة المسابقات، وتنظيم المؤتمرات، وكلّ ذلك يدخل تحت عنوان: (قراءة القرآن)، ما دام لم ينطبق عليها عنوانٌ محرّمٌ آخر، كـ(الغناء) مثلاً.

وعلى هذا النحو تكون الشعائر الحسينيّة؛ فقد حثّ الشرع على البكاء والحزن وإقامة المآتم على الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكنّه لم يفرض كيفيّةً معيّنةً لهذه الشعائر، بل تركها للمكلّفين ليعبّروا عن تعظيمهم لهذا المقام وفق ما يرى العقلاء أنّه مصداقٌ للحزن والإحياء والولاء، من لبس السواد والتطيين وغيرها من حالات الحزن، يمكن مراجعة جوابٍ سابقٍ بعنوان: (ما هو المعيار في الشعائر الحسينية؟).

وبعد هاتين المقدّمتين نصل إلى الإشكال المطروح، وهو زعمُ المستشكل أنّ إقامة العزاء على الإمام الحسين (عليه السلام) إساءةٌ إليه؛ لأنّ الشيعة ـ بزعمِه ـ حصَروا القضيّة الحسينيّة كلّها في البكاء والمآتم، وهذا الإشكال مبنيّ على عدّة مغالطاتٍ واضحةٍ:

أوّلاً: أنّه ينسب إلى الشيعة ادّعاءً لا يقولونه ولا يلتزمون به، وهذا النوع من الخطأ يُسمّى في المنطق مغالطة رجل القش؛ وهي أنْ يختلق الشخص قولاً أو موقفاً ضعيفاً لم يقله الخصم أصلاً، ثمّ يهاجمه وينقضه بسهولة، بدلاً من مواجهة الرأي الحقيقيّ.

وهذا بالضبط ما فعله المستشكل؛ إذ القول بأنّ الشيعة «حصروا» القضيّة الحسينيّة في البكاء والعزاء، افتراءٌ بيّنٌ؛ إذ الشعائر الحسينيّة ليست إلّا جزءاً من مشروعٍ حضاريٍّ واسعٍ يقوم على: تخليد ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)، إبقاء كربلاء حاضرةً في الوجدان، استلهام الدروس الأخلاقيّة والسياسيّة من قيامه، وتربية الأجيال على رفض الظلم ومقاومته، والاستفادة من دروس عاشوراء السياسيّة والأخلاقيّة والروحيّة.

وكلّ من حضر مجلساً واحداً من المجالس الحسينيّة يجد أنّه يبدأ بالقرآن، والوعظ، وتربية النفوس، وبيان الأحكام، ثمّ يأتي العزاء في مقام المواساة الروحيّة، وعليه فإنّ نسبة الحصر إلى الشيعة ليست سوى توهّمٍ مبنيٍّ على فهمٍ مبتورٍ.

وثانياً: أنّ العزاء عند الشيعة ليس أمراً نابعاً من اختيارٍ مزاجيّ، بل هو شعيرةٌ شرعيّةٌ مأمورٌ بها في إطار تعظيم شعائر الله، وإحياء ذكرى أوليائه -كما ذكرناه في المقدّمة -، فهم لا يمارسون العزاء بوصفه بديلاً عن بقيّة أبعاد النهضة الحسينيّة، بل يمارسونه بوصفه واحداً من مصاديق الإحياء الدينيّ المشروع، إلى جانب سائر الدروس والعبر التي تستفاد من نهضة عاشوراء، وبالتالي، فإنّ تصوير الأمر وكأنّ الشيعة ابتدعوا الحزن من تلقاء أنفسهم يُعدّ مغالطة رجل القش؛ حيث يتمّ تحريف موقفهم الحقيقيّ لتسهيل مهاجمته.

وثالثاً: مغالطة حصر القدوة في جانبٍ واحدٍ؛ حيث زعم المستشكل أنّ الاقتداء بالحسين يجب أن يقتصر على عبادته وقيامه وحلمه، لا على مظلوميّته والبكاء عليه، وهذا قلبٌ آخر للحقيقة؛ فالاقتداء بالإمام الحسين (عليه السلام) يكون: بالبكاء والمواساة وتعظيم مصيبته، وهي سنّةٌ نبويّةٌ ثابتةٌ، وبالاقتداء بسلوكه الرساليّ من مقاومة الظلم، والصبر، والتضحية، والعبادة، ففصلُ أحد الأمرين عن الآخر تحريفٌ لطبيعة المشروع الحسينيّ المتكامل، وهو مغالطةٌ ثالثةٌ.

ورابعاً: وقوع المستشكل في مغالطة التقابل الكاذب؛ حيث يُجعل أمران متكاملان في صورة نقيضين، كمن يقول: إمّا أن تدرس وإمّا أن تكون متديّناً، مع أنّ الدراسة لا تعارض التديّن، وكذلك الحال هنا؛ فإقامة العزاء تكليفٌ شرعيٌّ مستقلٌّ، والاقتداء بالحسين (عليه السلام) في جهاده وعبادته تكليفٌ آخر، ولا يُلغي أحدهما الآخر، بل يجتمعان كما تجتمع الصلاة مع الصوم وسائر العبادات، والمستشكل جعل الأمرين متقابلين، كأنّهما نقيضان، بينما هما تكليفان مستقلّان لا يلغيان بعضهما، وهذه مغالطةٌ رابعةٌ واضحةٌ.

وبذلك يتّضح أنّ الإشكال قائمٌ على سلسلةٍ من التصورات المشوّهة، والمغالطات المنطقيّة.