هل يتعارض قوله: ﴿آوى إليه أبويه﴾ مع وفاة أم يوسف قبل ذلك؟
السؤال: ما هو التوجيه اللغويّ والتحقيق التاريخيّ لورود لفظ {أبويه} في النصّ القرآنيّ الكريم عند دخول آل يوسف (عليه السلام) مصر، بالنظر إلى ما تضافرت عليه الروايات والآثار من تقدّم وفاة أُمّه (راحيل) قبل هذا الحدث؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ أيَّدك الله ـ أنَّ في توجيه الآية الكريمة: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]، وجهين مأثورين بين أرباب التحقيق والتفسير، وبيانهما على نحو الصنعة العلميَّة الآتية:
الوجه الأوَّل - وهو العمدة والمشهور -: أنَّ المراد بـ {أبويه}: أبوه نبيّ الله يعقوب (عليه السلام) وخالته «ليا»؛ وذلك أنَّ أُمَّه «راحيل» كانت قد لبَّت داعي ربِّها في نفاس أخيه بنيامين ببلاد كنعان، ولم تشهد دخول مصر.
وقد استقرَّت كلمة المفسّرين من علمائنا ـ كالشيخ الطوسيّ وأبي عليّ الطبرسيّ ـ على أنَّ تنزيل الخالة منزلة الأُمّ مشغوفٌ به لسان العرب، ومعهودٌ في محاوراتهم ومجازاتهم الشائعة، وعماد هذا التوجيه يبتني على جهاتٍ ثلاث:
الأولى: أنَّ العرب إذا اجتمع لديهم امرأتان أو رجلٌ وامرأةٌ، أو شخصان بينهما وجه شبهٍ أو ملازمةٌ، أطلقوا على المجموع لفظ أحدهما تغليباً، كإطلاق "القمرين" على الشمس والقمر. وفي الآية الكريمة، ثُنّي الأب وأُريد به الأب والخالة، بجامع الحضانة والتربية والشفقة الكامنة في الخالة والتي تقرّبها من مرتبة الأُمّ الحقيقيَّة.
والثانية: يعضد هذا التنزيل في الكتاب العزيز قوله تعالى حكايةً عن بني يعقوب:﴿وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133]، حيث عُدَّ إسماعيل (عليه السلام) من الآباء وهو عمٌّ ليعقوب لا أبٌ مباشرٌ، فكما نُزِّل العمُّ منزلة الأب في القرآن، نُزِّلت الخالة منزلة الأُمّ هنا. ويؤيّده ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه: «يجعل الخالة بمنزلة الأم» [تهذيب الأحكام ج9 ص326]، ولما خرج النبيّ من مكة تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة (عليها السلام): دونكِ بنت عمّكِ، فحملتها، فاختصم فيها عليٌّ وزيدٌ وجعفرٌ، قال عليٌّ: أنا أخذتُها وأنا أحقُّ بها وهي بنت عمّي، وقال جعفرٌ: بنت عمّي وخالتُها في بيتي تحتي، وقال زيدٌ: بنت أخي، فقضى بها النبيُّ (صلى الله عليه وآله) لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» [بحار الأنوار ج38 ص328].
والثالثة: أنَّ يعقوب (عليه السلام) لمَّا نكح «ليا» بعد وفاة أختها، صارت المربيَّة ليوسف (عليه السلام)، وهي في العرف محمولهٌ على الأُمّ لحوقاً وحكماً، لقيامها مقامها في كفالة الناشئة والقيام بشؤون البيت، فدُعيت أُمّاً لذلك، ولا ينكر العرف إطلاق لفظ الأبوين على مَن يتولَّى التربية والرعاية كبراً وصغراً.
الوجه الآخر: ما ذهب إليه مشيخةٌ من مفسّري العامة - كالحسن البصريّ وابن إسحاق -: من أنَّ «راحيل» لم تكن قد ماتت حينئذٍ، بل تأخَّر حِمامُها إلى ما بعد دخول مصر، أو أنَّ الله تعالى أحياها من قبرها بعد موتها ليتحقَّق سجود الرؤيا لها تكرمةً ليوسف (عليه السلام)، فيكون السجود قد وقع من الأبوين الحقيقيَّين.
والتحقيق: أنَّ هذا الوجه يضعف ولا يقوى على مقابلة الوجه الأوَّل، بل هو ساقطٌ عن درجة الاعتبار؛ لورود الإجماع التاريخيّ والنقليّ المستفيض على تقدّم وفاتها ببلاد كنعان قبل شخوصهم إلى مصر بعقودٍ، ولا يُصار إلى القول بالإحياء إلَّا بدليلٍ قطعيٍّ صريحٍ يخلو منه المقام. فالمصير إلى التوجيه البلاغيّ والمجازيّ المتقدّم هو الأولى والأسدّ صناعةً وأثراً، وبه يرتفع الإشكال وينسجم اللفظ مع الواقع التاريخيّ.
[ينظر: تفسير التبيان ج6 ص192، تفسير مجمع البيان ج5 ص456، زبدة التفاسير ج3 ص412، تفسير الطبريّ ج16 ص267، تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص2201، تفسير روح المعاني ج7 ص55].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخِراً.
اترك تعليق