دور الإمام العسكري (ع) في تثبيت العقيدة

السؤال: ما هو دور الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في تثبيت العقيدة؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

وُلد الإمام أبو محمَّدٍ الحسن بن عليّ العسكريّ (عليه السلام) ــ الإمام الحادي عشر من أئمَّةِ أهل البيت ــ في الثامن من ربيعٍ الثاني سنة 232هـ بمدينة سامرّاء، والده هو الإمام عليّ الهاديّ (عليه السلام)، ووالدته السيّدة الطاهرة «حديثة» المعروفة أيضاً بـ«سوسن»، من أشهر ألقابه: الزكيّ والنقيّ، وكنيته: أبو محمَّدٍ. تولَّى مقام الإمامة وهو في الثانية والعشرين، بعد شهادة أبيه (عليه السلام).

جاءت ولادته ونشأته في عهد المتوكّل العباسيّ، أحد أعتى حكّام بني العباس عداوةً للعلويّين، ثمّ عاصر خمسةً من خلفائهم بعده: المنتصر، المستعين، المعتز، المهتدي والمعتمد، وكانت هذه الفترة من أشدّ عصور بني العباس ظلمةً واضطهاداً للشيعة؛ إذ خاف الخلفاء من تنامي نفوذ الاتجاه الإماميّ، ومن الأخبار المتواترة عندهم بظهور خاتم الأوصياء من نسل الإمام العسكريّ (عليه السلام)، فاشتدّت الرقابة على الإمام وشيعته، وضُيّق عليهم في الاتصال به أشدّ التضييق.

فُرض على الإمام الإقامةُ الجبريّة في سامرّاء، وكثّف المعتمد العباسيّ مراقبته عبر العيون والجواسين، بل سُجن الإمام لسنواتٍ، ويروي أحد أصحابه أنّهم كانوا يتحيّنون خروجه ليروه من بعيدٍ، فورد عليهم كتاب الإمام ينهى كلّ واحدٍ منهم أن يسلّم أو يشير إليه؛ حفاظاً على حياتهم من تحرّش السلطة [ينظر: الخرائج والجرائح ج1 ص445].

ومع كلّ هذا التضييق، لم تتوقّف حركة الإمام في الهداية والتوجيه؛ فقد اعتمد طرقاً خفيّةً ومتنوّعةً للتواصل مع قواعده الشيعيّة المتراميّة، والتي كانت قد توسّعت في المدن الكبرى: الكوفة، بغداد، نيسابور، قم، آوه، المدائن، خراسان، اليمن، الري، أذربيجان، سامرّاء، جرجان، البصرة والحلّة.

وقد ترك الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بصمةً عميقةً في ترسيخ البناء العقديّ للطائفة، وسنكتفي هنا بالإشارة الموجزة إلى أبرز الخطوات التي اتّخذها الإمام في سبيل تثبيت العقيدة الإماميّة وصيانة مسارها، مع إدراكنا أنّ جميع أبعاد نشاطه ومجالات تأثيره أوسع من أن تُستوعَب في هذا المقال المختصر:

أوّلاً: ترسيخ الأصول العقائديّة:

1ـ التوحيد:

حرص الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) على ترسيخ التوحيد الخالص في نفوس أتباعه، والتحذير من دقائق الشرك وخفاياه، مؤكداً أنّ الانحراف في العقيدة قد يبدأ من أمورٍ يستهين بها الإنسان. ومن ذلك ما رواه أبو هاشمٍ الجعفريّ أنّ الإمام (عليه السلام) قال: «من الذنوب التي لا تُغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلَّا بهذا»، ثم بيّن له أنّ الشرك أخفى من دبيب الذرّ على الصفا في الليلة الظلماء، في إشارةٍ إلى ضرورة مراقبة النفس والتنبه إلى خفايا الانحراف العقديّ [الغيبة للشيخ الطوسيّ ص207].

كما تصدَّى (عليه السلام) للجدل الكلاميّ الدائر حول صفات الله تعالى، ولا سيَّما قضايا الرؤية والتجسيم، فكان يرجع الناس إلى لغة القرآن ومفاهيمه بعيداً عن التشبيهات الفلسفية والمناظرات المعقّدة. فعندما سُئل: كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟ أجاب: «جلّ سيدي ومولاي أن يُرى»، وحين سُئل عن رؤية النبيّ (صلى الله عليه وآله) لربّه، أوضح أنّها رؤيةٌ قلبيّةٌ من نور العظمة الإلهية لا رؤيةٌ بصريّةٌ [الكافي ج1 ص95].

وفي رسالةٍ أخرى ردّ الإمام (عليه السلام) على اختلاف بعض الشيعة في مسألة التجسيم، حيث قال: «الله واحدٌ أحدٌ... خالقٌ وليس بمخلوقٍ... وليس بجسمٍ ولا صورةٍ... ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير» [الكافي ج1 ص103]. وقد أراد بذلك إبعاد أتباعه عن الغرق في الجدل الكلاميّ، وإرشادهم إلى أنّ معرفة الله تُؤخذ ممّا وصف به نفسه في كتابه؛ لأنّ العقل البشريّ لا يحيط بحقيقة ذاته سبحانه.

2ـ الإمامة:

أكّد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في نصوصٍ كثيرةٍ أنّ الإمامة والولاية امتدادٌ لرسالة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأنّ معرفة أهل البيت (عليهم السلام) والتمسّك بهم من مقومات الإيمان الكامل، ففي رسالته إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوريّ بيّن أنّ الله تعالى فرض الفرائض رحمةً بعباده، وجعل الولاية باباً تُعرف به سائر الفرائض، قائلاً: «لولا محمدٌ والأوصياء من ولده لكنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضاً من الفرائض» [8]، ثمّ استشهد بقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، ليدلّ على أنّ كمال الدين متحقِّقٌ بالولاية [علل الشرائع ج1 ص291].

كما بيّن الإمام (عليه السلام) دلالة حديث الغدير، فعندما سأله الحسن بن ظريفٍ عن معنى قول النبيّ (صلى الله عليه وآله): «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه»، أجاب: «أراد بذلك أنْ يجعله علماً يُعرف به حزب الله عند الفرقة» [كشف الغمّة ج3 ص219]، أي إنّ ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) تمثل المعيار الفاصل بين أهل الحق وأهل الاختلاف عند وقوع الفتن والانقسامات.

ثانياً: مواجهة الفرق المنحرفة:

برز دور الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في مواجهة التيارات المنحرفة، فكان حضوره العلميّ والروحيّ سدّاً أمام محاولات التخريب الفكريّ، وعمل على تحصين المجتمع الإسلاميّ من الانحراف عبر التصدي المباشر للشبهات والفرق الضالّة، منها:

1ـ فرقة الثنوية: ظهرت الثنوية نتيجة التأثّر ببعض الثقافات الوافدة كالمجوسية والزرادشتية، فاعتقد أصحابها بوجود أصلين قديمين هما: إلهٌ للنور والخير، وإلهٌ للظلمة والشر، وهو لونٌ من ألوان الشرك الصريح، وقد تصدَّى الإمام العسكريّ (عليه السلام) لهذه الأفكار بحزمٍ، وحذّر أتباعه من الانخراط فيها، مؤكّداً أنّ الانحراف عن التوحيد لا يقود إلا إلى الضلال.

2ـ فرقة الواقفة: وهم الذين توقفوا عند إمامة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وادّعوا أنّه لم يمت، رافضين إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)، وقد اتخذ الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) موقفاً شديداً منهم، فنهى عن موالاتهم أو حضور جنائزهم، وعَدَّ إنكار إمامٍ من أئمة أهل البيت إنكاراً لأوّلهم وآخرهم [رجال الكشّيّ ص467].

3ـ فرقة المفوضة: ظهرت المفوّضة بادعاء أنّ الله تعالى فوّض إلى النبيّ أو الأئمّة خلق العالم والتصرف المستقل فيه، وهو غلوٌّ صريحٌ، وقد واجه الإمام العسكريّ (عليه السلام) هذا الانحراف، مؤكّداً أنّ أهل البيت (عليهم السلام)﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾[سورة الأنبياء 26-27]، كما ورد عنه في حديث كامل بن إبراهيم المدنيّ قوله: «كذبوا، بل قلوبنا أوعيةٌ لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا» [الغيبة للطوسيّ ص247].

4ـ التصدي للغلوّ: لم يقتصر دور الإمام على مواجهة الفرق المنحرفة الكبرى، بل تصدَّى أيضاً لبعض مظاهر الغلوّ داخل الوسط الشيعيّ نفسه، فبعث رسائل شديدة اللهجة يحذّر فيها من اختلاق الروايات الباطلة ونشر الأفكار المنحرفة، وعَدَّ السكوت عن ذلك مشاركةً في الإثم والانحراف [الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم ص748].

ثالثاً: معالجة الشبهات الفكريّة، وترسيخ الإمامة:

منها: ما وقع في سامرّاء حين أصاب الناس قحطٌ شديدٌ، فخرج النصارى مع الجاثليق للاستسقاء فنزل المطر، بينما لم يُستجب للمسلمين، فكادت الشبهة تدخل قلوب بعض الناس، عندها استُدعي الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، فكشف حقيقة الأمر؛ إذ أمر بأخذ ما كان في يد الراهب، فإذا هو عظمٌ لنبيٍّ كانوا يتوسّلون به لنزول المطر، فبانت الحقيقة وزالت الشبهة وعاد الاطمئنان إلى الناس [ينظر: الفصول المهمة في معرفة الأئمّة ج2 ص1086].

ومنها: ما جرى مع الفيلسوف العراقيّ أبي إسحاق الكنديّ، الذي انشغل بتأليف كتابٍ يدّعي فيه وجود تناقضاتٍ في القرآن الكريم، اعتماداً على فهمه لبعض الظواهر اللغويّة للآيات، فلم يواجهْه الإمام (عليه السلام) بالمصادمة المباشرة، بل عالج أصل الإشكال بمنهجٍ علميّ هادئٍ؛ إذ طلب من أحد تلامذة الكنديّ أن يسأله: هل يمكن أنْ يكون مراد المتكلّم بالآيات غير المعاني التي فهمتها أنت؟ فتأمّل الكنديّ في السؤال، ثمّ اعترف بإمكان ذلك، وأنّ حمل الكلام على معنىً واحدٍ مع وجود احتمالاتٍ لغويّةٍ أخرى ليس لازماً. وعندما علم أنّ هذا الإشكال من الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) قال: «الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلَّا من ذلك البيت»، ثم أحرق ما ألّفه في هذا الباب [ينظر: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 457].

رابعاً: إثبات الإمامة وولادة الخلف المنتظر:

من أبرز محاور مشروع الإمام العسكريّ (عليه السلام) لتثبيت العقيدة الشيعيّة هو مواجهة فرية «العقم» التي روّجها العباسيّون لنفي وجود الخلف المنتظر، وقد اتخذ الإمام سلسلةً من الإجراءات الدقيقة:

1ـ بشّر بولادة الابن قبل حصولها لترسيخ الفكرة في الوعي الشيعيّ.

2ـ أعلن الولادة إعلاناً واسعاً عبر العقيقة وتوزيع اللحم ثلاثة أيّامٍ، ومراسلة خواص أصحابه بالخبر.

3ـ ذكر هوية والدته السيّدة نرجس بنت قيصر الروم، وأثبت أنّه يحمل اسم النبيّ وكنيته.

4ـ أشهد جمعًا من النسوة الصالحات الموثوقات على الولادة، مثل السيّدة حكيمة بنت الإمام الجواد (عليها السلام)، إضافة إلى ماريا ونسيم خادمتي الإمام.

5ـ عرض ابنه على جماعةٍ من وجوه الشيعة يبلغ عددهم أربعين رجلاً قائلاً: «هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا..» [كمال الدين ص435].

بل ظهر من الإمام المهديّ (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) الذي كان آنذاك صبيّ ما يثبت مقامه؛ إذ تذكر الروايات أنّه في سنّ الثالثة خاطب أحمد بن إسحاق القمّيّ قائلاً: «أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه» [كمال الدين ص384]، وقد دفعت هذه الإجراءات العباسيّين إلى اقتحام بيت الإمام مراراً بحثاً عن المولود، وهذا يكشف شدّة خوفهم من ولادة الإمام المهديّ (عليه السلام).

خامساً: تثبيت المرجعية الفقهيّة وإعداد العلماء:

وفي هذه المرحلة الحرجة، تركز جهد الإمام أيضاً على حماية الأمة من الانحرافات الفكرية والعقائديَّةِ وسدّ الفراغ الروحيّ والمعرفيّ المتوقع في زمن الغيبة، فقد أكمل ما أسّسه الأئمّة السابقون (عليه السلام)، وأمضاه الإمام المهديّ (عليه السلام).

ركّز الإمام العسكريّ على التحذير من التوقيت والشكّ، مؤكّداً أنّ الغيبة ستكون طويلةً، وأنّ الجاهلين سيحارون فيها، والمبطلين سيهلكون، والوقّاتون سيكذبون، وأرجعهم إلى العلماء، فقد بيّن الإمام العسكريّ (عليه السلام) أنّ العلماء يمسكون «أزمة قلوب ضعفاء شيعتنا كما يمسك صاحب السفينة سكانها»، وأنَّهم «الأفضلون عند الله»، ولولاهم لارتدّ الناس جميعاً [الاحتجاج ج1 ص9].

فقد حرص الإمام العسكريّ رغم قصر مدّة إمامته وشدَّة الرقابة على إعداد الكوادر العلميَّةِ تجاوب عن شبهات الناس الدينيَّةِ، فبلغ عدد من تخرّج على يديه من الرواة والفقهاء أكثر من مئتين وثلاثة عشر تلميذاً، منهم محمَّد بن الحسن الصفّار صاحب بصائر الدرجات الذي ألّف قرابة أربعين كتاباً، وإبراهيم بن عبدة النيسابوريّ، أيوب بن نوح بن درّاج النخعيّ، وأحمد بن إسحاق الرازيّ، وأحمد بن إسحاق القمّيّ الأشعريّ كان وكيلاً له بقمّ، وغيرهم من كبار علماء وفقهاء الإماميَّةِ.

من خلال تثبيت نظام المرجعية وإبراز صفات المرجع، سعى الإمام إلى مواجهة التيارات الفكريَّةِ المنحرفة وتعزيز وحدة الشيعة في ظلّ ظروف سجنه الصعبة، فقد جعل المرجعيَّةَ إطاراً يضمن استمرار الهداية، وربط الأمّة بقيادةٍ علميّةٍ راسخةٍ قادرةٍ على حماية العقيدة من الانحراف، وقد اعتمد في ذلك على توجيهاته الصادرة عبر المكاتبات إلى خاصّة أصحابه، فكان يضع الأسس التي تضمن ضبط المسار الفكريّ والعقائديّ للطائفة، ويواجه مباشرةً الاتجاهات الفكرية المعارضة ويُسقط شبهاتها. وهذه الجهود، مع سائر التدابير الأخرى التي قام بها الإمام، تشكّل مشروعاً واسعاً يحتاج تفصيله إلى مجالٍ أوسع، ونكتفي هنا بهذه الإشارة المجملة.

وبذلك مهّد الإمام العسكريّ (عليه السلام) الطريق لمرحلة الغيبة الكبرى، وضَمِن بقاء الأمة على خط الهداية دون انقطاعٍ، رغم محاولات العباسيين إفشال المشروع الإلهيّ.

للمزيد من البحث ينظر: كتاب حياة الإمام العسكريّ دراسة وتحليل للشيخ باقر شريف القرشيّ، وكتاب أعلام الهداية مجلّد الإمام العسكريّ.