هل الإيمان بالله يغني عن العمل؟
السؤال: شخصٌ يقول: إنَّ الذي يعتقد بوجود الله تعالى، ولا يأتي بالعبادات لا يمكن مساواته بالكافر المنكر لوجود الله سبحانه، فهل هذا صحيحٌ؟ والآيات كلّها تصرح﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾إذ ما فائدة الاعتقاد من دون عملٍ؟ فأردتُ جواباً فيصلاً منكم جزاكم الله تعالى خيراً.
الجواب:
للإجابة بشكلٍ واضحٍ وبسيطٍ لا بدَّ من بيان بعض النقاط:
أوَّلاً: القرآن حين يكرر: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾لا يريد أنْ يقول إنَّ الإيمان بلا عملٍ يساوي العدم، بل يريد أنْ يقول إنَّ الإيمان الذي لا يتحول إلى عملٍ، ناقصٌ لم يكتمل بعدُ. فذكر العمل ليس لتعريف أصل الإيمان، بل لتعريف ثمرته الطبيعيَّة.
وثانياً: فرَّق القرآن بين حالتين: بين من كذَّب بالله، وبين من آمن ثم عصى أو قصَّر، فالأول قطع علاقته بالحقيقة، والثاني اعترف بالحقيقة لكنَّه لم ينسجم معها، والفرق بينهما هائلٌ حتى لو اشتركا في الذنب عملياً، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]، فما دون الشرك والكفر بالله داخلٌ في المغفرة؛ لأنه داخلٌ في دائرة الإيمان، ولو كان مرتكب الكبيرة مساوياً للكافر لما صحَّ التفريق.
فالإيمان يخلق اتصالاً بالله حتى لو كان ضعيفاً، بينما الكفر يقطع الاتصال من أصله؛ ولذلك القرآن يجعل أحدهما قابلاً للرجوع، والآخر محتاجاً لتأسيسٍ جديدٍ، فالأول يُدعى للتوبة، والثاني يُدعى أولاً للإيمان، يقول تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102].
وثالثاً: لا يصحّ أنْ يُفهم هذا التفريق على طريقة المرجّئة الذين حوَّلوا الإيمان إلى مجرَّد تصديقٍ ذهنيٍّ لا يضرُّه ترك العمل. فالقرآن حين فرَّق بين من كذَّب بالله، ومن آمن وعصى، لم يكن بصدد إعطاء صكِّ أمانٍ للعصيان، ولا جعل الاعتقاد بديلاً عن الطاعة، بل كان يحفظ حقيقةً أخرى: أنَّ العلاقة بالله لا تزول بكلِّ معصيةٍ، لكنها أيضاً لا تبقى حيَّةً بلا استجابةٍ، فالإيمان في المنطق القرآنيّ ليس فكرةً مجرَّدةً تُخزَّن في الذهن، بل التزامٌ يطلب التحقّق، واتجاهٌ يطلب السير؛ ولذلك لم يمدح القرآن إيماناً بلا أثرٍ، بل وصفه دائماً بالنقص والمرض والفسق، وجعل العمل علامته الطبيعيَّة وثمرته المتوقعة.
فالفرق بين المؤمن العاصي والكافر، ليس أنَّ الأول ناجٍ لمجرد اعتقاده، بل أنَّ باب التحوّل فيه ما زال مفتوحاً، وأنَّه يعيش تناقضاً بين ما يراه حقاً وما يفعله، وهذا التناقض نفسه هو الذي يدفعه نحو التوبة والكمال، أمّا تحويل الاعتقاد إلى غايةٍ مكتفيةٍ بذاتها، فذلك إلغاءٌ لفلسفة التكليف كلّها، وجعل الدين معرفةً لا مساراً، وهو فهمٌ لم يقرّه القرآن ولا سيرة الأنبياء.
اترك تعليق