هل هرب النبي (ص) من قريش؟ وهل يجوز ذلك في حقه؟
السؤال: روى الشيخ الكلينيّ بسندٍ صحيحٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لمّا توفّي أبو طالب نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد، اخرجْ من مكّة، فليس لك فيها ناصر، وثارت قريش بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، فخرج هارباً حتّى جاء إلى جبل بمكّة يُقال له: الحجون، فصار إليه» [الكافي ج1 ص439]. هل يجوز الهرب على الرسل والأنبياء؟ وماذا جرى للنبيّ صلى الله عليه وآله بعد لجوئه للجبل؟
الجواب:
هذا السؤال يقوم على افتراضٍ مسبقٍ غير صحيح، وهو أنَّ (الهرب) سلوكٌ يناقض مقام النبوّة، أو يكشف عن الجبن والضعف.
والحقيقة أنَّ الأنبياء لم يُكلَّفوا بانتظار القتل حتى يُقتلوا، ولا بتعريض أنفسهم للتهلكة دون أمرٍ من الله، بل إنَّ حفظ النفس واجبٌ شرعيٌّ وعقليٌّ، فكيف إذا كان حفظها حفظاً لرسالة الله ودينه؟
فالهروب ليس حالةً سلبيَّةً بالمطلق، بل هو في جوهره استجابةٌ عقلانيّةٌ ودفاعيّةٌ فطريّةٌ لحماية النفس، أو حفظ شيءٍ ذي قيمةٍ عليا. فالإنسان ـ بل كلُّ كائنٍ حيٍّ ـ مبرمجٌ فطريّاً على تجنّب التهلكة، والله تعالى لم يكلّف عباده ولا أنبياءه بأنَّ يعرّضوا أنفسهم للهلاك من غير مصلحةٍ راجحةٍ أو أمرٍ إلهيّ مباشر، بل إنَّ القرآن قرّر هذا الأصل بوضوحٍ في قوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)؛ فإذا لم تكن في المواجهة مصلحة، وكان تجنيب النفس للهلاك لا يتحقق إلا بالهروب، صار الهروب حينئذٍ واجباً لا مذمّة فيه.
والقرآن يذكّرنا بأنَّ موسى (عليه السلام) خرج هارباً من فرعون وظلمه، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]، ولم يكن ذلك نقصاً في مقامه، بل كان خطوةً من خطوات العناية الإلهيّة التي مهّدت لنبوّته ورسالته، وكذلك كانت هجرة النبيِّ (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة، بعد أنْ ضيّق عليه قومه، انتقالاً استراتيجيّاً لإنقاذ الرسالة من قبضة قريش، فالعبرة ليست بكون الفعل هروباً أو لا، بل بالحكمة التي تحكمه، والغاية التي يُراد تحقيقها.
وبالعودة إلى الرواية التي نقلها الكلينيُّ، فهي لا تتحدث عن هروبٍ بمعنى التخلي عن المهام الرساليَّة أو الانسحاب من مسؤولية الدعوة، بل تُصوّر لحظةً من لحظات الشدّة بعد وفاة أبي طالب (ع)، حين فقد النبيُّ (ص) أعظم حامٍ اجتماعيِّ في مكّة، فصار مكشوفاً في مجتمعٍ قبليٍّ لا يحمي من يخرج عن عصبيته، وهذا الانتقال الاضطراريُّ كان حمايةً للرسالة لا انسحاباً منها، وصوناً لحامل الوحي لا تراجعاً عن أداء تكليفه. وهذا ما تؤكّده كتب السيرة؛ فبعد وفاة أبي طالب وأمّ المؤمنين خديجة، اشتدّ أذى قريش للنبيّ (ص) حتى سُمِّي ذلك العام بـ (عام الحزن).
أمّا ما جرى بعد لجوئه للجبل، فليس هناك تفاصيل تاريخيّةٌ عنه، والذي يبدو أنَّ ذلك كان مقدّمةً للهجرة التي غيّرت مجرى التاريخ.
وفي المحصّلة، لا تحمل الرواية ما يناقض مقام النبوّة، فالهروب بذاته ليس مذموماً، بل قد يكون عين الحكمة حين يهدف إلى حفظ الرسالة.
اترك تعليق