هل الزكاة نظام اقتصادي أم مجرد عاطفة؟
السؤال: في المنطق الدينيّ، الفقر يُعالج بالزكاة والصدقة، لكنَّ الزكاة لا تُنظّم توزيع الثروة، ولا تُنشئ فرص عملٍ، بل تُسكِت ضمير الغنيّ مؤقتًا وتبقي الفقير في مكانه. الاقتصاد الحديث يرى أنَّ الحلَّ في الضرائب، التعليم، البنية الإنتاجيَّة، بينما الزكاة أشبه بمسكنٍ روحيّ لا يعالج أصل المرض، الإلحاد يرى فيها عاطفةً بلا تخطيطٍ، وكرمٍ بلا نظامٍ.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أول ما ينبغي توضيحه أنَّ الزكاة في المنطق الدينيّ ليست مشروعاً بديلاً عن الاقتصاد، ولا نزعم أصلاً أنَّها تقوم مقام التخطيط الإنتاجيّ أو السياسات التعليميَّة أو البنية التحتيَّة، هذا الافتراض هو إسقاطٌ من خارج المنظومة، ثم محاكمتها على أساسه، فالزكاة لا تُطرح بوصفها الحلَّ الوحيد للفقر، بل بوصفها آليةً إلزاميَّةً لإعادة تدوير الثروة داخل المجتمع، تمنع تكلّس المال، وتكسر دورة الاحتكار، وتعيد ربط الثروة بوظيفتها الاجتماعيَّة. إنَّ المقارنة بين الزكاة والضرائب تصبح مقارنةً مضلِّلةً حين تُقدَّم على أنَّها مواجهةٌ بين بديلين متكافئين.
فالزكاة في التجربة الإسلاميَّة لم تُطرح يوماً كأداةٍ ماليَّةٍ معزولةٍ، بل كجزءٍ من منظومةٍ اقتصاديَّةٍ متكاملةٍ تقوم على تحريم الربا، وتشجيع العمل والإنتاج، وحماية السوق من الاحتكار، وضبط الملكيات العامَّة، إلى جانب وجود بيت المال الذي يتدخل لمعالجة الأزمات والاختلالات الاجتماعيَّة. ومن ثمّ فإنَّ عزل الزكاة عن هذا السياق الكليّ، ثم اتهامها بالعجز عن معالجة الفقر، لا يعبّر عن نقدٍ علميّ بقدر ما يشبه فصل عضوٍ عن جسدٍ حيٍّ، ثم لومه لأنه لم يعد قادراً على أداء وظيفته منفرداً. والقول بأنَّ الزكاة لا تنظّم توزيع الثروة يتجاهل حقيقةً أساسيَّةً، وهي أنَّ أيَّ نظامٍ للتوزيع لا يعمل بمعزلٍ عن البنية القيميَّة التي يستند إليها.
فالضرائب في الاقتصاد الحديث لا تؤدي وظيفتها لأنَّها مجرد أرقامٍ أو نسبٍ ماليَّةٍ، بل لأنَّها تقوم على سلطة الدولة، وعلى قدرٍ من القبول الاجتماعيّ، وعلى تصورٍ محدّدٍ للعدالة وتحمّل المسؤوليَّة. أما الزكاة، فإنَّها تعمل ضمن منظومةٍ مختلفةٍ جذريّاً، ترى المال أمانةً لا ملكيةً مطلقةً، وتتعامل مع الفقر بوصفه مسؤوليَّةً اجتماعيَّةً لا فشلاً فردياً.
وهذا التحول في النظرة إلى المال والإنسان هو بحدّ ذاته الأساس الحقيقيّ لأيِّ تنظيمٍ عادلٍ لتوزيع الثروة، لا مجرد إجراءٍ محاسبيّ أو تقنيَّةٍ ماليَّةٍ معزولةٍ، أما القول إنَّ الزكاة "تسكين لضمير الغنيّ"، فهو يقوم على إسقاطٍ نفسيٍّ لا على تحليلٍ فقهيّ أو اقتصاديّ. والزكاة في المنطق الدينيّ ليست فعلاً وجدانيّاً يُمارَس لإراحة الضمير، بل تكليفٌ شرعيّ واجبٌ، يترتب في ذمة المكلّف بوصفه حقاً ثابتاً للفقراء في ماله، لا منّةً ولا إحساناً.
ومن هنا فإنَّ الغنيَّ لا «يتفضل» بالزكاة حتى يقال إنَّه يسكّن ضميره، بل يؤدّي حقاً مفروضاً عليه، تماماً كما يؤدّي أيَّ التزامٍ ماليٍّ واجبٍ، ولو كانت الزكاة مجرّد آليةٍ نفسيَّةٍ لتهدئة الشعور بالذنب، لما فُرّق بينها وبين الصدقة، ولما شُدّد في ذمّ مانعها، ولما عُدّ حبسها ظلماً وعدواناً على حق الغير.
إنَّ الذي يسكّن الضمير هو العطاء الاختياريّ غير الملزم، أما الزكاة فهي نقلٌ للمال من حيز الملكية الفرديَّة إلى حيز الحق الاجتماعيّ، سواء ارتاح الضمير أم لم يرتح.
أما القول إنَّ الاقتصاد الحديث «يرى الحلَّ في الضرائب والتعليم والبنية الإنتاجيَّة»، فهو صحيحٌ جزئياً، لكنَّه ليس حُجّةً ضد الزكاة، بل حُجّةً ضد قراءةٍ دينيَّةٍ مبتورةٍ. فالتعليم والعمل والإنتاج ليست غريبةً عن المنطق الدينيّ، بل هي من صلبه. الفرق أنَّ الدين لا يرى الفقر مشكلةً تقنيَّةً فقط، بل مشكلةً أخلاقيَّةً وبنيويَّةً في آنٍ واحدٍ. الاقتصاد الحديث يعالج الفقر غالباً بعد وقوعه، بينما المنطق الدينيّ يسعى إلى منع تشكّله أصلاً عبر كبح تراكم الثروة غير المنتج، وربط المال بالمسؤوليَّة.
أما وصف الإلحاد للزكاة بأنَّها «عاطفةٌ بلا تخطيطٍ، وكرمٌ بلا نظامٍ»، فليس حكماً اقتصادياً بقدر ما هو تعبيرٌ عن رؤيةٍ تختزل الإنسان في بعده الماديّ، وتتعامل معه بوصفه وحدة إنتاجٍ واستهلاكٍ لا أكثر، فالإشكال هنا لا ينحصر في مدى كفاءة الزكاة الإجرائيَّة، بل في رفضها المبدئيّ لفكرة أنَّ الإنسان كائنٌ أخلاقيّ، وأنَّ العدالة لا تُختزل في المعادلات والأرقام، ومن هنا يتكشف جوهر الخلاف: الدين يرى الاقتصاد جزءاً من منظومةٍ أوسع من القيم والمعنى والمسؤوليَّة، بينما يسعى الإلحاد إلى اقتصادٍ منزوع الأخلاق، تتحول فيه الضرائب إلى أدوات ضغطٍ وقهرٍ، ويتكرس فيه المال بيد نخبٍ ماليَّةٍ متحكمةٍ، وتتسع الفجوات بين أبناء المجتمع، وتغيب فيه العدالة الحقيقيَّة رغم وفرة التخطيط والأنظمة.
في المحصلة، فشل المجتمعات المتدينة في تطبيق هذا التصور لا يُدين الزكاة، بل يُدين الانفصال بين النص والواقع، كما أنَّ نجاح بعض النماذج الحديثة لا يجعلها بديلاً أخلاقياً كاملاً، بل مجرد حلولٍ جزئيَّةٍ داخل منظومةٍ تعاني هي نفسها من أزماتٍ عميقةٍ في العدالة والمعنى.
اترك تعليق