كيف يطلب موسى (ع) الرؤية مع علمه باستحالتها؟

في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}، كيف لنبيٍّ من أولي العزم - ويفترض فيه معرفة المسائل العقائديَّة البديهيَّة، كعدم رؤية الله من الناس - أنْ يطلب من الله ذلك؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

للإجابة عن هذا السؤال نقول: لقد ثبت في علم الكلام أنَّ الله تعالى لا يُرى بالعين؛ لأنّ الرؤية البصرية لا تتحقّق إلا إذا كان المرئيّ مادياً ذا جسمٍ وشكلٍ وحدٍّ ومكانٍ، يقع في جهةٍ معيّنةٍ، ويصل شعاعه إلى العين، وكلّ هذه الخصائص من صفات الأجسام، والله سبحانه منزّهٌ عن المادّة والجسميَّة والحدّ والجهة؛ ولذلك لا يمكن أنْ يُرى.

وقد صرّح القرآن الكريم بذلك بوضوحٍ في قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].

ومن هنا أجمع متكلِّمو الإماميّة على أنَّ نبيّ الله موسى (عليه السلام) كان عالماً باستحالة رؤية الله تعالى؛ لأنّه من أولي العزم ومن أعلم أنبياء الله، غير أنّ قومه -بني إسرائيل -ألحّوا عليه في أنْ يُريهم الله عياناً كما في قوله تعالى: {إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55].

فبعد أنْ أصابتهم الصاعقة، ندموا وطلبوا من موسى أن يسأل ربَّه الرؤية بنفسه حتى يردّ الله عليهم مباشرةً فيقتنعوا؛ ولهذا رفع موسى (عليه السلام) الطلب، لا عن جهل، بل لإتمام الحجَّة على قومه، فجاءه الجواب الإلهيُّ الحاسم: {لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [ينظر: الإلهيات ج2 ص135-138، تفسير الأمثل ج6 ص365].

وقد رُوي عن الإمام الرضا (عليه السلام) - في حديثٍ طويلٍ هذا المضمون - في حواره مع المأمون، حين سأله: كيف يطلب موسى رؤية الله وهو نبيٌّ معصوم؟ فقال الإمام ما مضمونه: «إنّ موسى كان يعلم أنّ الله لا يُرى بالأبصار، ولكنّ قومه لم يقتنعوا بكلامه، فألحّوا عليه أن يسمعوا كلام الله كما سمعه هو، فاختار موسى منهم سبعين رجلاً وذهب بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله من جميع الجهات؛ لأنّ الله خلق الكلام في الشجرة، فصدر منها الصوت وسمعوه، ومع ذلك لم يؤمنوا وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرًا. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، ثمّ أحياهم الله بدعاء موسى. وحين عادوا إلى عنادهم وقالوا: اسأل الله أن يريك ذاته حتّى نعرفه حقاً، رفع موسى عليه السلام هذا الطلب، فأجابه الله بقوله: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل...، فلما رأى ما حدث للجبل، قال موسى: سبحانك تبت إليك، أي رجعت إلى إظهار معرفتي بك بعد جهل قومي، وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا تُرى». فقال المأمون معجبًا: لله دَرُّك يا أبا الحسن» [التوحيد للصدوق ص121].

وبذلك يتبيّن أنَّ موسى (عليه السلام) لم يسأل الرؤية عن جهل، بل لإزالة الشبهة عن قومه وإقامة الحجّة عليهم بأنّ الله سبحانه منزّهٌ عن أن يُرى بالأبصار.

ثمّ لو تنزّلنا عن هذا الجواب فنقول: الرؤية في اللغة العربيَّة لا تقتصر على الإبصار بالعين المادية، بل هي لفظٌ واسعٌ يدلّ على مراتب متعدّدةٍ من الإدراك تتجاوز الحسّ إلى ما هو أعمق وأرفع، فقد ذكر الراغب الأصفهانيُّ أنّ الرؤية إدراك المرئيّ، وهي على أنحاءٍ بحسب قوى النفس: أوّلها الإدراك بالحسّ والبصر، وثانيها بالإحساس الباطنيّ أو الوهم والتخيّل، وثالثها بالتفكّر والنظر العقليّ، ورابعها بالعقل الخالص الذي يدرك الحقائق بذاتها [ينظر: مفردات ألفاظ القرآن ج1 ص373]. ومن هنا قيل إنّ الرؤية بالعين تتعدّى إلى مفعول واحد، أمّا الرؤية بمعنى العلم فتتعدّى إلى مفعولين، فيقال: «رأى زيدًا عالمًا»، كما يُقال أيضًا «رأيًا» و«رؤيةً» و«رَاءةً»، فالرؤية إذن تكون نظراً بالعين وبالقلب معاً، كما نصّ عليه ابن سيدة [ينظر: لسان العرب ج14 ص291].

بناءً على هذا المعنى الواسع، لا يكون إطلاق الرؤية في القرآن والحديث محصوراً بالرؤية البصريَّة، بل يشمل الرؤية القلبيّة والشهود الباطنيّ الحضوريّ، فقد قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22–23]، وقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11]، وقال: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: 5]، وقال: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [الرعد: 22].

وقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الروايات التي يُفهم منها أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) رأى ربَّه، أو أنّ المؤمنين يرونه يوم القيامة، فقال مبتسماً: «يا معاوية، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة، يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه، ثم لا يعرف الله حقّ معرفته، ثمّ قال: يا معاوية، إنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) لم يرَ الربَّ تبارك وتعالى بمشاهدة العيان، وإنّ الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وبآياته» [كفاية الأثر ص582، تفسير البرهان ج2 ص581].

وهذا هو معنى قوله تعالى في وصف معراج النبيّ: {لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13–14]، أي: أنّ النبيّ شاهد آيات عظمة الله ومظاهر تجلّيه، لا ذاته المقدّسة؛ لأنّ الذات الإلهيّة لا تُدرَك بحسٍّ ولا تُحدّ بجهةٍ أو صورة [ينظر: تفسير النور ج3 ص168، تفسير الكوثر ج4 ص203].

وقد بيّن هذه الحقيقة السيّد الطباطبائيّ بتقريبٍ وتلخيصٍ: (أنّ طلب موسى (ع) للرؤية لم يكن رؤيةً بصريّة، بل سؤالاً عن مرتبة أرفع من المعرفة بالله، وهي العلم الضروريّ الحضوريّ الذي يفوق العلم الحاصل عن طريق السمع أو النظر في الآيات، أراد موسى أن يبلغ كمال المعرفة بالله، لكنّ الله تعالى بيّن له أنّ هذه المرتبة لا يمكن تحقّقها في عالم الدنيا بسبب قصور طاقة البشر الجسديّة الماديّة، فقال له: {لن تراني}، أي: لن تطيق شهودي التامّ ما دمت في عالم المادة. فالنفي في قوله تعالى: {لن تراني} لا يعني استحالة الرؤية مطلقاً، بل نفيها في الدنيا؛ لأنّ الرؤية الكاملة بمعنى الحضور الضروريّ لا تتحقّق إلّا بعد مفارقة البدن عند الموت، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}.

ولذلك جاء قوله تعالى: {وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}، ليُبيّن عدم قدرة الجبل – وهو أشدّ وأثبت من الإنسان من حيث المادة – على تحمّل التجلي الإلهي، فكيف بالإنسان، فحين تجلّى الله للجبل اندكّ، فكانت تلك إشارة لموسى إلى عجز المخلوقات عن إدراك هذا المقام في الدنيا.

وأمّا صعق موسى (عليه السلام) فسببه هول التجلي الإلهيّ الذي أدركه إدراكاً وجدانيّاً لا بصريّاً، فخرّ مغشيّاً عليه لما تبيّن له من عظمة ما طلب، ولمّا أفاق قال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}، أي تراجع عن طلبه بعد أن أدرك أنّه سأل أمراً فوق حدود الطاقة البشريّة، فبدأ بتنزيه الله، والتوبة هنا ليست عن ذنب، بل هي رجوع إلى الله بعد انكشاف قصور الإدراك البشريّ أمام عظمة الذات الإلهيّة [ينظر: الميزان ج8 ص236].