منكر المعاد الجسماني
السؤال: قال السيّد أبو القاسم الخوئيّ: (الإيمان بالمعاد الجسمانيّ، والإقرار بيوم القيامة، والحشر والنشر، وجمع العظام البالية، وإرجاع الأرواح فيها، فمَن أنكر المعاد أو أنكر كونه جسمانيّاً، فهو كافرٌ بالضرورة) [مصباح الفقاهة ج1 ص390]. هل منكر المعاد الجسمانيّ كافرٌ؟ ولماذا تكفير منكر المعاد بالجسم والمقرّ بالمعاد للروح مع أنّ الروح هي الأصل والجسم فانٍ؟ وأيضاً هناك بعض علماء الشيعة أنكر كما يقال المعاد الجسمانيّ ك "ملا صدرا"
الجواب:
لا شكّ في ثبوت المعاد بدليل العقل والنقل، وأنّه من ضروريّات الدّين وأصوله القطعيّة؛ ومن ثمّ فإنّ إنكار أصل المعاد يُعدّ كفراً، والقرآن الكريم صريحٌ في إثبات المعاد الجسمانيّ والروحانيّ معاً، وأنّ النصوص القرآنيّة تقرّر بوضوح عودة الإنسان ببدنه وروحه معاً، ومن ذلك ما ورد في مقام الردّ على من استبعد إحياء العظام، حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79]، ويقول سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4]، وفيهما دلالةٌ واضحةٌ على إعادة البدن بنظامه الدقيق كما كان.
وتشهد آياتٌ أخرى على أنّ الإنسان يوم القيامة يُبعث من قبره ويُساق إلى موقف الحساب، قال تعالى:﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾[العاديات: 9]، وقال سبحانه:﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾[يس: 51]، وهذه النصوص تُقرّر بوضوح أنّ البعث يتمّ من القبور، أي من الأجساد التي تضمّها الأرض.
وقد يثبت القرآن إمكان المعاد الجسمانيّ من خلال الإشارة إلى حوادث واقعةٍ في الدنيا، كما في قصّة عزير (عليه السلام) حين أماته الله مائة عام ثم بعثه، أو في ما طلبه إبراهيم (عليه السلام) من رؤية كيفية إحياء الموتى، وهذه الوقائع مع أمثالها من قصص إحياء الموتى، أو من قبيل أصحاب الكهف، تدلّ على أنّ الحياة الثانية تكون للإنسان مع هذا الجسد المادّيّ نفسه.
وأمّا الروايات فكثيرةٌ في المقام لم نذكرها اجتناباً عن الإطالة.
ومن هنا، فإنّ الشيخ الرئيس، بعد أنْ أثبت المعاد الروحانيّ بالدليل العقليّ، ولكنَّه لم يستطع إثبات المعاد الجسمانيّ بنفس الطريقة العقليّة، ومع ذلك، فقد أقرّ بوجود المعاد الجسمانيّ بناءً على التسليم بما ورد في الشرع، والاعتماد على التصديق بالنبوّة، دون القدرة على إدراك كيفيته بالعقل، وقد صرّح قائلاً: (نوعٌ من المعاد مقبولٌ في الشريعة الإسلاميّة، لكن لا سبيل إلى إثباته إلّا من خلال الشريعة وتصديق النبوّة، وهو المعاد الجسمانيّ) [إلهيّات الشفاء ج2 ص544].
وقد أقرّه على ذلك المحقّق اللاهيجيّ الفيلسوف قائلاً: (مذهب المحقّقين من المتكلمين هو القول بالمعاد الجسمانيّ والروحانيّ معاً، وكذلك ذهب إليه حكماء الإسلام، بل جميع الحكماء الإلهيّين أيضاً قائلون بالمعادين جميعاً، لكنهّم في المعاد الجسمانيّ مقلّدون، يكتفون بتصديق الأنبياء، ولا يستطيعون إثباته استقلالاً بالعقل) [كوهر مراد ص628].
فلا يبقى مجالٌ للشكّ بعد عرض هذه النصوص وإقرار كبار الفلاسفة، بأنَّ المعاد الجسمانيّ أمرٌ ثابتٌ في العقيدة الإسلاميّة، ومنكره يكون كافراً.
أمّا ما نسب إلى ملا صدرا أو بعض علماء الشيعة من إنكارٍ للمعاد الجسمانيّ، ففي غير محلّه، فملا صدرا، لم يكن منكراً للمعاد الجسمانيّ، وقد صرّح في مواضع متعدّدة من كتبه بقبوله ذلك فقال: (وإن كان قد قيل إنَّ المعاد العينيّ يتمّ بعودة الروح إلى بدنٍ مماثلٍ لهذا البدن الدنيويّ، لا إلى عين ذلك البدن، وقد تبنّى هذا القول جمعٌ من العلماء، منهم الغزاليّ... إلّا أنني لا أرى هذا القول صحيحاً، وقد بيّنت ذلك في مواضع متعدّدة من كتبي، حيث ذكرت أنَّ المعاد عندنا هو أن هذا الشخص، كـ(زيدٍ) مثلاً، يعود بعين صورته ووجهه، وبعين يده وأعضائه، وبجميع خصائصه وتفاصيله، من غير أيّ اختلاف أو تبديل).
كما قال صراحةً: (الحق في مسألة المعاد أنَّ هذا الشخص نفسه، بعينه، يُبعث يوم القيامة بنفسه وبدنه، بحيث إذا رآه أحدٌ قال: هذا هو نفس الشخص الذي رأيته في الدنيا، رغم ما مرّ عليه من تحولات، إلا أن عينيّة بدنه تبقى محفوظة) [ينظر: تفسير سورة يس ج5 ص79-80، الأسفار الأربعة ج9 ص166، شواهد الربوبيّة ص266-267].
وقال السيّد الخمينيّ في شرحه لكلام ملا صدرا: (قول الآخوند [يعني ملا صدرا] هو أنَّ المعاد يكون روحانيّاً وجسمانيّاً معاً، وأنَّ الإنسان يُبعث يوم القيامة بعين ذلك الجسد الذي كان له في عالم الطبيعة، بجميع خصوصياته وحيثياته وجهاته، من دون أدنى تفاوت، ولا على نحو المماثلة أو الشبه، بل بعين العينيّة، أي أنّ المعاد والحشر يتمّان بنفس الجسد الحقيقيّ الذي عاش به في الدنيا) [ينظر: تقريرات فلسفة ج3 ص523].
نعم، إنّه يرى أنّ المعاد يتمّ بواسطة (الجسم المثاليّ) كما عبّر عنه، وهذا لا يعني إنكاره للمعاد الجسمانيّ، بل هو تأويلٌ وتفسيرٌ خاصٌ لمفهوم (الجسم)، فالجسم عنده ليس هو الجسم العنصريّ المادّيّ المعروف، بل هو جسمٌ مثاليٌّ لطيفٌ، يتناسب مع عالم الآخرة، وقد أوضح السيّد الخمينيّ هذا المعنى بعباراتٍ دقيقةٍ، حيث لخّص فكرة ملا صدرا، فمضمون قوله: (إنّ هذا الجسد بعينه، نتيجةً للحركة الجوهريّة، يتكامل ويتحوّل تدريجيّاً حتّى يُصبح على هيئةٍ تتناسب مع عالم الآخرة والقيامة، فيدخل مع النفس إلى المحشر والعالم الأبديّ. فالجسم المادّيّ نفسه، من خلال التحولات الجوهريّة، يكتسب صفاءً ولطافةً تجعله صالحاً لذلك العالم، دون أن يفقد هويته أو عينيّته) [تقريرات فلسفة ج3 ص540-543].
ولسنا في هذا المقام بصدد تحقيق كلامه وتنقيحه، أو مناقشة إمكان الاعتراض عليه، فنكتفي بهذا المقدار.
اترك تعليق