هل يختزل حديث الدار في الودائع، أم يثبت قيادة علي (ع)؟
السؤال: ذكر أحدهم أنَّ دلالة حديث الدار ليست الامامة العظمى، بل سداد الودائع، وقال: (وغاية ما يمكن أنْ يفسَّر به حديث الدار - مع غض النظر عن ضعفه - أنْ يكون مراد النبي (ص): من يطيعني منكم يا بني هاشم، فيكون وصيي عليكم حال غيبتي عنكم وبعد موتي، بدلالة قوله: «يقضي عني دَيْني، ومواعيدي، ويكون خليفتي في أهلي»، وقوله: «ووارثي». فإنَّ المخاطبين هم بنو هاشم، والعرض لمن استجاب للدعوة هو أنْ يكون خليفته فيهم لا على أمة الاستجابة، إذ إنَّ الخطاب لم يكن موجهاً لأبي بكر وخديجة وبلال وزيد وغيرهم ممَّن آمن به؛ وإنما لقرابته الهاشمية. وفِعله (ص) في مواطن معينة من سيرته العطرة قد يصلح شاهداً على هذا المعنى، فإنَّ علياً (رض) لما فاز بالسبق إلى الإيمان على جميع بني هاشم، جعله النبي (ص) وصيَّه عليهم في حياته وبعد مماته، وفيهم من هو أكبر منه سناً، وقرباً من رسول الله (ص) كعمه العباس (رض) الذي تأخّر إسلامه. ومن شواهد هذه الوصاية: استبقاؤه (ص) عليًا (رض) في مكة عند هجرته، ليؤدّي عنه ما كان عنده من ودائع الناس وأماناتهم، واختياره (ص) عليًا (رض) ليبلغ الناس يوم النحر سنة تسع من الهجرة أول سورة براءة (التوبة)..).
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يخطئ هذا القول حين يبدأ بإطلاق حكمٍ عام بأنَّ حديث الدار ضعيف؛ لأنَّ هذا الإطلاق لا يصمد أمام التحقيق الحديثي؛ فالحديث رُوي من عدة طرق عن ابن عبّاس، وجمعها كبار المحدّثين من أهل السنة قبل الشيعة، وقد اعتمد الطبريُّ بعضها في تاريخه، وأوردها ابن الأثير في الكامل، وصرّح ابن أبي الحديد بأنَّها رواية تلقّاها أهل النقل كافة، بينما حكم الحاكم بصحتها، واعتبر الهيثميُّ بعض أسانيدها في درجة رجال الصحيح؛ ولذلك فاختزال الحديث بالضعف إهمالٌ للموروث الحديثيّ الذي تلقاه جمهور العلماء بالقبول.
وللوقوف على ذلك بشيءٍ من التفصيل يمكن الرجوع إلى كتاب (حديث الدار للسيد الميلاني)، مضافاً إلى أنَّ الحديث مقطوعٌ بصحته وتواتره عند الشيعة، وللمركز جوابٌ بعنوان: (هل يصح حديث الدار من طرق العامة؟)، يمكن مراجعته.
كما أنَّ تفسير الحديث بأنه مجرد تعيين لعليٍّ لقضاء الديون والودائع لا ينسجم مع النص المرويّ، ولا مع السياق التاريخيّ، فالنبيُّ (ص) لم يطرح سؤالاً بسيطاً عمَّن يقوم بالأعمال الإداريَّة، بل طرح قضيةً عقديةً تأسيسيَّة حين قال: «أيكم يؤازرني على هذا الأمر فيكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟».
ومصطلح «هذا الأمر» في لغة النبي لا يعني الودائع، بل يعني الدين والرسالة، وهو الاستعمال الذي يتكرّر في مثل قوله: «تبايعوني على هذا الأمر». فالحديث في جوهره متعلق بحمل الرسالة لا بالشؤون المنزليَّة أو الماليَّة.
كما أنَّ لفظ «خليفتي» إذا أُطلق في نصوص النبي (ص) لا يُراد به خادم البيت أو وكيل الأسرة، بل يُراد به القيادة الدينيَّة والسياسيَّة، كما في «خلفائي من بعدي»، فقول النبيّ (ص): «أخي ووصيي وخليفتي» لا يمكن عقلاً ولا لغةً أنْ يُختزل في "سداد ديون وإرجاع أمانات". فهذه الأعمال يقوم بها أيُّ رجلٍ أمين، وليس منطقيّاً أنْ يعرض النبيُّ (ص) القيادة على جميع بني هاشم ليقوم أحدهم فقط بدور موظّف إداريّ!
أما محاولة ربط الحديث ببقاء عليٍّ (ع) في مكّة عند الهجرة لأداء الودائع، فهي قراءةٌ معكوسةٌ للتاريخ؛ لأنَّ الوصاية في حديث الدار كانت في بدء الدعوة، أي قبل الهجرة بقرابة عشر سنوات، بينما أداء الودائع حدثٌ متأخرٌ في أواخر المرحلة المكيَّة، ومن غير المنطقي جعل حدثٍ طارئٍ لاحقٍ أساساً لفهم نصٍ تأسيسيٍّ مبكر.
كما أنَّ أداء الأمانات كان واجباً على أيّ موثوق، ولم يكن محتاجاً إلى إعلانٍ احتفاليٍّ يجمع بني هاشم ويعرض عليهم النبي حمل «الأمر».
والقول إنَّ النبيّ (ص) قصد من حديث الدار خلافة عليّ (ع) على بني هاشم وحدهم، هو تأويلٌ يقطع الحديث عن سياقه الحقيقي، ويتجاهل منطق الدعوة النبويَّة وبنية المجتمع العربي في زمن البعثة، فالنبي (ص) حين دعا «العشيرة الأقربين» بأمرٍ من الله، لم يكن يؤسس لوظيفةٍ داخليَّةٍ محصورةٍ في بيتٍ واحد، بل كان يضع اللبنة الأولى في مشروعٍ عامٍّ يبدأ من الداخل ثم يتجه إلى الخارج، فتعيين النبيّ (ص) لعلي (ع) قائداً ووصياً وخليفة «في هذا الأمر» أمام بني هاشم كان إعلاناً واضحاً عن القائد الذي سيحمل الرسالة بعده، لا تعييناً لوكيلٍ على شؤون العائلة؛ لأنَّ الرسالة التي أُنزلت على النبيّ (ص) ليست رسالة عائليَّة حتّى يحصر وصيّها داخل دائرة النسب، بل هي مشروع أمّة، ومن الطبيعيّ أنْ يبدأ النبيّ (ص) بتثبيت قائد هذا المشروع داخل النواة الأقرب إليه، قبل أن يتجه إلى الملأ كلّه.
كما أنَّ تبليغ سورة براءة دليلٌ آخر على أنَّ الأمر يتجاوز القرابة إلى القيادة؛ فقد كلّف النبيُّ (ص) أبا بكر أوّلاً، ثمّ عزله وقال: «لا يؤدّي عنّي إلَّا رجلٌ منّي». وهذا التعبير في لغة النبيّ (ص) لا يعني مجّرد القرابة، وإنّما يعني الشراكة في حمل الرسالة؛ ولذلك كان التبليغ في أخطر مفاصل الدين موكّلاً إلى عليّ (ع) دون غيره.
وفي المحصلة، إنَّ حديث الدار نصٌّ مبكّرٌ على القيادة الإيمانيَّة والسياسيَّة لعليّ (ع)، لا على إدارة شؤونٍ ماليَّة. ولا توجد أيّ قرينةٍ لغويَّةٍ أو تاريخيَّةٍ تربط الحديث بقضية الودائع.
كما أنَّ كلّ ما تلا ذلك من أحداث السيرة ينسجم مع معنى القيادة، لا مع وظيفة محدودة داخل البيت الهاشمي. فالنبي (ص) لم يجمع قومه ليبحث عمَّن يرتب أماناته، بل جمعهم ليعلن عن أوّل حاملٍ للرسالة بعده.
اترك تعليق