لماذا توقفت الفتوحات في زمن أمير المؤمنين (ع)؟
السؤال: من سيئات عهد عليٍّ توقف الفتوحات، واجه عليٌّ تحدياتٍ عسكريَّةً أدَّت إلى العديد من الإخفاقات، وتوقف الفتوحات الإسلاميَّة تماماً. ولم يتم استئناف الفتوحات إلَّا بعد أنْ اجتمعت الأمَّة لمعاوية بن أبي سفيان، علماً بأنَّ أبا بكرٍ واجهته تحدياتٌ عسكريَّةٌ أصعب بكثيرٍ ممَّا واجه عليٌّ واستطاع أبو بكرٍ التغلب عليها.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
حاول السائل الطعن بالإمام عليٍّ (عليه السلام) بنَفَسٍ تيميٍّ ناصبيٍّ يدلُّ على خبثٍ ونصبٍ. ظنَّ الرجل أنَّ القيام بالفتوحات هو دليل الحقِّ والأفضليَّة والرفعة، لهذا فهو يرى أنَّ معاوية أفضل من الإمام عليٍّ (ع)، وهذا لم يقل به أحدٌ من أهل السنَّة، إلَّا مَنْ في عقله لوثةٌ وفي قلبه نصبٌ لأهل بيت النبوَّة (ع).
لا شكَّ أنَّ الفتوحات بما هي ليست هي معيار الأفضليَّة والحقِّ، وإلا للزم هذا السائل أنْ يزعم أفضليَّة الشيخين على النبيِّ (صلى الله عليه وآله)، حيث لم تكن في زمانه فتوحاتٌ، وإنَّما أرسل رسائل لحكَّام زمانه يدعوهم للإسلام، وللزم السائل القول إنَّ بريطانيا العظمى كانت على الحقِّ؛ لكثرة عدد الدول التي احتلتها حتَّى صارت لا تغيب عنها الشمس.
فإنْ قال: إنَّ الظرف في زمن النبيِّ (ص) لم يسمح بالتوسّع، خاصَّةً مع وفاته (ص). فليقبل جواب الشيعة: بأنَّ الإمام عليَّاً (ع) واجه ظروفاً خاصَّةً منعته من إرسال جيشه لفتح البلدان، إذ ما إنْ استلم الحكم حتَّى واجه فتناً داخليَّةً وحروباً ثلاثةً، أشعلها السلف من هذه الأمَّة.
ثمَّ إنَّ فترة حكم الإمام عليٍّ (ع) كانت حوالي خمس سنواتٍ، قضاها في معالجة الفتن الداخليَّة بمقاتلة الناكثين والقاسطين والمارقين، وهذه المدة غير كافيةٍ لنشر الإسلام في البلاد الأخرى خاصَّةً مع الانشغالات الداخليَّة.
على أنَّنا نتحفّظ على أغلب تلك الفتوحات التي جرت في زمن الخلفاء ومعاوية وبني أمية، فأهدافها كانت توسعيَّةً للسيطرة على خيرات تلك البلاد وما فيها من مالٍ ونساءٍ، اتّخذوهنَّ جواريَ يستمتعون بهنَّ، وقد نتج عنها مصائب وبلايا.
إنَّ الإسلام ينتشر بين الشعوب بالحوار والمنطق والأخلاق الحسنة التي يعكسها المسلم الملتزم، وأمَّا السلوك الذي انتهجه الخلفاء وقوَّاد الجيوش الفسقة في الفتوحات فقد خلقت الكثير من المنافقين الذين تستروا بالإسلام، وهم في حقيقتهم كافرون حاقدون على الإسلام؛ نظراً لما فعله الحكَّام ببلدانهم وشعوبهم، وفي أقرب فرصةٍ تسنح لهم سينقلبون ويعودون إلى اعتقاداتهم القديمة مهاجمين الإسلام بمختلف الوسائل.
أمَّا قول السائل: إنَّ أبا بكرٍ واجهته تحدياتٌ عسكريَّةٌ أصعب بكثيرٍ ممَّا واجهه عليٌّ (ع)، واستطاع أبو بكرٍ التغلب عليها.
فهو وهمٌ وغلطٌ، ففي عهد أبي بكرٍ ارتدت بعض قبائل العرب، فوجَّه الخليفة جيش المسلمين لقمعهم وإنهاء تمردهم، وهذا الجيش كان قوامه الصحابة. أما في عهد الإمام عليٍّ (ع)، فقد تمرَّد عليه الصحابة أنفسهم وعلى رأسهم زوجة النبيِّ (ص)، وحاربوه، وتعاطف معهم الكثيرون؛ نظراً لمكانة الثائرين في المجتمع آنذاك، فحصل انشقاقٌ كبيرٌ داخل الصفِّ الإسلاميِّ، وقُتِل في موقعة الجمل قرابة ثلاثين ألفاً من الطرفين، وكان معاوية آنذاك يترقب ويتربص حتَّى جاء بجيش الشام، وكانت وقعة صفين التي قُتِل بها الآلاف أيضاً من الطرفين، ثمَّ انشق الخوارج عن جيش الإمام عليٍّ (ع) وقاتلهم.
بعد هذا البيان، سيلاحظ المنصف غلط المقارنة التي أجراها السائل الناصبيُّ بين عهد أبي بكرٍ وعهد الإمام عليٍّ (ع)، وصعوبة الفترة التي واجهها الإمام (ع) والفتن التي حدثت في زمانه.
فإنْ أصرَّ السائل وعاند، فيلزمه تفضيل الخليفة الأمويِّ عبد الملك بن مروان على أبي بكرٍ؛ لكثرة الفتوحات في زمانه، ولفتحه البلاد أكثر ممَّا فعله أبو بكرٍ.
قال السيوطيُّ: (وفي سنة سبع وسبعين: فتحت هرقلة، وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر، وزيد فيه من جهاته الأربع. وفي سنة اثنتين وثمانين: فتح حصن سنان من ناحية المصيصة، وكانت غزوة أرمينية وصنهاجة بالمغرب. وفي سنة ثلاث وثمانين: بنيت مدينة واسط، بناها الحجاج. وفي سنة أربع وثمانين: فتحت المصيصة وأودية من المغرب. وفي سنة خمس وثمانين: بنيت مدينة أردبيل، ومدينة برذعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهليُّ. وفي سنة ست وثمانين: فتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وفيها كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنَّه بدأ في النساء، وفيها مات الخليفة عبد الملك) [تاريخ الخلفاء ص235].
فوفق تفكير السائل يلزمه تفضيل عبد الملك على الخليفة الأوَّل، مع العلم أنَّ الذهبيَّ قال في ترجمته: (عبد الملك بن مروان بن الحكم. أنَّى له العدالة وقد سفك الدماء وفعل الأفاعيل)؟ [ميزان الاعتدال ج2 ص664]. وللمركز جوابٌ مفردٌ في أحوال (عبد الملك بن مروان) يمكن مراجعته.
ينبغي التنبيه هنا إلى أمرٍ، وهو أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان يوجّه النصح قدر الإمكان للخلفاء، من أجل حماية الإسلام والمسلمين، وتقليل الخسائر الماديَّة والمعنويَّة؛ ولهذا فإنَّ الإيجابيَّات التي كانت في تلك الفتوحات إنَّما كانت بفضل سياسات أمير المؤمنين (ع) التي أشار بها على الخلفاء، وقد نجحت بعض الفتوحات بفضل نصائح الإمام عليٍّ (ع)، كما في إشارة الإمام عليٍّ (ع) على الخليفة الثاني بعدم الذهاب وتولي قيادة جيش المسلمين أثناء قتالهم للفرس؛ لمعرفة الإمام (ع) بخلفيَّة الرجل وهروبه المتكرر في المعارك، كما أثبتت ذلك مصادر المسلمين. وللمركز جوابٌ سابقٌ بعنوان: (هروب عمر بن الخطاب من المعارك)، يمكن مراجعته.
وممَّا يؤكّد دور الإمام (ع) في تلك الفتوحات: ما جاء في خطبةٍ له (ع)، إذ قال فيها: «ثمَّ فتح الله عليها الفتوح، فأثرت بعد الفاقة، وتموّلت بعد الجهد والمخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجاً، وثبت في قلوب كثيرٍ منها من الدِّين ما كان مضطرباً، وقالت: لولا أنَّه حقٌّ لما كان كذا، ثمَّ نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قومٍ وخمول آخرين، فكنا نحن ممَّن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته، حتَّى أكل الدهر علينا وشرب، ومضت السنون والأحقاب بما فيها، ومات كثيرٌ ممَّن يعرف، ونشأ كثيرٌ ممَّن لا يعرف..» [شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص299].
ففي هذه الخطبةِ إشارةٌ يفهمها النبيه إلى دوره (ع) في تلك الفتوحات، ونسيان الأمَّة آراءه التي ساهمت في انتصار جيش المسلمين، بل إنَّها نسبت تلك السياسات الناجحة لنفسها، وهو ما يشير له قوله (ع): «ثمَّ نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكّد عند الناس نباهة قومٍ وخمول آخرين، فكنَّا نحن ممَّن خمل ذكره، وخبت ناره، وانقطع صوته وصيته».
ينبغي الإشارة في نهاية جوابنا إلى أنَّ العديد من أصحاب الإمام عليٍّ (ع) قد شاركوا في الفتوحات في زمن الخلفاء الثلاثة، وأسهموا في نجاحها، وبعضهم كانوا قادةً مميزين، لا يسع المجال لتسميتهم وذكر إنجازاتهم، وهؤلاء كانوا تلاميذ الإمام عليٍّ (ع).
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق