هل تتحدث آية المعارج عن مكان الله تعالى؟

السؤال: قال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} [المعارج: 1-4]. نقطتان نتوقَّف عندهما في هذه الآيات: النقطة الأولى: إنَّ الملائكة تحتاج إلى وقتٍ كي تصل إلى الله، إلى أين تعرج الملائكة؟ إلى المكان الذي يوجد فيه الله، وإلَّا لما احتاجت إلى معارج، إذاً الله موجودٌ في مكانٍ يمكن العروج إليه وليس موجوداً في كلّ مكان، أيّ صورةٍ من هاتين الصورتين هي الصحيحة؟ النقطة الثانية: إنَّ الله موجودٌ على بعد خمسين ألف سنة، هذا الوصف من القرآن، طبعاً بالنسبة للعرب مسيرة خمسين ألف سنة رقمٌ يفتح له الأعرابيّ فاه؛ لأنَّه لا يتصوَّر مداه أو يستطيع عقله استيعاب هذه المسافة، فالإنسان العاديّ يمشي بسرعة 6 كيلومتراتٍ في الساعة، إذاً ما هي المسافة التي سيقطعها الإنسان في خمسين ألف سنةٍ من المشي المتواصل؟ 6 *24*354*50000 = 2548800000 كم نحوِّلها لمقاييس السنين الضوئيَّة حيث سرعة الضوء 300000 كم / ثانية 2548800000 ÷ 300000 = 8496 ثانيةً ضوئيَّةً أي يساوي ساعتين ضوئيَّتين ونصف الساعة، والكون نصف قطره حوالي 6 مليار سنةٍ ضوئيَّةٍ، أي أنَّ الله موجودٌ في مكانٍ يمكن رصده فيه بالمنظار؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام لا ينطلق من فهمٍ صحيحٍ للآية، بل من إسقاط تصوُّراتٍ ماديَّةٍ عليها؛ حيث يتمّ التعامل مع ألفاظ القرآن وكأنَّها تتحدَّث بلغة الفيزياء والمسافات، ثمَّ تُبنى عليها حساباتٌ واستنتاجاتٌ لا علاقة لها بمقصود الآيات.

أوَّلاً: قوله: «الملائكة تعرج إلى الله، إذاً الله في مكان»، مبنيٌّ على فهمٍ حرفيٍّ ماديٍّ لكلمة {تَعْرُجُ}، وكأنَّها حركةٌ في الفراغ باتجاه نقطةٍ محدَّدةٍ. بينما النصّ القرآنيّ لا يثبت لله مكاناً بهذا المعنى أصلاً، بل يقرِّر قاعدةً واضحةً: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

فالعروج هنا لا يعني الانتقال إلى موقعٍ جغرافيٍّ، بل هو تعبيرٌ عن الانتقال من عالمٍ إلى عالمٍ، ومن مرتبة وجودٍ إلى مرتبةٍ أعلى. حتَّى في الاستعمال اللغويّ، نقول: رُفع الأمر إلى القاضي، ولا نقصد أنَّه صعد إليه صعوداً مكانيّاً، بل نقصد انتقاله إلى جهة الاختصاص.

ومن هنا فالسؤال: «إلى أين تعرج الملائكة؟» سؤالٌ مبنيٌّ على تصوُّرٍ غير صحيحٍ؛ لأنَّ «إلى الله» في النصوص الدينيَّة لا تعني الاتّجاه المكانيّ، بل تعني الرجوع إلى مصدر الأمر والتدبير. كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ}، ولا أحد يفهم من ذلك أنَّ الأمور «تسافر» إلى مكانٍ في الكون.

وثانياً: أمَّا قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، فقد تمَّ التعامل معه وكأنَّه مسافةٌ تُقاس بالكيلومترات، وهذا خطأٌ بيِّنٌ؛ لأنَّ النصّ يتحدَّث عن الزمن لا عن المسافة، بل وعن زمنٍ ليس من جنس زمننا الأرضيّ أصلاً. وقد أشار القرآن إلى هذا الاختلاف في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، ما يدلّ على أنَّ الزمن في تلك العوالم لا يُقاس بنفس مقاييسنا.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الحساب الذي قُدِّم لا قيمة له؛ لأنَّه قائمٌ على سلسلةٍ من الافتراضات الخاطئة: افتراض أنَّ «اليوم» هنا يومٌ أرضيٌّ، وأنَّ «الخمسين ألف سنة» تُقاس بحركة إنسانٍ بسرعةٍ محدَّدةٍ، وأنَّ «العروج» حركةٌ ماديَّةٌ في الفضاء. ومع تراكم هذه الافتراضات غير الصحيحة، تصبح النتيجة ـ مهما بدت دقيقةً حسابيّاً ـ منفصلةً تماماً عن معنى الآية ومقصدها.

وثالثاً: القفزة الكبرى في هذا الطرح هي الانتقال إلى القول: «إذاً يمكن رصد الله بالمنظار»، وهذه ليست نتيجةً علميَّةً، بل استنتاجٌ مبنيٌّ على تصوُّرٍ خاطئٍ من الأساس؛ إذ تمَّ التعامل مع الله وكأنَّه جسمٌ داخل الكون يخضع لقوانينه ويمكن تحديد موقعه، بينما النصوص الدينيَّة تؤكِّد بوضوحٍ أنَّ الله ليس جزءاً من هذا الكون حتَّى يُقاس أو يُرصد بأدواته، بل هو خالقه وموجده.

وفي المحصِّلة، ما قُدِّم ليس قراءةً للنصّ، بل إسقاطُ تصوُّرٍ ماديٍّ عليه ثمَّ محاكمته بناءً على هذا الإسقاط.