كيف للمهاجرين والأنصار أن يخذلوا السيدة الزهراء (ع)؟

السؤال: أحياناً يجول بصدري الشكّ في موقف المهاجرين والأنصار الذين تحمَّلوا الأذى، وصبروا وجاهدوا مع رسول الله (ص)، كيف لهم أنْ يخذلوا الزهراء (ع) وينكروا حقّ المولى أمير المؤمنين (ع)؟ هل من جوابٍ لهذا الموقف الغريب؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يبدو موقف المهاجرين والأنصار في ترك الزهراء وأمير المؤمنين (عليهما السلام) بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) موقفاً مستغرباً عند النظرة الأولى، خصوصاً مع ما رأوه بأنفسهم من عناية النبيّ (صلى الله عليه وآله) بعليّ (عليه السلام)، وتأكيده ولايته في مناسباتٍ متعدّدةٍ أبرزها الغدير.

إلّا أنّ مراجعة الوقائع التاريخيّة ودراسة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة للعصر الأول تكشف أبعاداً أعمق تفسّر هذه الظاهرة:

أوّلاً: لم يكن جميع الصحابة من المتخاذلين، بل ثبتت مواقف بعض كبارهم في نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) دون أدنى تردّدٍ، ومن أبرزهم: سلمان الفارسيّ، وأبو ذر الغفاريّ، والمقداد بن الأسود، وغيرهم.

هؤلاء الأعلام ممّن أجمع المسلمون على جلالة قدرهم، وسموّ منزلتهم، وقد شكّلوا النواة الأولى التي تمسّكت بالنصّ الشرعيّ ولم تنجرف مع تيار الأحداث، بل إنّ بعضهم خالف أبا بكر وعمر في مواقف معروفةٍ، وتفاصيل تلك الوقائع مذكورة في مواضعها [ينظر: تاريخ الطبريّ ج3 ص209، تاريخ الیعقوبيّ ج2 ص128، العقد الفرید ج4 ص85].

وثانياً: كان المجتمع الإسلاميّ آنذاك حديثَ عهدٍ بالدين، ولم تتكوّن لدى أكثر الداخلين فيه ثقافةٌ دينيّةٌ راسخةٌ تُمكّنهم من تمييز الحقّ بدقّةٍ بين اللحظة واللحظة، فقد دخل كثيرون في الإسلام إمّا طمعاً، أو خوفاً، أو تبعاً للقبيلة، لا عن وعيٍ عقائديّ عميقٍ، ومن هنا ندرك معنى موقف أمير المؤمنين حين قال: «لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة» [نهج البلاغة ص102]؛ إذ كان يدرك أنّ خوض مواجهةٍ مفتوحةٍ في مجتمعٍ غير متهيّئ معرفيّاً سيؤدي إلى انهيار البنية الإسلاميّة الفتيّة، ومن الطبيعيّ أنّ مجتمعاً يفتقر إلى الوعي الدينيّ لا يدرك مكانة عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام)، فيتعامل معهما كأشخاصٍ عاديين، بل قد يترصّد الفرصة للانحراف والخروج عن الدين.

وثالثاً: كان النظام القبليّ العربيّ ذا جذورٍ ضاربةٍ في عمق المجتمع، أقدمَ وأرسخَ من البناء الإسلاميّ نفسه، وهذا النظام لا يُقدّم الشابّ على الشيخ، ولا على شيخ القبيلة أو رؤوس العشائر.

وعليّ (عليه السلام) وإن كان أعلمَ الناس وأفضلهم، إلا أنّ ميزان القبيلة لا يُقاس بهذه المعايير، بل بالسنّ والموقع الاجتماعيّ، وتوازن القوى بين البطون والعشائر؛ لذا كان من الصعب على كثيرٍ من العرب تقبّل انتقال الزعامة السياسيّة مباشرةً إلى شابٍّ في مقتبل عمره قياساً بكبار المهاجرين والأنصار في السنّ، فقد نقل ابن عبّاس أنّ عمر قال له: «ما أظنّ صاحبك إلَّا مظلوما!. فقلتُ في نفسي: واللّه لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فأردد إليه ظلامته. فانتزع يده من يدي، ثمّ مرّ يهمهم ساعةً ثمّ وقف، فلحقته، فقال لي: يا ابن عباس، ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلّا أنّهم استصغروه» [شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص45].

ورابعاً: كما بيّنا سابقاً، فإنّ النظام القبليّ لم يَزُل بدخول العرب في الإسلام، بل بقي عاملاً حاسماً في تشكيل المواقف والولاءات بعد وفاة النبيّ، وكان الإمام عليّ (عليه السلام) في مركز المواجهة خلال المعارك الكبرى كبدرٍ وأُحدٍ والخندق، فقتل كبارَ قريش ورؤوسَ القبائل الذين كانوا يقودون الحرب ضدّ الإسلام، وهذا كلّه أورث في صدور كثيرٍ من أبناء تلك البيوتات حقداً متجذّراً؛ لأنّ ثقافة العرب كانت تقوم على الثأر بوصفه واجباً قبليّاً لا يُتنازل عنه، وقد أشار في دعاء الندبة إلى هذا المعنى بوضوحٍ حينما قال: «أودع قلوبهم أحقاداً بدريّةً وخيبريّةً وحنينيّةً».

وهذا يفسّر لماذا كثيرٌ ممّن لعبوا دوراً في أحداث السقيفة وخذلان الزهراء (عليهما السلام) كانوا من الذين واجهوا المسلمين في تلك المعارك أو هم من أبناء من قُتل فيها، فلم يكونوا مستعدين لتسليم القيادة لمن قتل رؤساءهم، بل كانوا يرضون بأيّ إنسانٍ غيره.

وهذا العامل لم يقتصر أثره على ما جرى بعد وفاة النبيّ، بل امتدّ إلى أحداثٍ لاحقةٍ، وعلى رأسها واقعة الطف؛ إذ قيل صراحةً إنّهم (قاتلوا الحسين بغضاً لأبيه)، ومشهد يزيد في مجلسه وهو يقول: (يا ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا…) يكشف بوضوحٍ أنّ تلك الأحقاد التاريخيّة لم تكن سطحيّةً أو ظرفيّةً.

ومن ثمّ يتبيّن أنّ العامل القبليّ وثقافة الثأر كانا من أهمّ المفاتيح لفهم تخلّي كثيرين عن نصرة الزهراء وأمير المؤمنين، رغم معرفتهم بفضلهما ومكانتهما.

وقد بيّن الأئمّة (عليهم السلام) هذه الحقيقة بوضوحٍ، فقد أوضح الإمام الرضا (عليه السلام) سبب إعراض الناس عنه فقال: «إنّما مالوا عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله؛ لأنّه قد كان قتل من آبائهم، وأجدادهم، وإخوانهم، وأعمامهم، وأخوالهم، وأقربائهم المحادين لله ولرسوله عدداً كثيراً، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم، فلم يحبوا أنْ يتولّى عليهم، ولم يكن في قلوبهم غيره مثل ذلك؛ لأنّه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول الله مثل ما كان له، فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى سواه» [عيون أخبار الرضا ج2 ص87].

وعبد الله بن عمر قال لعليّ (عليه السلام): «كيف تحبّك قريش وقد قتلتَ يوم بدرٍ وأُحُدٍ سبعين رجلاً من عظمائهم؟» [المناقب ج3 ص220]. والإمام السجاد (عليه السلام) نصّ على أنّ سبب نفورهم هو أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل كبارهم وأذلّ بعضهم [ينظر بحار الأنوار ج29 ص482]، وشخصٌ مثل حريز بن عثمان مثلاً كان يصرّح علناً بأنّه يبغض عليّاً (عليه السلام) لأنّه قتل آباءه [ينظر: مختصر تاريخ دمشق ج6 ص276].

هذه الشواهد تكشف أنّ العامل القبَليّ لم يكن طارئاً، بل كان أحد أهمّ محدّدات الاصطفاف السياسيّ بعد النبيّ.

وخامساً: الانقلاب السياسيّ المنظّم الذي وقع بعد وفاة النبيّ – أي حركة السقيفة –، فالجمهور الإسلاميّ كان يَعلم أنّ عليّاً هو صاحب الأمر من بعد الرسول، كما نقلت المصادر القديمة: (كان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر بعد رسول الله) [ينظر: الأخبار الموفّقیات ص580، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص21، تاریخ الیعقوبي ج2 ص124].

لكنّ ما حصل لم يكن انتقالاً طبيعيّاً للسلطة، بل كان تحرّكاً مباغتاً مخطّطاً له مسبقاً، وقع فيه الجمهور في حالة ذهولٍ مفاجئٍ، بينما كانت القيادات التي خطّطت للانقلاب قد جهّزت أدواتها مسبقاً.

وقد استعان المنقلبون بقوى خارجيّةٍ جُلبت إلى المدينة لإسناد الموقف، كما أشار عمر بوضوحٍ حين قال عند رؤية بني أسلم: (ما هو إلّا أنْ رأيتُ أسلم فأيقنتُ بالنصر)، هذه القبيلة زحفت إلى المدينة وملأت طرقاتها، وقد وصف الطبري أنّ الأزقّة ضاقت بهم حتّى ازدحمت للبيعة، فقال: (إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتّى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر) [تاريخ ‏الطبري ج‏3 ص222].

وتصف روايات ابن أبي الحديد مشهدَ العنف الذي مُورس بعد السقيفة بوضوحٍ حيث نقل: (وإذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر، فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل، ومعه عمر، وأبو عبيدة، وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانيّة لا یمرّون بأحدٍ إلّا خبطوه وقدّموه فمدّوا يده، فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى) [شرح نهج البلاغة ج1 ص219].

ومن أخطر ما تكشفه المصادر اعتراف عمر نفسه بأنّهم استعانوا بالمنافقين قائلاً: (نستعين بقوّة المنافق، وإثمه عليه) [مصنّف ابن أبي شيبة ج7 ص269].

وهذا تصريحٌ يكشف طبيعة التحالفات التي خدمت هدف الاستحواذ على السلطة.

وفي المحصّلة، فإنّ عدم نصرة عليّ والزهراء (عليهما السلام) لم يكن نتاج عاملٍ واحدٍ يسيرٍ، بل هو حصيلة تداخل عوامل متعدّدةٍ تراكمت عبر الزمن، فقد اجتمع العامل القبليّ المتجذّر، والأحقاد القديمة الناتجة عن معارك الإسلام الأولى، مع الخوف والطمع وضعف الوعي الدينيّ لدى الداخلين الجدد في الإسلام، ثمّ جاء الانقلاب السياسيّ المباغت وتحريك القوى القبليّة المسلحة واستخدام العنف والإكراه ليفرض واقعاً جديداً على الأرض.

وعليه، فالمشهد الذي يبدو غريباً للوهلة الأولى يصبح مفهوماً عند دراسة هذه العناصر مجتمعةً؛ إذ لم تكن القضية غفلةً جماعيّةً ولا تهاوناً بسيطاً، بل كانت نتيجة منظومةٍ اجتماعيّةٍ وقبليّةٍ وسياسيّةٍ متشابكةٍ أدّت إلى تعطيل المسار الطبيعيّ لخلافة الإمام عليّ، وعدم مؤازرة الزهراء (عليهما السلام) رغم وضوح النصّ واعتراف كثيرٍ من الصحابة بفضلهم ومكانتهم.