اعتبار كتاب (المحاسن) للشيخ البرقي
السؤال: ما مدى اعتبار كتاب المحاسن للبرقيّ؟ وما مدى اعتبار النسخة الواصلة منه إلينا؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب المحاسن هو من تأليف أحمد بن محمَّد بن خالد بن عبد الرحمن بن عليّ البرقيّ، وهو أحد رواة الحديث من الطبقة السابعة، توفي سنة 274هـ أو سنة 280هـ.
وعلى الرغم من كثرة مؤلفات البرقيّ، إلّا أنَّ كتاب (المحاسن) احتلَّ مكانةً خاصَّةً، حيث صار مصدراً رئيسيَّاً استقت منه أمَّات الكتب الحديثيَّة مادَّتها، كالكافي والفقيه والتهذيبين، كما اعتنى به ابن إدريس الحليّ واستطرف جملةً من نصوصه في كتابه السرائر.
وقبل الخوض في البحث حول كتاب (المحاسن)، من المهمِّ التحقيق في حال الشيخ البرقيّ نفسه؛ إذ إنَّه مع ورود التوثيق الصريح بحقِّه من أئمَّة الرجال، كالشيخ الطوسيّ والشيخ النجاشيّ والعلَّامة الحليّ وابن داود [ينظر: فهرست الطوسي ص٦٢، رجال النجاشي ص76، خلاصة الأقوال ص63، رجال ابن داود ص43]، قد يُوجَّه نحوه النقد من جهتين:
الجهة الأولى: الرواية عن الضعفاء واعتماد المراسيل:
قال الشيخ الطوسيّ: (كان ثقةً في نفسه، غير أنَّه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل) [الفهرست ص62]. وقال الشيخ النجاشيّ: (كان ثقةً في نفسه، يروي عن الضعفاء، واعتمد المراسيل) [رجال النجاشي ص76]. وقال ابن الغضائريّ: (طعن عليه القميُّون، وليس الطعن فيه، إنَّما الطعن في مَن يروي عنه، فإنَّه كان لا يبالي عمَّن يأخذ على طريقة أهل الأخبار) [رجال ابن الغضائري ص39].
فقد يقال: إذا كان الراوي يعتمد المراسيل وأمثالها، فكيف يتمَّ الاعتماد عليه؟ إذ يُحتمل في كلِّ حديثٍ يرويه ويعتمده أنْ يكون ضعيفاً أو مرسلاً، وهذا يُسقط الاعتبار عن مرويَّاته، وقد سبَّبت طريقة البرقيّ هذه في الرواية الطعن فيه وإبعاده من قمَّ من قِبل أحمد بن محمَّد بن عيسى.
نقول: إنَّ مجرَّد الرواية عن الضعفاء أو اعتماد المراسيل لا يستلزم بالضرورة ضعف الراوي في نفسه؛ ولهذا نجد نقَّاد الحديث مع تنصيصهم على أنَّ الشيخ البرقيّ يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل نصُّوا أيضاً على وثاقته في نفسه، فهو صادقٌ في لهجته، ضابطٌ لحديثه، فإنْ كان يساور بعض حديثه ضعفاً فهو من جهة بعض مشايخه الضعفاء، لا من جهته هو.
الجهة الثانية: الوقوع في الحيرة:
نقل الشيخ الكلينيّ في كتابه [الكافي ج1 ص526]، تعقيباً على نصٍّ يتضمَّن شهادة الخضر (عليه السلام) بالإمام الثاني عشر أنَّ محمَّد بن يحيى العطَّار قال لمحمَّد بن الحسن الصفَّار: «وددتُ أنَّ هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله (البرقيّ)، فأجابه الصفَّار مدافعاً: لقد حدَّثني قبل الحيرة بعشر سنين».
ومحلُّ البحث فيما ذُكر في ذيل هذه الرواية، حيث تمنَّى محمَّد بن يحيى العطَّار كون الخبر مرويَّاً من غير طريق البرقيّ، وأقرَّه الصفَّار فيما تمنَّى؛ فلذلك أجابه بما ذُكر، فقد يقال: إنَّ هذا يعني وقوع البرقيّ في الحيرة، أي: الحيرة في الدين، أو التغيُّر والاختلاط في آخر عمره، فيكون ذلك طعناً في دينه أو حديثه.
والجواب: أنَّ المراد من الحيرة هو حيرة الناس في الإمامة والغيبة بعد وفاة الإمام العسكريّ (عليه السلام) حتَّى سُمِّي زمان الغيبة بـ (زمان الحيرة) لتحيُّر الناس فيه [ينظر: الفوائد الرجاليَّة لبحر العلوم ج1 ص342]، فلا يكون ذلك قدحاً في البرقيّ.
ولبيان ذلك نقول: إنَّ مراد محمَّد بن يحيى من تمنِّيه أنْ يكون الراوي غير البرقيّ ليس طعناً في صدقه أو دينه، بل رغبةً في أنْ يكون المخبِر بالرواية قد حدَّث بها قبل وقوع "حيرة الإمامة" التي تلت استشهاد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، حيث شكَّك البعض في وجود خلفٍ له، فكان جواب الصفَّار قاطعاً: إنَّ البرقيّ حدَّث بهذا الخبر قبل وقوع الحيرة بعشر سنين، أي قبل ولادة الإمام المهديّ (عجَّل الله فرجه) بخمس سنين، ممَّا يجعل الرواية إخباراً بالمغيبات وإعجازاً يثبت صحَّة مذهب الإماميَّة، لا أنَّها ناتجةٌ عن تأثُّرٍ بظروف الحيرة. وبذلك، يسقط أيُّ توهُّمٍ بالقدح في البرقيّ من هذه الجهة [ينظر: معجم رجال الحديث ج3 ص53].
فلا مجال للاحتمالات الأخرى؛ من الحيرة في الدين، أو التغيُّر والاختلاط، أو غير ذلك؛ إذ إنَّ الشيخ البرقيّ لم يكن شخصاً مغموراً، بل كان من مشاهير الرواة، وخلت سائر المصادر الرجاليَّة والحديثيَّة من ذكر تحيُّره في الدين أو تغيُّره واختلاطه آخر عمره أو ما شابه ذلك، مع أنَّهم ذكروا ذلك في أشخاصٍ آخرين.
ولو سلَّمنا كلَّ ما تقدَّم، فإنَّ لفظ (الحيرة) مجملٌ، ولا مجال للبناء على معنىً منافٍ ومعارضٍ لتنصيص أئمَّة الرجال على وثاقته بصريح الشيخين النجاشيّ والطوسيّ، ويؤيِّده رواية محمَّد بن أحمد الأشعريّ عنه ولم يستثنه القميُّون رغم تشدُّدهم، وكذا إعادته إلى قمَّ من قِبل أحمد بن محمَّد بن عيسى بعد أنْ طرده منها، وكذا المشي في جنازته حافياً حاسراً شهادةً على صدقه وبراءته ممَّا نُسب إليه، ويؤيِّد وثاقته إكثار المعتمدين من المشايخ من الرواية عنه والاعتداد بها [ينظر: تعليقة البهبهانيّ على منهج المقال ص73].
إذا عرفت هذا، فيقع الكلام حول كتاب (المحاسن) عن (مدى اعتباره)، والآخر حول (صحَّة النسخة الواصلة إلينا)، فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوَّل: هل كتاب المحاسن من الكتب التي يمكن التعويل عليها؟
في الحقيقة إنَّ شهرة الكتاب وانتشاره ممَّا لا يمكن إنكاره، وقد شهد بذلك الشيخ الصدوق في مقدِّمة كتابه [الفقيه ج1 ص3]، حين أكَّد على أنَّ مادَّة كتابه مستخرجةٌ من كتبٍ مشهورةٍ عليها المعوَّل وإليها المرجع، ومن هذه الكتب هي كتاب المحاسن، فأصل الكتاب كان معروفاً ومشهوراً.
ولكن قد يُثار هنا إشكالٌ: وهو وقوع الزيادة والنقيصة في الكتاب، بيان ذلك:
تعدُّ قضيَّة "الزيادة والنقيصة" في كتاب المحاسن من المسائل العلميَّة التي استوقفت علماء الرجال؛ نظراً لما قد توهمه هذه العبارة من قدحٍ في دقَّة الكتاب أو سلامة نصوصه من الوضع، فقد ورد في "فهرست" الشيخ الطوسيّ و"رجال" النجاشيّ أنَّ كتاب المحاسن (ممَّا زِيد فيه ونقص). وظاهر هذه العبارة قد يوحي للناظر أوَّل وهلةٍ بوقوع تلاعبٍ في صياغة الروايات أو إقحام أحاديث موضوعة وحذف أخرى معتبرة، ممَّا يُضعف الثقة بالكتاب كمرجعٍ حديثيٍّ.
وفي مقام معالجة هذه الإشكاليَّة يمكن طرح احتمالين للمراد من عبارة الشيخين الطوسيّ والنجاشيّ:
1ـ التلاعب بالروايات: وهو الاحتمال الذي قد يتبادر للذهن في بادئ الأمر، بأنْ يكون هناك إدراجٌ متعمدٌ لرواياتٍ أو إسقاطٌ لرواياتٍ كانت موجودةً أصلاً. وهذا الاحتمال، رغم تبادره إلى الذهن في بادئ النظر، ولكن تُضعفه القرائن الأخرى الآتية.
2ـ التفاوت في عدد الأجزاء والأبواب: يرتبط هذا الاحتمال بطريقة وصول الكتاب للمحقِّقين والرواة. فيُحتمل أنَّ كلَّ راوٍ ذكر من أبواب الكتاب ما وصل إليه وما اشتملت عليه نسخته، فمن وصله عددٌ أكبر اعتُبرت نسخته "زائدة"، ومن قصرت نسخته اعتُبرت "ناقصة"، ويُحتمل أنَّ بعضهم جعل بعض الكتب التي وصلت إليه كتاباً مستقلاً فنقصت الأبواب في كتاب المحاسن، وأمَّا البعض الآخر فقد أدرجها في ضمن كتاب المحاسن فزادت أبوابه، وهذا التباين في حصر الأجزاء هو الذي خلق صورة الزيادة والنقصان، وهذا الاحتمال هو المتعيَّن.
ويشهد لهذا الاحتمال: نفس سياق كلام الشيخ الطوسيّ، حيث ساق الكلام في سياق تعديد الكتب، قائلاً: (وقد زِيد في المحاسن ونقص، فممَّا وقع إليَّ منها: كتاب البلاغ، كتاب التراحم والتعاطف... وزاد محمَّد بن جعفر بن بطَّة على ذلك: كتاب طبقات الرجال، وكتاب الأوائل...) [الفهرست ص62]. ويُستشفّ من عبارة الشيخ النجاشيّ أيضاً، إذ قال: (هذا الفهرست الذي ذكره محمَّد بن جعفر بن بطَّة من كتب المحاسن، وذكر بعض أصحابنا: أنَّ له كُتباً أُخر، منها كتاب التهاني، كتاب التعازي، كتاب أخبار الأمم) [رجال النجاشي ص77].
فالخلاف في كتاب المحاسن إنَّما هو شكليٌّ تنظيميٌّ يعود لجامعي الكتاب وتدفق أجزائه، وليس خللاً في وثاقة ما نُقل فيه من سننٍ وآثارٍ.
وممَّا تقدَّم يتَّضح لك أنَّ كتاب المحاسن من الكتب المعتبرة التي ثبتت وثاقة صاحبها وصحَّة انتساب الكتاب إليه فيمكن الاعتماد على الكتاب وتطبيق القواعد التي يتبنَّاها كلُّ فقيهٍ في استكشاف الوثوق بصدور الرواية.
المقام الثاني: في صحَّة النسخة الواصلة إلينا:
لو سلَّمنا باعتبار أصل الكتاب ولكن قد يقال: إنَّ النسخة المتداولة من كتاب المحاسن لا يمكن الاعتماد عليها؛ لعدم وصولها إلينا بطريقٍ صحيحٍ من مؤلِّفها البرقيّ؟
وبعبارةٍ أخرى: إنَّ كتاب المحاسن كان مشهوراً في عصر الشيخ الصدوق وقد اعتمد عليه في الفقيه، وهذه الشهرة والمعروفيَّة كافيةٌ للتعويل والوثوق بتلك النسخة المتداولة في ذلك العصر، مضافاً إلى تصريح نفس الصدوق في المقدِّمة بأنَّ طرقه إلى هذه المصنَّفات والأصول التي ذكرها معروفةٌ، ولكن الكلام في النسخة الموجودة بأيدينا اليوم وهي النسخة التي وصلت إلى العلَّامة المجلسيّ والحرِّ العامليّ إذ لم تصل لهم هذه النسخة إلَّا بالوجادة [ينظر: بحوث في علم الرجال للمحسني ص425].
ويمكن الجواب على ذلك بعدَّة أجوبةٍ:
منها: التطابق بين ما هو موجودٌ في المصادر المعتبرة القديمة نقلاً عن كتاب المحاسن مع نفس الكتاب إلى درجةٍ يحصل الاطمئنان بصحَّته، فإنَّ كتاب المحاسن مثلاً كان من مصادر الشيخ الكلينيّ في الكافي، والشيخ الصدوق في الفقيه، والشيخ الطوسيّ في التهذيبين، واستطرف جملةً منه ابن إدريس في آخر السرائر، واعتمده أيضاً كلٌّ من الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسيّ في مكارم الأخلاق، فإنَّ ما نقله هؤلاء الأعلام عنه موافقٌ لما هو موجودٌ في النسخة التي وصلتنا [ينظر: قبسات من علم الرجال ج2 ص170].
منها: أنَّ نسخة المتأخِّر هي نفس نسخة المتقدِّم، بل قد تترجَّح نسخة المتأخِّر في بعض الأحيان بمزيدٍ من الضبط والإتقان؛ والوجه في ذلك أنَّ اعتماد المتأخِّرين على تلك الأصول جاء ثمرة فحصٍ وتدقيقٍ لا سيَّما من مثل العَلَمين المجلسيّ والحرِّ العامليّ؛ إذ صرَّح الأخير في فائدته الرابعة بقطعيَّة مصادره وانتفاء الريب عنها، إذ يظهر منه أنَّ التعويل على النسخة الواصلة لم يكن من قبيل الاطمئنان فقط، بل هو بناءٌ جازمٌ على ثبوتها ويقينيَّة نسبتها، وهذا التأصيل الكبرويّ يمكن تطبيقه على نسخة كتاب المحاسن الواصلة إليه. [ينظر: الفوائد الرجاليَّة لبحر العلوم ج4 ص80]
منها: التلفيق في الأسانيد بملاحظة أنَّ للشيخ الطوسيّ طريقاً إلى كتاب المحاسن للبرقيّ كما أشار إليه في [الفهرست ص64]، وصاحب الوسائل له طرقٌ إلى جميع الكتب التي رواها الشيخ الطوسيّ، وقد سجَّل الطرق في آخر الوسائل، فمع ضمِّ طريق صاحب الوسائل إلى الشيخ الطوسيّ، وطريق الشيخ الطوسيّ إلى كتاب المحاسن يثبت لنا طريق الحرِّ إلى البرقيّ. ولكن، هذا يتوقَّف على إبراز قرائن على أنَّ هذا الطريق المذكور إنَّما هو لنفس النسخة لا أصل الكتاب.
منها: معروفيَّة الكتاب وشهرته، ويظهر ذلك ممَّا ذكره العلَّامة المجلسيّ في الفصل الثاني من [بحار الأنوار ج1 ص27]، حيث أفاد أنَّ أكثر الكتب التي اعتمدنا عليها في النقل مشهورةٌ معلومة الانتساب إلى مؤلِّفيها، وذكر في ضمن ذلك كتاب المحاسن حيث صرَّح وقال: (وكتاب المحاسن للبرقيّ من الأصول المعتبرة)، وشهرة هذا الكتاب ومعروفيَّته ينفيان عنه مظنَّة تحريف نسخته؛ إذ يغدو النصُّ بموجب هذه الشهرة مكشوفاً أمام أيِّ محاولة تحريفٍ.
وممَّا تقدَّم يتبيَّن أنَّ كلاًّ من الأدلَّة المذكورة يمكن أنْ ينهض -منفرداً -في إثبات صحَّة النسخة، ولو فرضنا ضعف أحدها فإنَّ اجتماع الأدلَّة معاً يفضي إلى اطمئنانٍ بصحَّة النسخة المتداولة.
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق