هل تأثر الشيخ الطوسي في تفسير (التبيان) بأهل السنة؟
السؤال: نجد في تفسير الشيخ الطوسيّ تأثّراً واضحاً بتفاسير أهل السنة حتّى يكاد يُعَدُّ منها، فهل ألّف الشيخ تفسيره قبل أنْ يتشيّع لأنّه -كما يُقال -كان يتفقّه على الفقه الشافعيّ، أم كان التفسير تقيةً منه إذ شهد عصره اضطراباتٍ كبيرةً بين السنة والشيعة بالعراق؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً ينبغي التنبيه على أنّ شافعيّة الشيخ الطوسيّ مجرّد فريّةٍ؛ إذ إنّ أوّل مَن ادّعى أنّ الشيخ الطوسيّ كان شافعيّاً هو الذهبيّ، وتبعه تلميذه السبكيّ، ومن ثمّ أخذ عنهما جملةٌ من الباحثين المتأخّرين.
ولكن لا مجال للاعتداد بهذه النسبة؛ لوجوهٍ:
1ـ إنّ هذه النسبة غريبةٌ باعتبار أنَّ الشيخ الطوسيّ كان شيخ الطائفة الإماميَّة في زمانه، والمصنّف لأهمِّ مصادرهم، والمربي لكثيرٍ من علمائهم، ويفترض في أمثالها الشيوع والانتشار، والحال أنَّ أوّل مَن نقلها هو الذهبيّ، فلم يشر لها الطوسيّ ولا أحدٌ من علماء الشيعة الذين هم أعلم بحاله من غيرهم، بل ولا أحدٌ من علماء العامَّة قبل الذهبيّ.
2ـ إنَّ هذه النسبة أوّل ما صدرت من الذهبيّ، وهو ممّن أُشكل على إنصافه، كما أنَّه وُلِدَ بعد وفاة الشيخ الطوسيّ بقرنين من الزمن، فكيف يمكن الوثوق بنقله؟ ثمَّ لا يُعلَم مصدره الذي نقل منه ليُنظَر في مدى اعتباره وإمكان الاعتماد عليه.
3ـ إنَّ هذه النسبة مخالفةٌ مع المعطيات المعلومة؛ إذ إنّه أوّل مجيئه لبغداد قد لازم الشيخ المفيد، كما أنّه نصَّ هو على أنّه كان يزور قبر السفير الأوَّل للإمام المهديّ (عج) – الذي له موقعيّةٌ خاصّةٌ عند خصوص الإماميَّة – من أوَّل مجيئه إلى بغداد سنة (408هـ)، فكيف يستقيم ذلك مع كونه شافعيّاً؟
هذا خلاصة ما ذكرناه في جوابٍ منفردٍ منشورٍ بعنوان: (هل كان الشيخ الطوسيّ شافعيّاً؟)، ومن أراد التفصيل يمكنه مراجعته.
إذا عرفت هذا، نقول:
إنَّ دعوى أنّ تأثّر الشيخ الطوسيّ في كتابه (تفسير التبيان) بتفاسير العامَّة، غير تامَّةٍ؛ وذلك لأنّ مبرّرات هذه الدعوى أمورٌ، نذكرها ثمَّ نعلّق عليها:
المبرّر الأوَّل: المنهجيّة:
إنَّ المنهجيّة التي سلكها الشيخ لم تكن منتشرةً عند الشيعة من جهة تنوّع العلوم القرآنيَّة التي تناولها في تفسيره من علم القراءات واللغة والتفسير والرواية وعلم الكلام كما صرّح بذلك في مقدّمته إذ قال: (فإنَّ الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب أنّي لم أجد أحداً من أصحابنا ـ قديماً وحديثاً ـ مَن عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن، ويشتمل على فنون معانيه، وإنّما سلك جماعةٌ منهم في جميع ما رواه ونقله وانتهى إليه في الكتب المرويَّة في الحديث، ولم يتعرّض أحدٌ منهم لاستيفاء ذلك، وتفسير ما يحتاج إليه). ممّا دعا البعض إلى اتّهام الشيخ اقتباس الطريقة من مخالفينا.
نقول: إنَّ إكمال قراءة المقدّمة يبيّن لنا أنّ هذه الطريقة كانت اقتراحاً من أصحابنا قديماً وحديثاً؛ فإنّه قال في تتمّة كلامه: (وسمعت جماعةً من أصحابنا قديماً وحديثاً، يرغبون في كتابٍ مقتصدٍ، يجتمع على جميع فنون علم القرآن؛ من القراءة، والمعاني، والإعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين -كالمجبّرة، والمشبّهة، والمجسّمة، وغيرهم -، وذكر ما يختصّ أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرةٍ منه على صحّة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها. وأنا -إنْ شاء الله تعالى -أشرع في ذلك على وجه الإيجاز والاختصار لكلّ فنّ من فنونه، ولا أطيل فيملّه الناظر فيه، ولا أختصر اختصاراً يقصر فهمه عن معانيه).
على أنّ كلام الشيخ الأوَّل يدور حول تفسيرٍ جامعٍ لجميع القرآن، وإلّا فإنّه قد سُبِق بهذه المنهجيَّة كما في تفسير الشريفين الرضيّ والمرتضى، وهو أستاذه الذي لازمه سنين متماديةً فتأثّر به، إلّا أنّ تفسيره في أماليه لم يكن مستوعباً لكلّ آيات القرآن الكريم [ينظر: مجلة تراثنا (الطبريّ وتفاسير الشيعة للدكتور مرتضى كريميّ نيا)، ع130 ص59].
وقد ذكر الدكتور مرتضى كريميّ نيا: أنّ الشيخ قد سُبِق أيضاً بتفسير الوزير المغربيّ، وإنْ كان أخصَّ من تفسير الشيخ الطوسيّ [ينظر: مجلة تراثنا (الطبريّ وتفاسير الشيعة)، ع130 ص65].
ولعلّ الشيخ لمّح له بقوله: (ولا أختصر اختصاراً يقصر فهمه عن معانيه).
المبرّر الثاني: الاعتماد على كتبهم في النقل:
قد ذُكر أنّ الشيخ قد اعتمد على كتب ثلاثةٍ من علماء العامَّة: الطبريّ في التفسير، والجبائيّ في الكلام، والفرَّاء في اللغة وهذا يكشف عن مدى تأثّره بهم.
نقول: إنَّ هذا الشاهد لا يناسب حجم الدعوى:
أمّا علم اللغة: فهو علمٌ محايدٌ غير متمذهبٍ، مع وجود إسهاماتٍ شيعيَّةٍ كبيرةٍ في علومه تأسيساً وتطويراً وتنظيراً، يمكن مراجعة ما كتبه السيد حسن الصدر في (الشيعة وفنون الإسلام).
وأمّا علم الكلام: فالشيخ بيَّن في مقدّمته أنّه سيذكر أقوال مخالفيه ليردَّ على شبههم.
وأمّا علم التفسير، وأنّه اعتمد على الطبريّ في نقل أقوال المفسرين وروايات التفسير، والذي كثر الاحتجاج به كشاهدٍ على هذه الدعوى: فسببه مكانة تفسير الطبريّ عند المخالفين، والتي لا زالت في المحلّ الأعلى عندهم، مع جامعيّته في نقل الروايات وأقوال مفسّري العامَّة، بحيث يغني عن غيره، فبدلاً من الفحص عن أقوالهم وتتبّعها، اكتفى بالاعتماد على كتابٍ موسوعيّ، خصوصاً مع ضيق وقت الشيخ وكثرة مشاغله، مع احتياج هذا المشروع لجهدٍ كبيرٍ جدّاً.
المبرّر الثالث: إكثار النقل عنهم:
اعترض البعض على الشيخ الطوسيّ بسبب اهتمامه بذكر كلمات مفسّري العامَّة واعتبره ناشئاً من تأثّره بهم.
نقول: هذا الاعتراض واضح الوهن والضعف؛ فإنَّ ذكر آراء العامَّة مع قول الأئمَّة هو منهجٌ مأخوذٌ من الإمام الصادق (عليه السلام) في كلامه مع معاذ بن مسلمٍ النحويّ: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلتُ: نعم، وأردتُ أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري مَن هو، فأقول: جاء عن فلانٍ كذا، وجاء عن كذا، فأُدخِل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا فإنّي كذا أصنع» [وسائل الشيعة ج16 ص233].
على أنّ الشيخ يوردها للإشكال عليها، مع كونها مغنيةً للشيعة في معرفة آراء القوم عند النقاش معهم ومناظرتهم.
المبرّر الرابع: موافقة بعض آرائهم:
صوّر البعض الشيخ الطوسيّ مقلِّداً لمفسّري العامَّة، حتّى فيما خالف معتقده؛ لأنّ هناك بعض الموافقات بين بعض تفسيره وبين آرائهم.
نقول: هذا الكلام غير صحيحٍ، فقد وفَّى الشيخ بما وعد في مقدّمته من ذكر (ما يختصّ أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرةٍ منه على صحّة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها)، كما أشار إلى ذلك الأستاذ خضير جعفر في كتابه [الشيخ الطوسيّ مفسراً ص261ـ301].
نعم، ذكر البعض كلاماً للشيخ كشاهدٍ على تأثّره بآراء العامَّة، وهو في إثبات السهو والنسيان للأنبياء، قال الطوسيّ: (واستدلّ الجبائيً أيضاً بالآية على أنّ الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان، قال: بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنّه لا يجوز عليهم شيءٌ من ذلك)، ثمَّ قال: (وهذا ليس بصحيحٍ أيضاً؛ لأنّا نقول: إنّما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يؤدّونه عن الله، فأمّا غير ذلك فإنّه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه ممّا لم يؤدِّ ذلك إلى الإخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويُغشى عليهم والنوم سهوٌ، وينسون كثيراً من متصرّفاتهم أيضاً وما جرى لهم فيما مضى من الزمان، والذي ظنَّه فاسدٌ) [تفسير التبيان ج4 ص165].
نقول: وهذا لا يصلح شاهداً لأمرين:
أحدهما: هذا الكلام لا يعبّر عن رأي الشيخ الطوسيّ نفسه؛ لأنّه صرَّح بنفي السهو في مواطن كثيرةٍ، حتّى إنّه ذكر ذلك في نفس التفسير، وإليك بعض كلماته:
1ـ قال: (روى أصحابنا عن أبي جعفرٍ [الباقر] وأبي عبد الله [الصادق] (ع): أنّهم الأئمّة من آل محمّدٍ، فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك، ولا يجوز إيجاب طاعة أحدٍ مطلقاً إلّا مَن كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط) [تفسير التبيان ج3 ص236].
2ـ وقال: (لاضطراب متنه لاشتماله على أنّ النبيّ (ص) يسهو في صلاته، وهو باطلٌ بالإجماع) [الخلاف ج2 ص197].
3ـ وقال: (مسألةٌ: نبيّنا محمّدٌ (ص) معصومٌ من أوَّل عمره إلى آخره -في أقواله وأفعاله وتروكه وتقريراته -عن الخطأ والسهو والنسيان؛ بدليل أنّه لو فعل المعصية لسقط محلّه من القلوب، ولو جاز عليه السهو والنسيان لارتفع الوثوق من إخباراته، فتبطل فائدة النبوّة، وهو محالٌ) [الرسائل العشر ص96].
4ـ وقال: (وجعلهم معصومين من الخطأ، مأمونين عليهم السهو والغلط؛ ليأمن بذلك مَن يفزع إليهم من التغيير والتبديل والغلط والتحريف، فيكون بذلك واثقاً بدينه، قاطعاً على وصوله إلى الحقّ الذي أوجبه الله تعالى عليه وندب إليه) [المبسوط ج1 ص1].
5ـ وقال: (مع أنّ في الحديثين ما يمنع من التعلّق بهما، وهو حديث ذو الشمالين وسهو النبيّ (ص)، وذلك ممّا تمنع منه الأدلَّة القاطعة في أنّه لا يجوز عليه السهو والغلط (ص)) [الاستبصار ج1 ص371].
6ـ وقال في مقام التعليق على حديث ذي الشمالين في سهو النبيّ (صلى الله عليه وآله): «وهذا ممّا تمتنع العقول منه» [التهذيب ج2 ص180].
7ـ وقال: (جميع الأنبياء كانوا معصومين مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال، من أوَّل الأعمار إلى اللحد؛ بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلّهم من القلوب، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم، فتبطل فائدة النبوّة، فما ورد في الكتاب فيهم فهو واجب التأويل) [العقائد الجعفريَّة (المطبوع مع جواهر الفقه) ص٢٨٤ م٣٠].
ولذلك نحمل العبارة المذكورة أعلاه على أنّ الشيخ بصدد نفي الإجماع من الإماميَّة -الذين عبَّر عنهم الجبائيّ بالرافضة-على نفي السهو والنسيان وليس ذلك من باب تبنّيه لهذا الرأي.
وعدم تعقيبه ببيان رأيه لا يصلح شاهداً على قبوله؛ إذ الشيخ قد اتّكأ على ما ذكره في الجزء السابق عليه ونقلنا عبارته الأولى منه.
وقصده من ذلك بيان قلّة معرفة الجبائيّ بآراء مخالفيه الذين يناقشهم.
وقد أشار بعض العلماء إلى أنَّ من أساليب الجواب عند العلماء المتقدّمين ذكر ما يدفع الإشكال وإنْ لم يكن موافقاً لآرائهم. [ينظر: كشف الظنون عن خيانة المأمون ص٥٧ـ٥٩، النهضة الحسينيَّة وعلم الإمام ص١٣١ـ١٣٥، إزالة الوصمة عن مباحث العصمة ص٤٧].
والآخر: لو فرض أنّ هذا هو رأي الشيخ، فلا يدلّ على أنّه تأثّر بالعامَّة فيه؛ لأنَّ هذا الرأي ليس خاصّاً بالعامَّة ليكون التزام الشيخ به من باب التأثّر بهم، فقد ذهب لذلك بعض المتقدّمين من علماء الشيعة وذكره كاحتمالٍ بعض أساتذة الشيخ [ينظر: تنزيه الأنبياء ص121].
المبرّر الخامس: ترك العمل بالروايات التفسيريّة:
نقول: إنَّ الشيخ الطوسيّ قد بيَّن في مقدّمة تفسيره رأيه في روايات التفسير، فبينما هو يرى أنّ التفسير لا يكون إلّا بالأثر الصحيح، رفض الاعتماد على أخبار الآحاد في تفسير القرآن؛ لأنَّها غير قطعيَّةٍ، والتفسير يُطلب فيه القطع والعلم. وقد نُسِب هذا الرأي لأصحابنا، وبالتالي يكون الإشكال عليه إشكالاً مبنائيّاً.
هذا، وقد حاول البعض جمع مخالفات الشيخ الطوسيّ ضمن بقيّة مفسّري الإماميَّة لِـمَا ورد من رواياتٍ تفسيريَّةٍ، إلّا أنّه بمتابعة ذلك تجد أنّ كثيراً من الموارد التي أشار إليها هي رواياتٌ تتضمَّن تأويل الآيات وبيان بواطنها، أو هي رواياتٌ جاءت من باب الجري والتطبيق، فلا تكون هناك أيّ مخالفةٍ؛ لعدم التنافي، أو أنَّ هناك رواياتٍ تعارضها، لكنّه أغفلها أو غفل عنها.
ثمَّ يجدر الانتباه إلى أنّ السبب الداعي للهجمة المستعرة على الشيخ الطوسيّ هو كونه شيخ الطائفة بحقٍّ، والذي التشكيك به يقع التشكيك بأكثر تراثنا الروائيّ قبل غيره من أنواع التراث، فإنّه قد ألَّف وروى أكثر تراثنا مع تنوّعه، جزاه الله عنّا خير الجزاء.
اترك تعليق