هل ينافي قوله: ﴿وأنتم أذلة﴾ قوله تعالى: ﴿ولله العزة..﴾؟

السؤال: كيف يصحُّ الجمع بين توصيف القرآن للمسلمين في واقعة بدر بلفظ «أذلَّة» في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، وبين إثبات العزَّة المطلقة لله ولرسوله وللمؤمنين في آية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؟ ولا يخفى ما بين العزَّة والذلَّة من التنافي والتضادّ؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيَّدك الله - أنَّ كلمة (‌ذلّ) في لسان العرب وموارد الاستعمال القرآنيّ ليست على نسقٍ واحدٍ من الدلالة، بل لها معانٍ متعدِّدةٌ بحسب السياق والمقام.

فتارةً ترد الذلَّة في قبال العزَّة، فتفيد معنى الهوان والضعة. وأخرى ترد الذلَّة قبال القوَّة والكثرة، فتفيد معنى القلَّة والضعف. وثالثةً ترد قبال الشدَّة والغلظة، فتفيد معنى اللين.

ولكلِّ وجهٍ من هذه الوجوه مصاديق جليَّةٌ في الكتاب العزيز، نذكر بعضاً منها:

الأول: الذلَّة بمعنى الهوان، مقابل العزَّة:

كما في قوله تعالى في حقِّ اليهود: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61].

وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ﴾ [آل عمران: 112].

قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ: (إنَّ هؤلاء اليهود لن يصمدوا بحالٍ من الأحوال، وأينما وُجدوا كُتب عليهم الذلّ والهوان إلَّا بالارتباط بالله .. وتحقَّقت هذه الوعود والبشائر السماويَّة الثلاثة في عصر النبيّ كما ذكره التاريخ الإسلاميّ، وبالأخصِّ إنَّ اليهود في الحجاز أعمّ من (بني قريظة)، و(بني النضير)، و(بني قينقاع)، و(يهود خيبر)، و(بني المصطلق)، وقد خسروا الجولة في نهاية الأمر، وتواروا عن مسرح الحياة بعدما قاموا به من انتهاكاتٍ كثيرةٍ، وتحرُّكاتٍ مثيرةٍ ضدَّ الإسلام، هذا وإنْ لم يرد التصريح بذكر اليهود في الآيات السابقة لكن يُستفاد من القرائن الموجودة في هذه الآية والآيات المشابهة لها (كالآية 61 من سورة البقرة التي ذُكر فيها اسم اليهود صريحاً) [نفحات القرآن ج8 ص105].

الثاني: الذلَّة بمعنى القلَّة والضعف، مقابل الكثرة والقوَّة:

كما جاء في حقِّ أهل بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].

قال الشيخ الطوسيّ: (وقوله: ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ جملةٌ في موضع الحال. والذلَّة الضعف عن المقاومة، وضدُّها العزَّة، وهي القوَّة على الغلبة، ويقال للجمل المنقاد من غير صعوبة: ذلول لانقياده انقياد الضعيف، فأمَّا الذليل فإنَّما ينقاد على مشقَّة. ومنه: تذليل الطريق، ونحوه، وهو توطئة الأصل. وفيه الضعف عن المقاومة.. المعنى: ووصفهم الله بأنَّهم أذلَّة لأنَّهم كانوا ضعفاء قليلي العدد قليلي العُدَّة) [التبيان في تفسير القرآن ج2 ص577].

الثالث: الذلَّة بمعنى اللين، مقابل الشدَّة:

كما في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ [المائدة: 54].

قال الشيخ الطوسيّ: (ومعنى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: أهل لينٍ ورقَّةٍ، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: أهل جفاةٍ وغلظةٍ.. ورُوي عن عليّ (عليه السلام) وابن عبَّاس (رحمة الله عليه): أنَّ معنى أذلَّة أهل رحمةٍ ورقَّةٍ. ومعنى أعزَّة أهل غلظةٍ وشدَّةٍ) [التبيان ج3 ص555].

وعليه، يرتفع التضادُّ المتوهَّم بين الآيتين بانفكاك الحيثيَّة؛ إذ الوصف بـ (الذلَّة) في آية بدرٍ ناظرٌ إلى حال المسلمين من حيث قلَّة العِدَّة والعدد في تلك الفترة، بينما الآية الأخرى وصفت المؤمنين بـ (العزَّة) بعد قوَّة الشوكة في غزوة بني المصطلق.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.