ما مصير الكون بعد يوم القيامة؟
السؤال: ما مصير الكون بعد القيامة، وإنزال الناس منازلهم في الجنّة والنار؟ هل هو الفناء الكامل أو أنّ هناك خلقاً آخرين؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
فرضيّة خلق الله سبحانه وتعالى لنوعٍٍ من الخلق العاقل وغير العاقل بعد يوم القيامة، من حيث الإمكان العقليّ، فرضيّةٌ ممكنةٌ، ولا يترتّب عليها محالٌ، والله سبحانه قادرٌ على كلّ شيءٍ، وقد أشار إلى ذلك المعنى قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]، إذ تشير الآية المباركة إلى استمراريّة القدرة الإلهيّة على الإيجاد، وأنّ الخلق الأوّل ليس نهاية المطاف، بل هو شاهدٌ على إمكان الخلق المتجدّد.
وأمّا من حيث الوقوع، فقد دلّت بعض الروايات عن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) على تعدّد العوالم، وأنّ هذا العالم ليس هو العالم الوحيد في الدنيا، وبعضها دلّ صريحاً على وجود عالمٍ وحياةٍ شبيهةٍ بالحياة الدنيا بعد يوم القيامة، ولنذكر ما يرتبط بموضوعنا:
1- روى الشيخ الصدوق بسندٍ معتبرٍ عن جابر بن يزيد قال: «سألت أبا جعفرٍ الباقر (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}، قال: يا جابر، تأويل ذلك أنّ الله عزّ وجلّ إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وسكن أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار، جدّد الله عالماً غير هذا العالم، وجدّد خلقاً من غير فحولةٍ ولا إناثٍ، يعبدونه ويوحّدونه، وخلق لهم أرضاً غير هذه الأرض تحملهم، وسماءً غير هذه السماء تظلّهم، لعلّك ترى أنّ الله إنّما خلق هذا العالم الواحد، وترى أنّ الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالمٍ وألف ألف آدمٍ، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين» [التوحيد ص277، الخصال ص652].
ودلالة الحديث صريحةٌ واضحةٌ بوجود خلقٍ دنيويٍّ آخر بعد يوم القيامة، وكونٍ آخر غير هذا الكون.
2- وروى الصدوق بإسناده إلى محمد بن مسلمٍ قال: «سمعت أبا جعفرٍ عليه السلام يقول: لقد خلق الله عزّ وجلّ في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم ولد آدم... بلَى والله ليخلقنّ الله خلقاً من غير فحولةٍ ولا إناثٍ يعبدونه ويوحّدونه ويعظّمونه، ويخلق لهم أرضاً تحملهم وسماءً تظلّهم، أليس الله عزّ وجلّ يقول: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48]، وقال الله عزّ وجلّ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}» [الخصال ص359].
3- وروى الشيخ الصفّار بإسناده إلى جابرٍ عنه (عليه السلام): «وهي اثنا عشر عالماً، كلّ عالمٍ كهيئة ما رأيت، كلّما مضى منّا إمامٌ سكن أحد هذه العوالم حتّى يكون آخرهم القائم في عالمنا الذي نحن ساكنوه...» [بصائر الدرجات ج2 ص279].
أقول: هذه الرواية، وإن لم تكن نصّاً صريحاً في إثبات وجود عوالم لاحقةٍ بعد قيام الساعة، إلّا أنّها تفتح أفقاً دلاليّاً يمكن الاستفادة منه في هذا الاتّجاه، وذلك من خلال ملاحظة أمرين:
الأوّل: أنّ الرواية تشير إلى تعدّد العوالم، وتبيّن أنّ لكلّ إمامٍ من الأئمّة (عليهم السلام) مقاماً في أحد هذه العوالم، ممّا يكشف عن نظامٍ كونيٍّ متعدّد المستويات، لا ينحصر بعالمنا المشهود.
الثاني: عند ضمّ هذه الرواية إلى ما هو المعلوم من الترتيب الخاصّ بعالمنا، من أنّ قيام الساعة لا يتحقّق إلّا بعد ظهور القائم من آل محمّدٍ (صلوات الله عليهم)، يمكن أن يُفهم أنّ هذا التسلسل الزمنيّ (الظهور ثمّ القيامة) إنّما هو مرتبطٌ بخصوص عالمنا الذي نعيش فيه.
وعليه، فإنّ تقييد الإمام (عليه السلام) الحديث بعبارة «عالمنا الذي نحن ساكنوه» يُعدّ قرينةً مهمّةً، إذ إنّ الأصل في القيود أن تكون احترازيّةً لا توضيحيّةً، ما يفتح المجال لاحتمال وجود عوالم أخرى لها نظمها الخاصّة، وتكون بعد يوم القيامة.
وعليه يكون هذا النصّ من القرائن المؤيّدة لدلالة الروايتين الأولى والثانية.
4- ما أورده العلّامة المجلسيّ: عن أبي خالدٍ القمّاط قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام ويقال لأبي جعفرٍ عليه السلام: إذا أُدخل أهل الجنّة الجنّة، وأُدخل أهل النار النار، فمه؟ قال: فقال أبو جعفرٍ (عليه السلام): إن أراد أن يخلق الله خلقاً ويخلق لهم دنيا يردّهم إليها فعل، ولا أقول لك إنّه يفعل».
5ـ وما أورده المجلسيّ أيضاً: عن أبي بصيرٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار فمه؟ فقال: ما أزعم لك أنّه تعالى يخلق خلقاً يعبدونه» [بحار الأنوار ج8 ص376].
قال العلّامة المجلسيّ (قدّس سرّه): (يُفهم من سياق هذين الخبرين أنّ الله تعالى يخلق خلقاً آخر، لكنّ الإمام عليه السلام لم يصرّح به تقيّةً وخوفاً من التشنيع).
فيمكن اعتبار هاتين الروايتين من القرائن المؤيّدة لمضمون الحديثين الأوّلين، على ما بيّنه العلّامة وهو دقيقٌ وظاهرٌ في الأسلوب والسياق ولا غبار عليه.
ثمّ قال العلّامة: (وما يدلّ عليه تلك الأخبار لم أرَ أحداً من المتكلّمين تعرّض له بنفيٍ ولا إثباتٍ، وأدلّة العقل لا تنفيه بل تعضده، لكنّ الأخبار الواردة في ذلك لم تصل إلى حدٍّ يوجب القطع به، والله تعالى يعلم) [بحار الأنوار ج8 ص376].
والخلاصة: إن حصل للباحث القطع أو الاطمئنان بمضمون هذه الأخبار، فإنّه يمكنه القول بأنّ لله خلقاً آخرين وكوناً بعد القيامة، وإلّا فلا، ولا يترتّب على التوقّف في المسألة إشكالٌ. ولا يبعد أنّها من الصعب المستصعب من أحاديثهم صلوات الله عليهم، التي ليس على الجميع تقحّمها، ولا ينال الإحاطة بها إلّا ذو حظٍّ عظيمٍ.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على خير خلقه محمّدٍ وآله الطاهرين.
اترك تعليق