خلق الزهراء (ع) النوري قبل الخلق

السؤال: هل صحَّ عندنا أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) مخلوقةٌ من النور قبل الخلق؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم عزيزي السائل بأنَّ الروايات الشريفة تذكر بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ أنَّ الله تعالى خلق الصدِّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من نورٍ قبل خلق العالم، ممّا يدلُّ على رفعة شأنها وسموّ مقامها، وأنَّ نورها سبق الأكوان والعوالم، نذكر جملةً منها:

1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسندٍ معتبرٍ إلى مرازمٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال الله (تبارك وتعالى): يا محمَّد، إنّي خلقتك وعليّاً نوراً. يعني: روحاً بلا بدنٍ قبل أنْ أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهلّلني وتمجِّدني، ثمَّ جمعتُ روحيكما فجعلتهما واحدةً، فكانت تمجِّدني وتقدِّسني وتهلّلني، ثمَّ قسَّمتها ثنتين، وقسَّمتُ الثنتين ثنتين فصارت أربعةً، محمَّدٌ واحدٌ، وعليٌّ واحدٌ، والحسن والحسين ثنتان. ثمَّ خلق الله فاطمة من نورٍ ابتدأها روحاً بلا بدنٍ، ثمَّ مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا» [الكافي ج1 ص٤٤٠].

2ـ وروى عليّ بن بابويه القمِّيّ بسنده إلى جابرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: قلت: لم سمِّيت فاطمة الزهراء زهراء؟ فقال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلقها من نور عظمته، فلمّا أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها، وغشيت أبصار الملائكة، وخرَّت الملائكة لله ساجدين، وقالوا: إلهنا وسيِّدنا، ما هذا النور؟! فأوحى الله إليهم: هذا نورٌ من نوري، أسكنته في سمائي، خلقته من عظمتي، أخرجه من صلب نبيٍّ من أنبيائي، أفضِّله على جميع الأنبياء، وأخرج من ذلك النور أئمَّةً يقومون بأمري، يهدون إلى حقِّي، وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي» [الإمامة والتبصرة ص133].

3ـ وروى الحسين بن حمدان الخصيبيّ بسنده إلى جابرٍ الأنصاريّ، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه: «واعلموا - رحمكم الله -، أنَّ الله (تقدَّست أسماؤه وجلَّ ثناؤه) كان ولا مكان ولا كون معه، ولا سواه أحدٌ في فردانيته، صمدٌ في أزليته، شيءٌ لا شيء معه، فلمّا شاء أنْ يخلق خلقني ـ بمشيئته وإرادته لي ـ نوراً. وقال لي: كن فكنتُ نوراً شعشعانيّاً أسمع وأبصر، وأنطق بلا جسمٍ ولا كيفيّةٍ. ثمَّ خلق منِّي أخي عليّاً ثمَّ خلق منّا فاطمة ... الحديث» [الهداية الكبرى ص378].

4ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى معاذ بن جبلٍ أنَّ رسول الله قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلقني وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين قبل أنْ يخلق الدنيا بسبعة آلاف عامٍ، قلتُ: فأين كنتم يا رسول؟ قال: قدَّام العرش نسبِّح الله تعالى ونحمده ونقدِّسه ونمجِّده. قلتُ: على أيّ مثالٍ؟ قال: أشباح نورٍ حتَّى إذا أراد الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يخلق صورنا صيَّرنا عمود نورٍ، ثمَّ قذفنا في صلب آدم، ثمَّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء، وأرحام الأمَّهات، ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر ... الحديث» [علل الشرائع ج1 ص208].

5ـ وروى ـ أيضاً ـ بسندٍ معتبرٍ عن سديرٍ الصيرفيّ، عن الصادق جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «خُلق نور فاطمة (عليها السلام) قبل أنْ تخلق الأرض والسماء. فقال بعض الناس: يا نبيّ الله، فليست هي إنسيّة؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله): فاطمة حوراء إنسيّةٌ. قال: يا نبيّ الله، وكيف هي حوراء إنسيّةٌ؟ قال: خلقها الله (عزَّ وجلَّ) من نوره قبل أنْ يخلق آدم ... إلى قوله: يا محمَّد، إنَّ هذه تفاحةٌ أهداها الله (عزَّ وجلَّ) إليك من الجنَّة، فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمَّد، يقول الله (جلَّ جلاله): كُلْها. ففلقتها فرأيتُ نوراً ساطعاً ففزعتُ منه، فقال: يا محمَّد، مالك لا تأكل؟ كلْها ولا تخف، فإنَّ ذلك نور المنصورة في السماء ... الحديث» [معاني الأخبار ص396].

6ـ وروى ـ أيضاً ـ بسنده عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله (تبارك وتعالى) خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عامٍ، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمَّدٍ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأئمَّة بعدهم (صلوات الله عليهم)، فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم ... فقالا [آدم وحوّاء]: يا ربّنا، لمن هذه المنزلة؟ فقال الله (جلَّ جلاله): ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي؟ فرفعا رؤوسهما، فوجدا اسم محمَّدٍ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأئمَّة بعدهم (صلوات الله عليهم) مكتوبةً على ساق العرش بنورٍ من نور الجبَّار ... الحديث» [معاني الأخبار ص108].

7ـ وروى ـ أيضاً ـ بسنده عن المفضَّل بن عمر قال: قال الصادق جعفر بن محمَّدٍ (عليهما السلام): «إنَّ الله (تبارك وتعالى) خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عامٍ فهي أرواحنا. فقيل له: يا بن رسول الله، ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمَّدٌ وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، والأئمَّة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجَّال ويطهِّر الأرض من كلِّ جورٍ وظلمٍ» [كمال الدّين ص335].

8ـ وروى شاذان بن جبرئيل القمِّيّ عن ابن مسعودٍ، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفيه قوله: «اعلم أنَّ الله خلقني وعليّاً من نور عظمته قبل أنْ يخلق الخلق بألفي عامٍ، إذْ لا تسبيح ولا تقديس، ففتق نوري فخلق منه السماوات والأرضين، وأنا واللهِ أجلُّ من السماوات والأرضين. وفتق نور عليّ فخلق منه العرش والكرسيّ، وعليٌّ واللهِ أفضلُ من العرش والكرسيّ ... إلى قوله: فأظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله تعالى أنْ يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكلَّم الله (جلَّ جلاله) بكلمةٍ واحدةٍ، فخلق من تلك الكلمة نوراً وروحاً، فأضاف النور إلى تلك الروح، فأقامها أمام العرش، فزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء ... الحديث» [الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص112].

9ـ وروى السيِّد ابن طاووس بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديثٍ طويلٍ وفيه: «إنَّ الله (جلَّ اسمه) خلق محمَّداً وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) أشباحاً، يسبّحون ويهلّلونه بين يدي عرشه قبل أنْ يخلق آدم بأربعة عشر ألف عامٍ، فجعلهم نوراً ينقلهم من ظهور الأخيار من الرجال، وأرحام الخيرات المطهَّرات والمهذَّبات من النساء، من عصرٍ إلى عصرٍ ... الحديث» [اليقين ص225].

10ـ وروى عليّ بن أبي الفتح الإربليّ عن بعض كتب الصدوق مرفوعاً إلى جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نورٍ. فعصر ذلك النور عصرةً، فخرج منه شيعتنا، فسبَّحنا فسبَّحوا، وقدَّسنا فقدَّسوا، وهلَّلنا فهلَّلوا، ومجَّدنا فمجَّدوا، ووحَّدنا فوحَّدوا، ثمَّ خلق السماوات والأرضين، وخلق الملائكة، فمكثت الملائكة مائة عامٍ لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً، فسبَّحنا فسبَّحت شيعتنا فسبَّحت الملائكة ... الحديث» [كشف الغمَّة ج2 ص85].

وفي الختام: قال الميرزا جواد التبريزيّ في جواب سؤالٍ وجِّه إليه، هذا نصُّه: (قد ورد في الأخبار الكثيرة أنَّ الله خلق نور فاطمة (سلام الله عليها) من نوره قبل خلق آدم، لا يحتمل الكذب والوضع في جميعها، كما ورد في معاني الأخبار بسندٍ معتبرٍ عن سديرٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام)، صحَّة مثل هذه الأُمور والاعتقاد بذلك، وإنْ لم يكن واجباً ولم يكن من ضروريّات المذهب فهو من كمال الاعتقاد، فمن اكتسبه من مصادره باليقين والاطمئنان فقد فاز به) [الأنوار الإلهيّة ص112، ظلامات الزهراء ص16].

وقال ـ أيضاً ـ في جوابٍ آخر: (ورد في بعض النصوص ـ ومنها معتبرٌ ـ أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وآله المعصومين ومنهم الزهراء (سلام الله عليها) كانوا موجودين بأشباحهم النوريّة قبل خلق آدم (عليه السلام)، وخلقتهم المادِّيّة متأخِّرةٌ عن خلق آدم كما هو واضحٌ، والله العالم) [الأنوار الإلهيّة ص113، ظلامات الزهراء ص16].

وانظر أيضاً جواب السيِّد صادق الروحانيّ في هذا الشأن [أجوبة المسائل ج1 ص111].

والنتيجة النهائيّة من جميع ذلك، أنَّ الروايات المعتبرة وكلمات الأعلام تدلُّ على أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) خُلِقت من نورٍ قبل إيجاد الخلق .. والحمد لله ربِّ العالمين.