هل يستحيل عقلا كثرة الأنبياء (ع) وعصمتهم؟

السؤال: هل يمكن عقلاً تصوُّر وجود مائةٍ وأربعةٍ وعشرين ألف نبيٍّ أرسلهم الله معصومين بالعصمة التي يراها الشيعة من حيث عدم الخطأ والسهو والنسيان؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

ظاهر السؤال يُشير إلى وجود اشتباهٍ أو خلطٍ بين الإمكان العقليّ والاستبعاد النفسيّ، وبين طبيعة العصمة وتصوُّر الإنسان لها، ولتوضيح ذلك سنشير إلى عدَّة نقاطٍ.

أوَّلاً: من جهة الإمكان العقليّ: العقل لا يحكم على أمرٍ بالاستحالة إذا لم ينتهِ إلى اجتماع المتناقضين، وفي هذه المسألة لا يوجد أيُّ استحالةٍ عقليَّةٍ في أنْ يبعث الله عدداً كبيراً من الأنبياء، ولا في أنْ يكونوا معصومين. فالعقل لا يضع سقفاً لعدد مَن يختارهم الله، كما لا يرى تناقضاً في أنْ يهيِّئ الله بشراً لوظيفةٍ مخصوصةٍ ويمنحهم من الصفات ما ينسجم مع هذه الوظيفة. فالاستغراب من العدد (124 ألف) ليس دليلاً على الاستحالة، بل هو مجرَّد شعورٍ ناشئٍ من محدوديَّة ما ألفه الإنسانُ.

وثانياً: العصمة ليست حالةً غريبةً عن منطق التكليف، بل هي مقتضى الوظيفة نفسها. فالنبيُّ ليس إنساناً عاديّاً يُترك ليخطئ في تبليغ الدين، بل هو واسطةٌ بين الخالق والناس، فإذا جاز عليه الخطأ أو السهو أو النسيان في هذا المجال، انهدم أساس الثقة بالرسالة كلِّها، فالعصمة هنا ليست امتيازاً ترفيّاً، بل ضرورةٌ وظيفيَّةٌ لضمان وصول الدين صافياً.

وثالثاً: قد يكون هناك توهُّمٌ في ذهن السائل بكون العصمة تعني سلباً للإنسانيَّة، بينما هي في الحقيقة كمالٌ في الوعي والإرادة. فالنبيُّ لا يُجبر على الطاعة، بل يملك من المعرفة بالله ومن صفاء النفس ما يجعله لا يختار الخطأ. كما أنَّ الإنسان قد يصل في بعض الأمور إلى درجةٍ من اليقين تجعله لا يتردد ولا يخطئ، فكيف بمن اصطفاه الله وربَّاه على عينه؟

ورابعاً: القول بكثرة الأنبياء لا ينافي الواقع الإنسانيَّ، بل ينسجم معه. فالبشريَّة ممتدةٌ عبر آلاف السنين، وفي بقاعٍ متعدِّدةٍ، ومن الطبيعيّ أنْ تتكرر الهداية الإلهيَّة بحسب الأزمنة والأمكنة. بل إنَّ قلَّة الأنبياء هي التي تحتاج إلى تفسيرٍ، لا كثرتهم، إذا أخذنا بعين الاعتبار اتساع التاريخ البشريّ وتنوُّع المجتمعات.

فمن حيث القياس العقليّ البسيط: إذا كان العقل يقبل بوجود آلاف العلماء أو القادة المتميِّزين في التاريخ، فلماذا يستكثر وجود عددٍ كبيرٍ من المصطفين إلهيّاً؟ الفرق فقط أنَّ مصدر الاختيار هنا إلهيٌّ، لا بشريٌّ.

وفي المحصَّلة، لا يوجد أيُّ مانعٍ عقليٍّ من كثرة الأنبياء ولا من عصمتهم، بل إنَّ العصمة تنسجم مع طبيعة مهمتهم، وكثرة الأنبياء تنسجم مع اتساع البشريَّة.. والحمد لله ربِّ العالمين.