دور أمير المؤمنين (ع) في زمن الحكام الثلاثة
السؤال: هناك قطعةٌ زمنيَّةٌ طويلةٌ من تاريخ أمير المؤمنين (ع) -وهي الممتدّة من خلافة الأوّل وحتّى انتهاء خلافة الثالث؛ أي: ما يقارب خمساً وعشرين سنةً -غائبةٌ عنّا، ولا نعرف من تاريخه وأدواره فيها سوى ما اشتهر من أنّه كان يشير إلى الحكّام وينصحهم، فهل يمكن أن تذكروا لنا عن تاريخه وأدواره (ع) في تلك الفترة الطويلة؟
الجواب:
بعد الانقلاب واجه أمير المؤمنين (ع) واقعاً جديداً يأخذ بالأمّة الناشئة بعيداً عن المسار الذي أراده الله تعالى ويتيح التغيير في الدّين، لم يكن اقتلاع هذا الواقع ممكناً؛ نظراً لقلّة الناصر، وتواطؤ الخصوم، وصمت الناس الذي تنوّعت أسبابه.
في ذات الوقت لم يقبل (ع) أنْ تتعطّل مهامّ الإمامة بالكلّيّة، ويترك الإسلام عرضةً للضياع؛ فاتّجه إلى العمل غير المعلن تحت ظرف التقيّة؛ لئلّا تخرج الأمور بتمامها عن سيطرة أهل البيت (ع)؛ فيحفظ بذلك الرسالة، ويقوّم مسار الأمّة قدر المستطاع.
والمتتبّع لسيرته (ع) تلك الفترة يدرك تماماً أنّ جميع تحرّكاته كانت تتّجه ضمن هذا الهدف، ويتّضح أمامه أنّ ما من حسنةٍ ظهرت آنذاك في هذا السياق إلّا وتدبيراته (ع) من ورائها، ما يجعل رقاب المسلمين -إلى الأبد -رهينةً لأفضاله.
وهنا سنستعرض بعضاً يسيراً من تاريخه (ع) المتعلّق بأدواره إبّان تلك الفترة الممتدّة من حكم الأوّل وحتّى الثالث، والتي وصفها (ع) بالفترة الطويلة والمحنة الشديدة في خطبته الشهيرة بـ (الشقشقيّة)، بنحوٍ أقرب للفهرسة، مع إرجاع القارئ إلى المراجع والمصادر التي تُذكر، والتي اعتمدت النصوص التي نقلها المسلمون من العامّة فضلاً عن الخاصّة.
كما نلفت إلى أنّ ما نذكره هنا هو مجرّد شذراتٍ؛ فإنّ تتبّع جميع أدواره (ع) آنذاك -بحدود الواصل إلينا -مع ملاحظة النصوص ذات الصلة والمتناثرة في كلٍّ من كتب الحديث والتاريخ والسيرة لدى الفريقين، وهذا يتطلّب بسطاً مطوّلاً، وجديرٌ بها أنْ يكتب فيها كتابٌ مستقلٌّ، على الرغم من عدم إنصاف التاريخ له وعدم إعطائه حقّه (ع) في الذكر لأسبابٍ غير خافيةٍ.
الأمر الأوّل: صيانة أصول الشريعة: وقد برز هذا الدور في مجالاتٍ متعدّدةٍ، منها:
1- صيانة القرآن الكريم: تفرّغ الإمام (ع) بعد رحيل النبيّ (ص) لجمع القرآن الكريم الذي سبق وخطّه في صحفٍ بمحضره (ص)، مضافاً إلى حواشٍ تضمّنت من معارف القرآن وأسباب نزوله التي تلقّاها منه (ص)، ومن ثمّ قام بعرض ذلك على السلطة في جمعٍ من المهاجرين والأنصار في المسجد النبويّ؛ لتمثل نسخته العمدة للمسلمين (القرآن الإمام)، وبالرغم من رفض السلطة لمشروعه آنذاك إلّا أنّ جهوده (ع) حقّقت أموراً هامّةً آتت ثمارها فيما بعد، منها:
أ- إثارة ضرورة تدوين القرآن الكريم؛ هذا المشروع الذي تمّ رفضه من قبل السلطة مع علمها بصوابه، إلى أن تمّت الموافقة عليه من قبل الحاكم الثالث بإرشادٍ من أمير المؤمنين (ع)؛ حيث أصبح الخطر فعليّاً.
ومع أنّ نسخته (ع) قد سبق ورفضت لكن مع ذلك كان يراقب النسخ التي يتمّ توحيدها أخيراً، ومن ثمّ لم يكن من الصدفة أن يتلو ذلك فيما بعد عدّة خطواتٍ متقدّمةٍ في سياق صيانة القرآن الكريم كان (ع) -أيضاً -من ورائها؛ كإضافة التشكيل الذي باشره أبو الأسود الدؤليّ بتعليمٍ منه (ع)، واشتهار قراءته (ع) إلى يومنا المعروفة بقراءة حفصٍ عن عاصمٍ.
ويمكن القول أنّ خطوة تنقيط الحروف المعجمة للقرآن وإضافة الهمزة والرّوم والإشمام الذي قام بها الفراهيديّ الشيعيّ في القرن الثاني الهجريّ إنّما جاءت امتداداً لما أسّس له (ع).
ب -تأكيد ما نصّ عليه النبيّ (ص) من كون معارف الكتاب والسنّة إنّما هي عند أهل البيت (ع)، وترسيخ ثنائيّة الكتاب والعترة، والارتباط الوثيق بينهما في الوعي الجمعيّ للأمّة؛ فزعزع بذلك الثقة في الاعتماد على غيرهم، وأثار الانتباه إلى مرجعيّتهم (ع) العلميّة وإن تمّ سلبهم حقّ الإدارة السياسيّة.
ج -بقيت نسخته (ع) التي جمعها في بادئ الأمر متوارثةً لدى الأئمّة (ع) ينهلون منها من علم النبيّ (ص) إلى جانب بقيّة الآثار العلميّة -الخاصّة -التي خطّها (ع) بإملاءٍ من رسول الله (ص).
ينظر: الكافيّ ج1 ص241، التمهيد في علوم القرآن ج1 ص288-296، وص334-363.
2- صيانة السنّة النبويّة والشريعة الإسلاميّة: هُدّدت السنّة النبويّة والشريعة بكلٍّ من الابتداع والاندثار؛ إذ وقع أكثر الصحابة في التغيير والإحداث؛ فلم يبقَ شيءٌ على ما كان عليه وقت النبيّ (ص) حتّى الصلاة على شهرتها. وزاد الأمر سوءاً دعوة الحاكم الأوّل إلى منع التحديث بشيءٍ عن النبيّ (ص)، وإصدار الحاكم الثاني مرسوماً يفضي إلى منع تدوين الحديث استمرّ نافذاً قرابة مائة سنةٍ.
فكان (ع) الضامن الأوّل للسنّة النبويّة والشريعة؛ إذ لولاه ولولا الأئمّة (ع) من بعده لضاعت من أيدينا ولم يبقَ لنا طريقٌ مأمونٌ إلى الكثير منها.
كما واجه (ع) كلا الخطرين بصلابةٍ؛ فمن جهةٍ التزم وأصحابه بالترويج للسنّة وإباحة التدوين وكان يحثّهم على الكتابة، ومن جهةٍ ثانيةٍ كان يردع من يقع منه التغيير بشدّةٍ؛ كما يلاحظ في أمثال حادثة المسح على الخفّين؛ إذ وقف بصلابةٍ في وجه الحاكم الثاني الذي جوّز المسح عليهما في الوضوء. وحادثة متعة الحجّ التي نهى عنها الثاني، وكان (ع) يأمر الناس بها مع نهي السلطة عنها، وتخاصم بشأنها مع الحاكم الثالث.
ينظر: تدوين السنّة للجلاليّ ص134، وص261، وص563، تفسير العياشيّ ج1 ص297، مصنّف ابن أبي شيبة ج1 ص169، مسند أحمد ج2 ص136، وص353، وج19 ص39، صحيح البخاريّ ج1 ص112، وج9 ص46، صحيح مسلم ج2 ص897، وج4 ص1793.
3- صيانة الإمامة: من أدواره العظيمة (ع) آنذاك صونه حقّ الإمامة بما تمثله من امتدادٍ لخطّ حجج الله ومشروع الله تعالى في الأرض، وإبقاء هذه القضيّة حيّةً شاهرةً إلى يومنا، برفضه حكومة السقيفة وامتناعه عن البيعة طوعاً، وتصريحاته المتكرّرة ضدّهم واحتجاجاته عليهم، وتذكيره المستمرّ بحقّ أهل البيت (ع) بالإمامة، واستثماره كلّ فرصةٍ لذلك؛ يراهن على الوعي التراكميّ للأمّة رغم ظروف التقيّة القاسية وضغوطات السلطة، فتحمّل في ذلك سلسلةً طويلةً من التضحيات والآلام الجسيمة والمريرة بدأت بالهجوم على داره، واستشهاد السيّدة فاطمة وجنينها المحسن (ع)، ومحاولة اغتياله (ع)، فضلاً عن سيل الاتّهامات المؤذية بالحسد والطمع بالسلطة والحرص.
فلولا صموده (ع) وإصراره المستمرّ طيلة تلك الفترة لما قامت لهذه القضيّة قائمةٌ ولتمّ للمنقلبين طمسها وإغلاق ملفّها تماماً من حينها.
ينظر: موسوعة الإمام عليّ (ع) للقرشيّ ج1 ص122، وج8 ص13، موسوعة الإمام عليّ (ع) لعاشور ج5 ص26، موسوعة الإمام عليّ (ع) للريشهريّ ج2 ص318، وج3 ص35، وص120، جواهر التاريخ ج1 ص71، سيرة أمير المؤمنين (ع) للكورانيّ ج1 ص462، وج2 ص50، نهج البلاغة ص165.
4- إفشال مخطّطات مدّعي النبوّة: كان للإمام (ع) الفضل الحقيقيّ في القضاء على أطماع مدّعي النبوّة؛ كطُليحة الذي كاد يسيطر على المدينة، ومُسيلمة، وسَجاحِ؛ وإنّما اشتُهرت نسبة ذلك إلى الحاكم الأوّل؛ لأنّه كان وبطبيعة الحال المتقمّص لثوب الخلافة.
ينظر: قراءةٌ جديدةٌ لحروب الردّة للشيخ الكورانيّ.
5- الذود عن عقائد الإسلام: من أدواره المميّزة (ع) آنذاك ذوده عن عقائد الإسلام، ومسكه أزمّة القلوب من الوقوع في شرّ الافتتان بدحضه شبهات علماء الأديان الأخرى التي كانوا يلقون بها بين المسلمين، والردّ على تساؤلاتهم وكسر تحدّياتهم والتي لم يكن لها سواه (ع).
ينظر: موسوعة الإمام عليّ (ع) للقرشيّ ج8 ص67، موسوعة الإمام عليّ (ع) لعاشور ج9.
الأمر الثاني: إيجاد كتلةٍ صالحةٍ تمثّل دور النخبة: عمل الإمام (ع) على تأسيس كتلةٍ صالحةٍ يمكن الاعتماد عليها في ميادين عدّةٍ، تحمل راية صيانة الإسلام وأهله، بدأت ببعض خواصّه؛ كسلمان والمقداد وأبي ذرٍّ وعمّارٍ والمعروفين بالأركان الأربعة، ومن ثمّ توسّعت ليتغلغل بعض أفرادها أيّام حكم الثاني إلى مفاصل مهمَّةٍ في الدولة، وتنامت ليؤسّس (ع) من خلالها في فترة حكمه ما يعرف بشرطة الخميس؛ التي أسند إليها أدواراً تنفيذيّةً وتنظيميّةً هامّةً.
ينظر: من شؤون الحرب ص125، سيرة أمير المؤمنين (ع) للكورانيّ ج4 ص89، شرطة الخميس للفرطوسيّ.
الأمر الثالث: رعاية المسلمين: رغم الحصار الاقتصاديّ الذي فُرض من قبل السلطة على أهل البيت (ع) بهدف إضعاف قدرتهم، وتعطيل دورهم، وتمويل إدارتها الناشئة؛ وذلك بمنعهم ميراث النبيّ (ص)، وفدك، والفيء، والخمس؛ هذه الأصول الماليّة التي كانت لتشكّل قوّةً هامّةً تدفع ببرامجهم (ع) الواقعة في الصالح العامّ، إلّا أنّ ذلك لم يدعه (ع) للجمود؛ إذ اشتغل بشكلٍ واسعٍ - آنذاك - في مجال الاستصلاح الزراعيّ: من حفر الآبار، وشقّ القنوات، وإحياء الأراضي وتحويلها إلى بساتين مُنتجةٍ يجعل من خراجها صدقاتٍ يرعى بها المسلمين، حتّى ورد أنّه أعتق ألف مملوكٍ من كدّ يمينه!
مضافاً لتحويله الكثير ممّا أنتجه إلى أوقافٍ عامّةٍ تولّاها الأئمّة (ع) من بعده شكّلت بنيةً تحتيّةً وأساساً اقتصاديّاً له أثره في خدمة المسلمين.
ينظر: الكافيّ ج5 ص74، الظليمة ص377، موقوفات أمير المؤمنين ص67.
الأمر الرابع: تقويم السلطة في مجالاتٍ متعدّدةٍ: رغم سلب أهل البيت (ع) حقّهم في السلطة المجعولة لهم من الله تعالى، وحرمان المسلمين التنعم في ظلالها، بقي (ع) يتّخذ دوراً فاعلاً في تقويم سلطة الأمر الواقع المفروضة – قهراً -، وإرشادها إلى التصرّف الصحيح في ملفّاتٍ مهمَّةٍ وعديدةٍ؛ لما في ذلك من بالغ الأثر على الصالح العامّ؛ سواءٌ كان في الشأن الخارجيّ؛ كما في مسألة الفتوحات، والصراع مع الروم والفرس، أم في الشأن الداخليّ وفي مجالاتٍ؛ كالأمن والقضاء والاقتصاد والإدارة؛ كإفشال مشاريع المرتدّين المتقدّم الإشارة إليها، والتدخّل في حسم كثيرٍ من المشكلات والمرافعات القضائيّة، ورفض الفساد في بيت المال والامتيازات الطبقيّة، وإرشاده أن تبقى العراق مادّةً وخراجاً للمسلمين عموماً، وإرشاده التأريخ بالهجرة النبويّة؛ بل وبأقلّ تتبّعٍ يُجزم بأن لولاه (ع) لما قام - آنذاك - للإسلام شوكةٌ، ولا صارت للمسلمين دولةٌ.
وقد جهل الناس دورَه لأسبابٍ لا تخفى؛ فأنكروا حقّه، وفي هذا السياق يبثّ (ع) شكواه إلى الله تعالى، ويقول: «ثمّ نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحُسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكّد عند الناس نباهة قومٍ، وخمول آخرين؛ فكنّا نحن ممّن خمِل ذكرُه، وخبَت نارُه، وانقطع صوتُه وصيتُه، حتّى أكل الدهرُ علينا وشرب، ومضت السنون والأحقابُ بما فيها، ومات كثيرٌ ممّن يَعرِف، ونشأ كثيرٌ ممّن لا يعرف».
ينظر: قراءةٌ جديدةٌ للفتوحات الإسلاميّة ج1 وج2، سيرة أمير المؤمنين (ع) للكورانيّ ج1 ص588، وج2 ص1، موسوعة الإمام عليّ (ع) للريشهريّ ج3 ص78، قضاء عليّ (ع) للتستريّ ص255، أحكام أمير المؤمنين (ع) للأمين ص48، شرح نهج البلاغة ج20 ص299.
اترك تعليق