دور الإمام الحسين (ع) في حروب أبيه الثلاث

السؤال: هل كان للإمام الحسين (عليه السلام) دورٌ في معارك أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) الثلاث: الجمل وصفِّين والنهروان؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن بعيداً عن ميادين الجهاد والدفاع عن الإسلام، بل كان من أبرز المشاركين في الحروب التي خاضها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي الجمل وصفِّين والنهروان، وقد وقف إلى جانب أبيه وقفة الناصر المخلص، مؤدِّياً دوراً فاعلاً في تثبيت أركان الدولة العلوية ومواجهة أهل الفتنة والضلال، كما استمرَّ بعد ذلك في مؤازرة أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، فكان عضده وسنده في مختلف المواقف.

وتكشف النصوص التاريخيَّة والروايات المعتبرة عن حضوره المؤثِّر وشجاعته المعروفة وإخلاصه المطلق، بما يعكس مكانته العظيمة ودوره الريادي في حفظ الدين والدفاع عن الحق، نذكر قسماً منها.

الأول: دوره (ع) في معركة الجمل:

1ـ رواية خليفة بن خيَّاط البصريّ: «قال أبو اليقظان: كانت راية عليٍّ مع ابنه محمَّد بن عليّ، قال أبو عبيدة: على الخيل عمَّار بن ياسر، وعلى الرجالة محمَّد بن أبي بكر، وعلى الميمنة، وهم ربيعة البصرة والكوفة، علباء بن الهيثم السدوسيّ، ويقال: عبد الله بن جعفر. وعلى الميسرة، وهم مضر البصرة ومضر الكوفة، الحسن بن عليّ. قال: ويقال: على الميمنة الحسن، وعلى الميسرة الحسين بن عليّ» [تاريخ خليفة ص184، وينظر: دعائم الإسلام ج1 ص393].

2ـ ورواية محمَّد بن زكريا البصريّ: «فقال عليٍّ: اعقروا الجمل، فإنَّه شيطانٌ. فشدَّ عليه الحسن بن عليّ فقطع يده اليمنى، وشدَّ الحسين فقطع يده اليسرى، وشدَّ محمَّد بن الحنفية فقطع رجله اليمنى، وشدَّ عبد الرحمن بن طود فضرب رجله اليسرى ولم يفصلها» [وقعة الجمل ص44].

3ـ وروى المسعوديّ عن المنذر بن الجارود قال: «لما قدم عليٌّ (رضي الله عنه) البصرة دخل مما يلي الطفَّ ... إلى قوله: وهذه صفة رجلٍ شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق... وعن يمينه شابٌّ حسن الوجه، وعن يساره شابٌّ حسن الوجه، وبين يديه شابٌّ مثلهما، قلت: من هؤلاء؟ قيل: هذا علي ابن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله» [مروج الذهب ج2 ص359ـ361، وينظر: وقعة الجمل لبن شدقم ص125].

4ـ وروى أيضاً: «وبعث بعبد الله بن عبَّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة ... إلى قوله: فقالت: أبيت ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى عليٍّ، فخبَّره بامتناعها... إلى قوله: وجهَّزها عليٌّ وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين» [مروج الذهب ج2 ص361].

إلى غير ذلك من صور حضوره (عليه السلام) في معركة الجمل، كما لا يخفى.

الثاني: دوره (ع) في معركة صفِّين:

1ـ روى نصر بن مزاحم المنقريّ بسنده إلى أبي روق قال: «قال زياد بن النضر الحارثيّ لعبد الله بن بديل بن ورقاء: إنَّ يومنا ويومهم ليومٌ عصيبٌ... إلى قوله: ثمَّ إنَّ علياً صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد... إلى قوله: ونحن سائرون إنْ شاء الله إلى من سفه نفسه، وتناول ما ليس له وما لا يدركه، معاوية وجنده، الفئة الباغية الطاغية... ثمَّ قام الحسين بن عليّ خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: يا أهل الكوفة، أنتم الأحبة الكرماء، والشعار دون الدثار، جدُّوا في إحياء ما دثر بينكم، وإسهال ما توعَّر عليكم، وألفة ما ذاع منكم ألا إنَّ الحرب شرُّها ذريعٌ، وطعمها فظيعٌ، وهي جرعٌ متحسَّاةٌ، فمن أخذ لها أهبتها، واستعدَّ لها عدَّتها، ولم يألم كلومها عند حلولها، فذاك صاحبها. ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها، فذاك قَمِنٌ ألَّا ينفع قومه، وأنْ يهلك نفسه. نسأل الله بعونه أنْ يدعمكم بألفته، ثمَّ نزل» [وقعة صفِّين ص111ـ115].

2ـ وروى ابن شهر آشوب قائلاً: «وكان نزوله (عليه السلام) بصفِّين لليالي بقين من ذي الحجَّة سنة ست وثلاثين... إلى قوله: فلما استهلَّ صفر سنة سبع وثلاثين أمر عليٌّ فنودي بالشام والاعذار والانذار. ثمَّ عبَّأ عسكره فجعل على ميمنته الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومسلم بن عقيل، وعلى ميسرته محمَّد بن الحنفية ومحمَّد ابن أبي بكر وهاشم بن عتبة المرقال» [مناقب آل أبي طالب ج2 ص352].

3ـ وروى الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحيّ أنَّه: «نُقل عن لوط بن يحيى في تاريخه، قال: قال عبد الله بن قيس بن ورقة: كنت ممَّن غزا مع أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في صفِّين، وقد أخذ أبو أيوب الأعور السلميّ الماء وحرزه عن النَّاس، فشكى المُسلمون العطش، فأرسل فوارس على كشفه، فانصرفوا خائبين فضاق صدره، فقال له ولده الحسين (عليه السلام): أمضي إليه يا أبتاه؟ فقال: امض يا ولدي. فمضى مع فوارس، فهزم أبا أيوب عن الماء وبنى خيمته وحطَّ فوارسه، وأتى إلى أبيه وأخبره، فبكى عليٌّ (عليه السلام) فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، وهذا أوَّل فتح بوجه الحسين؟ قال: صحيحٌ يا قوم، ولكن سيُقتل عطشاناً بطف كربلاء حتَّى تنفر فرسه وتحمحم وتقول: الظليمة الظليمة من أمة قتلت ابن بنت نبيها» [المنتخب ج2 ص282].

إلى غير ذلك من صور حضوره (عليه السلام) في معركة صفِّين، كما هو واضحٌ.

الثالث: دوره (ع) في معركة النهروان:

1ـ قال العلَّامة الشيخ باقر القرشيّ - بعد سرده جملةً من تفاصيل حرب النهروان - ما هذا لفظه: «لقد واكب الإمام الحسين (عليه السلام) هذه الأحداث المفزعة التي جرت على أبيه ووقف على واقعها، وقد استبان له كراهية القوم لأبيه، لأنَّه لم يداهن في دينه، وأراد أنْ يحمل الناس على الحق المحض والعدل الخالص، ولا يدع محروماً ولا مظلوماً في البلاد» [حياة الإمام الحسين ج3 ص99].

2ـ وجاء في أعلام الهداية ما لفظه: «قاتل الإمام الحسين (عليه السلام) في معركة صفِّين كما قاتل في معركة الجمل... وتفيد الأخبار بأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ظلَّ مع أبيه بعد صفِّين أيضاً في جميع الأحداث، مثل قضية التحكيم ومعركة النهروان» [أعلام الهداية ج5 ص74].

وبالجملة، فقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بدور بارزٍ ومؤثِّرٍ في الحروب الثلاث التي خاضها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتنوَّعت مشاركاته فيها بحسب مقتضيات الموقف، فتارةً نجده خطيباً وواعظاً يوجَّه الناس ويثبتهم، وأُخرى قائداً يتولَّى الميمنة أو الميسرة، وتارةً يسهم في تأمين الماء للجيش، وأُخرى يشارك بنفسه في ميادين القتال، إلى جانب سائر وجوه الحضور الفاعل والمؤثِّر، كما تقدَّم بيانه.

بقي شيء:

وهو أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رجوعه من قتال الخوارج في النهروان جهَّز لقتال معاوية من جديد، وقد هيَّأ جيشاً لذلك وعقد الألوية، وقد جعل الإمام الحسين (عليه السلام) على عشرة آلاف فارسٍ.

فقد روى الزمخشريّ عن نوف البكاليّ قال: «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة وهو قائمٌ على حجارة نصبت له... إلى قوله: ثمَّ نادى بأعلى صوته: الجهاد عباد الله، ألا وأني معسكرٌ في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج. فعقد للحسين في عشرة آلاف، ولقيس بن سعدٍ في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاريّ في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أُخر، وهو يريد الرجعة إلى صفِّين» [ربيع الأبرار ج5 ص192]. وزاد ابن شهر آشوب على هذا بقوله: «فما دارت الجمعة حتَّى ضربه الملعون ابن ملجم فتراجعت العساكر» [مناقب آل أبي طالب ج2 ص374].

والنتيجة النهائية من مجموع ما تقدَّم، أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد شارك في حروب أبيه الثلاث، وكان له فيها حضورٌ بارزٌ ودورٌ فاعلٌ ومؤثِّرٌ، تجلَّى في مختلف الميادين، بما يكشف عن مكانته العظيمة وجهاده إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام).. والحمد لله ربِّ العالمين.