إخبار النبي (ص) بمقتل الحسين (ع) في مصادر العامة

السؤال: ما مدى ثبوت الروايات الواردة في إخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في مصادر أهل السُنَّة والجماعة، وما هي رتبتها الحديثيَّة من حيث الصحَّة والضعف؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيدك الله - أنَّ مصادر المخالفين العامَّة وثَّقت أحاديث مستفيضةً تؤكد إخبار النبيّ محمّدٍ (صلى الله عليه وآله) بمقتل سبطه الشهيد الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) قبل وقوع الفاجعة بعقودٍ. وقد وردت هذه الروايات عبر عدَّة طرقٍ وصحَّحها كبار الحفاظ والعلماء.

فيما يلي نستعرض لأبرز طرق هذه الروايات على النحو التالي:

الحديث الأول: حديث أمّ المؤمنين أمّ سلمة (رض):

أخرج ابن سعدٍ والطبرانيّ وابن أبي عاصمٍ والحاكم والبيهقيّ بالإسناد إلى عتبة بن عبد الله بن زمعة، عن أم سلمة: «أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) اضطجع ذات يومٍ، فاستيقظ وهو خاثر النفس، وفي يده تربةٌ حمراء يقلبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل (عليه السلام) أنَّ هذا ‌يقتل ‌بأرض ‌العراق - للحسين - فقلت لجبريل (عليه السلام): أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه تربتها» [الطبقات الكبرى ج6 ص417، الآحاد والمثاني ج1 ص310، المعجم الكبير ج3 ص109، المستدرك على الصحيحين ج4 ص440، دلائل النبوة ص554].

قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبيّ في التلخيص: (هذا على شرط البخاريّ ومسلمٍ) [المستدرك ج4 ص440].

وروى الطبرانيّ، عن أبي جعفرٍ الباقر (عليه السلام) عن أم سلمة نحوه [ينظر: المعجم الكبير ج3 ص105].

وروى ابن أبي شيبة والطبرانيّ وابن أبي عاصمٍ عن صالح بن أربد النخعيّ عن أمّ سلمة نحوه [ينظر: المصنف ج21 ص284، المعجم الكبير ج3 ص109، الآحاد والمثاني ج1 ص309].

وروى الطبرانيّ عن أبي وائلٍ شقيق بن سلمة عن أمّ سلمة نحوه [ينظر: المعجم الكبير ج3 ص108].

وروى ابن سعدٍ عن شهر بن حوشب عن أمّ سلمة نحوه [الطبقات الكبرى ج6 ص419].

الحديث الثاني: حديث أبي أمامة الباهليّ:

أخرج الطبرانيّ بالإسناد إلى أبي أمامة، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنسائه: ‌لا ‌تبكوا ‌هذا ‌الصبي - يعني حسيناً -، قال: وكان يوم أمّ سلمة، فنزل جبريل (عليه السلام)، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الداخل، وقال لأم سلمة: لا تدعي أحداً يدخل عليَّ، فجاء الحسين (عليه السلام)، فلما نظر إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) في البيت أراد أنْ يدخل، فأخذته أم سلمة، فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه، فلما اشتدَّ في البكاء خلَّت عنه، فدخل حتى جلس في حجر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال جبريل (عليه السلام): إنَّ أمتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): يقتلوننه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم، يقتلوننه، فتناول جبريل تربةً، فقال بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد احتضن حسيناً كاسف البال، مهموماً، فظنَّت أم سلمة أنَّه غضب من دخول الصبيّ عليه فقالت: يا نبيَّ الله، جعلت لك الفداء، إنَّك قلت لنا ‌لا ‌تبكوا ‌هذا ‌الصبي، وأمرتني أنْ لا أدع يدخل عليك، فجاء فخلَّيت عنه، فلم يردَّ عليها، فخرج إلى أصحابه وهم جلوسٌ، فقال لهم: إنَّ أمتي يقتلون هذا. وفي القوم أبو بكرٍ وعمر، وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبيَّ الله يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال: نعم، وهذه تربته. وأراهم إياها» [المعجم الكبير ج8 ص285].

قال الهيثميّ: (رواه الطبرانيّ، ورجاله موثّقون) [مجمع الزوائد ج9 ص189].

الحديث الثالث: حديث عائشة بنت أبي بكر:

أخرج أحمد بن حنبل بالإسناد إلى عبد الله بن سعيدٍ، عن أبيه، عن عائشة، - أو أمّ سلمة، قال: وكيعٌ شكَّ هو أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) قال لإحداهما -: «لقد دخل عليَّ البيت ملكٌ لم يدخل عليَّ قبلها، فقال: لي إنَّ ابنك ‌هذا ‌حسين ‌مقتولٌ فإنْ شئت آتيك من تربة الأرض التي يقتل بها قال: فأخرج إليَّ تربةً حمراء» [فضائل الصحابة ج2 ص770، مسند أحمد ج44 ص144].

قال الهيثميّ: (رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح) [مجمع الزوائد ج9 ص187].

وروى أبو العرب والبيهقيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة نحوه [ينظر: المحن ص163، دلائل النبوة ج6 ص470].

وروى الطبرانيّ عن عروة بن الزبير عن عائشة نحوه [ينظر: المعجم الكبير ج3 ص107].

وروى ابن سعدٍ عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقبُريّ عن عائشة نحوه [ينظر: الطبقات الكبرى ج6 ص418].

الحديث الرابع: حديث عبد الله بن عبّاس (رض):

أخرج أبو بكرٍ الشافعيّ والحاكم بالإسناد إلى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «أوحى الله تعالى إلى محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنِّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، ‌وإني ‌قاتلٌ ‌بابن ‌ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً». هذا لفظ حديث الشافعيّ، وفي حديث القاضي أبي بكر بن كاملٍ: «إنِّي قتلت على دم يحيى بن زكريا، وإنِّي قاتلٌ على دم ابن ابنتك» [الغيلانيات ص368، المستدرك ج3 ص195].

قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبيّ في التلخيص: (على شرط مسلمٍ).

الحديث الخامس: حديث أنس بن الحارث:

أخرج أبو نعيمٍ الأصبهانيّ بالإسناد إلى الأشعث بن سحيمٍ، عن أبيه، عن أنس بن الحارث قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنَّ ‌ابني ‌هذا ‌يقتل ‌بأرض ‌العراق فمن أدركه منكم فلينصره قال: فقتل أنسٌ مع الحسين (عليه السلام)» [دلائل النبوة ص554].

الحديث السادس: حديث زينب بنت جحشٍ زوج النبيّ (ص):

أخرج الطبرانيّ بالإسناد إلى أبي القاسم - مولى زينب -، عن زينب بنت جحشٍ: «أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان نائماً عندها ‌وحسينٌ ‌يحبو ‌في ‌البيت، فغفلت عنه فحبا حتى بلغ النبيَّ (صلى الله عليه وآله)، فصعد على بطنه.. قالت: توضَّأ ثم قام يصلي، واحتضنه، فكان إذا ركع وسجد وضعه، وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو ويرفع يديه ويقول: فلما قضى الصلاة قلت: يا رسول الله لقد رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه، قال: إنَّ جبريل أتاني وأخبرني أنَّ ابني يقتل، قلت: فأرني إذاً فأتاني تربةً حمراء» [المعجم الكبير ج24 ص54].

الحديث السابع: حديث أنس بن مالكٍ الأنصاريّ:

أخرج أحمد بالإسناد إلى ثابتٍ البنانيّ، عن أنس بن مالكٍ: «أنَّ ملك المطر استأذن ربَّه أنْ يأتي النبيَّ (صلى الله عليه وآله)، فأذن له، فقال لأم سلمة: املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحدٌ. قال: وجاء الحسين ليدخل، فمنعته، فوثب، فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلى منكبه، وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبيّ (صلى الله عليه وآله): أتحبّه؟ قال: نعم قال: أمَّا إنَّ أمتك ستقتله، وإنْ شئت أريتك المكان الذي يقتل به، فضرب بيده، فجاء بطينةٍ حمراء، فأخذتها أم سلمة فصرَّتها في خمارها» [مسند أحمد ج21 ص172].

قال الهيثميّ: (رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبرانيّ بأسانيد، وفيها عمارة بن زاذان، وثَّقه جماعةٌ، وفيه ضعفٌ، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح) [مجمع الزوائد ج9 ص187].

الحديث الثامن: حديث معاذ بن جبلٍ:

أخرج الطبرانيّ بالإسناد إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ معاذ بن جبلٍ أخبره، قال: «خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) متغير اللون، فقال: أنا محمدٌ، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله عزَّ وجلَّ، أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، أتتكم بالروح والراحة، كتابٌ من الله سبق، أتتكم فتنٌ كقطع الليل المظلم، كلما ذهب رسلٌ جاء رسلٌ، تناسخت النبوة فصارت ملكاً، رحم الله من أخذها بحقها، وخرج منها كما دخلها، أمسك يا معاذ وأحصِ. قال: فلما بلغت خمسةً قال: يزيد لا يبارك الله في يزيد. ثم ذرفت عيناه (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: ‌نعي ‌إليَّ ‌حسينٌ، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قومٍ لا يمنعونه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلَّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً. ثم قال: واهاً لفراخ آل محمدٍ (صلى الله عليه وآله) من خليفةٍ مستخلفٍ مترفٍ، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ». فلما بلغت عشرةً قال: الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام بين يديه، رجلٌ من أهل بيتٍ يسلّ الله سيفه فلا غماد له، واختلف الناس فكانوا هكذا، وشبَّك بين أصابعه، ثم قال: بعد العشرين ومئةٍ موتٌ سريعٌ، وقتلٌ ذريعٌ، ففيه هلاكهم، ويلي عليهم رجلٌ من ولد العباس» [المعجم الكبير ج3 ص120].

الحديث التاسع: حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ (رض):

أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن جده عن جابر بن عبد الله. قال: وحدثنا مرةً أخرى عن أبيه، عن جابرٍ، قال: «رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يفحج ‌بين ‌فخذي ‌الحسين ويقبّل زبيبته ويقول: لعن الله قاتلك، قال جابرٌ: فقلت: يا رسول الله، ومن قاتله؟ قال: رجلٌ من أمتي، يبغض عترتي، لا تناله شفاعتي، كأنَّ بنفسه بين أطباق النيران يرسب تارةً ويطفو أخرى، وإنَّ جوفه ليقول غق غق» [تأريخ دمشق ج14 ص224].

قال الهيثميّ: (رواه الطبرانيّ، وإسناده حسنٌ) [مجمع الزوائد ج9 ص186].

خُلاصة القول:

إنَّ ما سُقناه في هذا الموضع يُمثّل طائفةً من الأحاديث المروية في مصادر العامَّة، الناصَّةِ على إخبار النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمقتل سبطه الشهيد الحسين بن عليّ (عليه السلام).

وقد آثرنا الاقتصار على تسعة أحاديث طلباً للاختصار ومنعاً للإطالة، مع إحالة القارئ الكريم بغيةَ التوسع والاستفاضة إلى كتاب: (بكاء الرسول على الحسين (عليه السلام) برواية أهل السُنَّة والجماعة بالأسانيد الصحيحة والحسنة).