هل تنازع بني هاشم على الخلافة يدل على أنّها ليست إلهية؟

السؤال: يا عجباً لقومٍ بنوا دينهم على أصلٍ لو صحَّ لما اختلف عليه أهله، يزعمون للإمامة نصاً جليَّاً وعصمةً إلهيّةً، ثم لا نرى في تاريخ أهل البيت إلا خلافاً ظاهراً وتنازعاً على الأمر؛ فلو كانت الإمامة عهداً معهوداً من واحدٍ إلى واحدٍ بأمر السماء، فكيف نازع العمُّ ابنَ أخيه، وقام الأخ على أخيه، كلٌّ يدّعي الحقّ لنفسه؟ إنّ هذا التناحر في البيت الواحد لهو أبلغ دليلٍ على أنّ الأمر لم يكن وصيةً محدّدةً ولا نصاً مقطوعاً به، بل كان اجتهاداً وطلباً للمُلك، فدعوى العصمة مع هذا الخلاف كدعوى وجود النهار مع الظلام الحالك، وكيف يستقيم الظلّ والعود أعوج؟ إنّما هي دعاوى ما أنزل الله بها من سلطانٍ، ولو كانت حقاً لما احتاجت إلى هذا التمحل، ولما وقع فيها هذا التنازع البيّن.

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الشروع في الجواب، لا بدّ من تقرير أصلٍ منهجيّ، وهو أنّ الإمامة والعصمة قد ثبتا بالدليل العقليّ قبل الدليل النقليّ؛ فالنصّ القرآنيّ إنْ أمكن للبعض تأويله بغير حقّ، فإنّ الدليل العقليّ القطعيّ لا يقبل التأويل، وهو الحاكم في باب إثبات لزوم العصمة للإمام.

والأدلّة العقليّة على العصمة كثيرةٌ، ولسنا الآن في مقام استقصائها، بل نشير إلى أبرز الوجوه الدالّة على العصمة بالاختصار:

1ـ الإمام حافظٌ للشريعة، ووظيفته صيانة الدين من الزيادة والنقصان، وما لم يكن معصوماً لم يُؤمَن منه الخطأ والتحريف، فيلزم منه اختلال الغاية التي نُصّب لأجلها.

2ـ الإمام قيّمٌ على سياسة الأمّة وإقامة العدل، ومنصبٌ كهذا يقتضي العصمة؛ إذ لو جاز عليه الظلم أو سوء التقدير أو الجور في الحدود والتعزيرات لانتقض الغرض من جعله قائداً ومرجعاً.

3ـ الإمام في رتبة النبيّ من حيث الوظائف الإلهيّة (عدا مقام تلقّي الوحي التشريعيّ)، ومن ثبتت العصمة للنبيّ ببرهان العقل ثبتت للإمام أيضاً؛ إذ كلا المنصبين من نصب الله تعالى، ولا يجوز عقلاً أنْ يبعث الله غير المعصوم نبيّاً، كما لا يجوز أنْ ينصب غير المعصوم إماماً؛ لأنّ ذلك قبيحٌ عقلاً، والقبيح لا يصدر من الحكيم تعالى.

4ـ الإمام لو جاز عليه الخطأ لاحتاج إلى مرشدٍ آخر يصوّب خطأه، فيلزم التسلسل أو الدور، وكلاهما باطلٌ، فتعين القول بوجوب عصمته ابتداءً.

وكذلك أصل الإمامة فإنّ إثباتها يقوم أوّلاً على الدليل العقليّ، قبل أنْ يُستند إلى الدليل النقليّ، ثمّ يأتي النقل ليؤكّد ذلك بما ورد فيه من آياتٍ صريحةٍ ورواياتٍ متواترةٍ عديدةٍ، ومن هذه الجهة الإمامة ليست موضعاً للنقاش أو محلّاً للجدل؛ إذ إنّ العقل يقرّ بضرورتها، والنصوص الشرعيّة تثبتها وتؤيّدها، وبناءً على هذه المقدّمات يتّضح أنّ أصل العصمة والإمامة لا يقوم على روايةٍ قابلةٍ للتأويل، بل يرتكز على برهانٍ عقليّ قطعيّ لا ينفذ إليه الاحتمال، وهذا البرهان هو الأساس الذي تُشيّد عليه بقيّة الأدلّة النقليّة من آياتٍ ورواياتٍ، وحينئذٍ فإنّ أي إشكالٍ يُثار فإنّه يتوقّف عند العقل، إذ يظلّ الدليل العقليّ هو الحاكم والمرجع النهائيّ في إثبات أصل العصمة والإمامة.

ومن هنا يتبيّن ضعف ما طرحه المستشكل، وأنّه قائمٌ على مغالطاتٍ واضحةٍ لا تصمد أمام التحقيق:

أوّلاً: إنّ تصويره وجود اختلافٍ واسعٍ وعامٍّ داخل بيت الأئمّة تصويرٌ مبالغ فيه، ومبنيّ على مغالطة التهويل؛ إذ إنّ المخالفين المعروفين، من الإخوة أو العمّ وأبناء العمّ أو غيرهم، عددهم محدودٌ جدّاً، لا يتجاوز أصابع اليد، فالتصوير على أنّ الخلاف كان عاماً وشاملاً هو مبالغة لا أساس لها وليس إلاّ تضخيماً غير مطابقٍ للواقع، مثل أنْ يدّعي بأنّ ((أهل المدينة كلّهم خرجوا على واليهم)) لمجرّد أنّ خمسة أشخاصٍ اعترضوا عليه.

وثانياً: إنّ اختلاف بعض الأقارب مع صاحب منصبٍ إلهيّ لا يدلّ على بطلان منصبه أو عدم وجود نصّ، وهذا ما يغفل عنه المستشكل حين يبني اعتراضه على مغالطة القياس الفاسد، أو مغالطة السبب الكاذب، فهو يفترض خطأً أنّ (وجود المعصية والمخالفة) يستلزم بالضرورة (عدم وجود الأمر أو النصّ)، فإنّ مخالفة الحقّ والحسد على المنصب الإلهيّ ليست سابقةً جديدةً؛ فقد قصّ علينا القرآن الكريم ما فعله إخوة يوسف وهم أبناء نبيّ بأخيهم حسداً، مع علمهم بفضله، وكيف خالف ابن نوحٍ أباه. فهل عصيانهم ينفي نبوّة آبائهم أو مقام يوسف؟ بالطبع لا.

ويؤيّده التاريخ، حيث ينقل لنا إقرار المخالفين أنفسهم بدوافعهم الشخصيّة، كما نُقل عن عبد الله الأفطح (أخو الإمام الكاظم) الذي نازع أخاه، معللاً ذلك بالحسد ومشابهاً فعله بفعل إخوة يوسف، وهذا يؤكّد أنّ المحرّك كان الهوى لا غياب النصّ. [ينظر: مناقب آل أبي طالب ج4 ص321].

فمجرّد وقوع الاختلاف في البيت لا يدلّ على عدم وجود نصّ تماماً، كما أنّ عصيان ابن النبيّ لا يدلّ على عدم نبوّة أبيه، فإنّ قول المستشكل بأنّ (التناحر داخل البيت دليلٌ على أنّ الإمامة لم تكن وصيّةً محدّدةً، بل كانت طلباً للملك) هو انتقال غير مبرّرٍ من مقدّمةٍ جزئيّةٍ إلى نتيجةٍ كلّيةٍ، و قياسٌ فاسدٌ؛ إذ يفترض خصومةً سياسيّةً أو غيره من الأسباب ليجعلها دليلاً على نفي النصّ، مثل من يقول: (إنّ وجود خلافٍ بين الورثة دليلٌ على أنّ الميّت لم يكتب وصيّةً)، أو مثلاً: لنفترض أنّ مشرّعاً سنّ قانوناً للمرور ينصّ على وجوب التوقّف عند الإشارة الحمراء، فجاء سائقٌ قطع الإشارة بدافعٍ من الدوافع، فمنطق المستشكل يشبه القول: بما أنّ هذا السائق خالف النظام ، فهذا دليلٌ على أنّ قانون المرور غير موجودٍ أصلاً أو أنّه غير مكتوبٍ بوضوحٍ!

بينما المنطق السليم يقرّر أنّ القانون موجودٌ ونصّه واضحٌ، وأنّ فعل السائق لا يعدو أنْ يكون مخالفةً شخصيّةً لا تنفي وجود القانون.

وبالقياس على ذلك، فإنّ الإمامة منصوصةٌ ومحددّةٌ، ومنازعة بعض الناس لأهلها ليست دليلاً على غياب النصّ أو عدم وضوحه، بل هي مجرّد مخالفةٍ له بدافعٍ دنيويّ، كما يخالف المتهوّر قانوناً صريحاً دون أنْ يمسّ ذلك أصل وجوده.

وفي المحصّلة: أنّ اختلاف بعض أفراد العائلة، وهو أمرٌ طبيعيّ في كلّ المناصب الكبيرة، لا علاقة له بثبوت الإمامة والعصمة، ولا يصلح دليلاً على نفي النصّ، بل غاية ما يكشفه هو ابتلاء الإنسان بالحسد والضعف والهوى، وهو أمرٌ تحدّث عنه القرآن في قصص الأنبياء أنفسهم.