هل راية الحسين (ع) حقد أم ذاكرة عدل؟

السؤال: رفع راية الحزن على قبَّة حسين بن علي هو تقليدٌ سنويٌّ شيعيٌّ، تكريساً لـ «مظلوميةٍ تاريخيةٍ مزعومةٍ»، تستغل لإذكاءِ الحقد والكراهية، واستدعاءً لسرديات الثأر والانتقام التاريخيِّ من العرب الذين يعتبرون في الموروث الشيعيِّ الفارسيِّ مسؤولين عن إحباط ثورة الحسين وسلب ما يعتقدون أنَّه «حقٌّ إلهيٌّ» لآل البيت!

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام لا يناقش راية الحزن على قبَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، بل يحاول أنْ يهرب من كربلاء نفسِها عبر اتّهام الذاكرة الحسينيّة بأنَّها مشروعُ حقدٍ وانتقامٍ. والمشكلة الأساسيّة في هذا الطرح أنَّه يخلط ـ عمداً أو جهلاً ـ بين إحياء المظلوميّة وبين صناعة الكراهيّة، وبين إدانة القاتل وبين معاداة قوميّةٍ كاملةٍ، وبين الحزن الأخلاقيِّ على جريمةٍ تاريخيّةٍ وبين الثأر القبليِّ.

أوّلاً:

وصف مظلومية الحسين بأنَّها «مزعومةٌ» مكابرةٌ على التاريخ قبل أنْ تكون إساءةً إلى الشيعة، فمقتل الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء، وقتل أهل بيتِه وأصحابِه، وسبي عيالِه، ليستْ روايةً شيعيّةً خاصَّةً، ولا أسطورةً فارسيّةً، ولا حكايةً اخترعتْها المنابر، بل هي واقعةٌ ثابتةٌ في كتب المسلمين على اختلاف مذاهبِهم. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يحزن الشيعة على الحسين (عليه السلام)؟ بل: كيف يستطيع مسلمٌ أنْ لا يرى في قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) جريمةً كبرى تستحق أنْ تبقى في ضمير الأمة؟

وثانياً:

رفع راية الحزن ليس إعلانَ حربٍ على أحد، بل إعلانُ موقفٍ أخلاقيٍّ من الظلم. كلّ الأمم ترفع أعلام الحداد، وتقيم نصباً تذكاريّةً لضحاياها، وتحيي ذكرى المظلومين والشهداء، ولا يقال عنها إنَّها تصنع الكراهيّة. فلماذا يصبح الحزن على الحسين (ع) وحدَه تهمةً؟ هل المطلوب أنْ يُقتل ابن بنت رسول الله (ص)، وتُسبى عيالُه، ثم نبتسم باسم «الوحدة» ونصمت باسم «عدم إثارة التاريخ»؟ أيّ وحدةٍ هذه التي تشترط دفن الضحيّة، وتبييض وجه الجلّاد، ومصادرة حقّ الناس في البكاء على المظلوم؟

وثالثاً:

القول إنَّ الشيعة يستدعون «سرديّات الثأر والانتقام من العرب» كلامٌ ساقطٌ من أساسِه؛ لأنَّ الحسين (ع) نفسَه عربيٌّ، وقرشيٌّ، وهاشميٌّ، وابن فاطمة بنت رسول الله (ص). وأصحابُه الذين قُتلوا معَه كان فيهم العرب، وأنصارُه عبر التاريخ كان فيهم العرب والعجم، والشيعة العرب منذ القرون الأولى إلى اليوم هم من أكبر حملة الذاكرة الحسينيّة. فكيف تكون كربلاء مشروعاً «فارسياً ضدَّ العرب» والحسين عربيٌّ، وأهل بيتِه عرب، وكثيرٌ من شيعتِه عرب، وكثيرٌ من قاتليه لمْ يُدانوا لأنَّهم عرب، بل لأنَّهم ظلمةٌ وقتلةٌ؟

التشيع لا يحمل العرب مسؤوليّة قتل الحسين (ع) بوصفهم عرباً، وإنَّما يحمل المسؤوليّة لمَنْ أمر وقتل وشارك وبرّر وخذل، وهذه قاعدةٌ قرآنيّةٌ قبل أنْ تكون شيعيّةً: القرآن لا يدين الأقوام بأعراقِهم، وإنَّما يدين الظالمين بأفعالِهم. فحين يذكر القرآن قتل بني إسرائيل للأنبياء لا يعني ذلك أنَّ الدين يعلّم كراهيّةً عرقيّةً لليهود، بل يعني إدانة فعل الظلم والقتل. وكذلك حين تُذكر كربلاء، لا تكون الإدانة للعرب كأمّةٍ، وإنَّما للذين قتلوا الحسين (ع) أو رضوا بقتلِه أو جعلوا من الجريمة سياسةً وديناً.

ورابعاً:

محاولة تحويل كربلاء إلى «حقدٍ شيعيٍّ فارسيٍّ على العرب» ليستْ قراءةً للتاريخ، بل دعايةٌ أمويّةٌ معاصرةٌ بثوبٍ قوميٍّ؛ لأنَّ جوهر كربلاء لمْ يكنْ صراعاً بين عرب وفرس، بل صراعاً بين منطقين: منطق الحسين (ع) الذي رفض تشريع الاستبداد، ومنطق السلطة التي أرادتْ من الأمّة أنْ تبايع يزيد ولوْ بالقهر. الحسين (ع) لمْ يخرجْ لينتقم من العرب، ولمْ يرفعْ شعاراً قوميّاً، ولمْ يؤسّسْ مشروعَ كراهيّةٍ، بل قال بوضوح: «إني لمْ أخرجْ أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي» [بحار الأنوار ج44 ص329]. فمنْ أراد أنْ يفهم كربلاء فليقرأْها من هذا الباب، لا من باب التحريض القوميِّ الرخيص. ومنْ ثمَّ أنَّ الفرس لمْ يتبنَّوا قضية الإمام الحسين (ع) إلّا في قرونٍ متأخّرةٍ بعد أنْ وصل لهم التشيّع من العراق وجبل عامل في لبنان.

وخامساً:

الحزن على الحسين (ع) ليس مشكلةً، المشكلة أنَّ هناك مَنْ ينزعج من بقاء الجريمة مكشوفةً، فبعض الناس لا يزعجُه الدم الذي سُفك، بل تزعجُه الذاكرة التي ترفض نسيان الدم. لا يزعجُه أنَّ الحسين قُتل، بل يزعجُه أنَّ الحسين لا يزال حيّاً في الضمير. لا يزعجُه أنَّ يزيد حكم بالسيف، بل يزعجُه أنَّ رايةً فوق قبة الحسين (ع) تذكّر الناس بأنَّ السلطة إذا انفصلتْ عن العدل تحولتْ إلى كارثةٍ.

وسادساً:

أمّا الكلام عن «الحقِّ الإلهيِّ لآل البيت» فهو تشويهٌ متعمّدٌ لعقيدة الإمامة؛ الشيعة لا يتحدثون عن امتيازٍ عائليٍّ ولا عن ملكٍ وراثيٍّ، بل عن امتدادٍ دينيٍّ لقيادة النبيِّ (ص) في حفظ الدين وبيان معالمه، ومنْ لا يقبل بهذه العقيدة فله أنْ يناقشها علميّاً، بالدليل والبرهان، لا أنْ يحولها إلى شبهةٍ قوميةٍ رخيصةٍ عن الفرس والعرب.

ثمَّ إنَّ حبَّ أهل البيت (ع) ليس اختراعاً شيعيّاً، بل أصلٌ قرآنيٌّ ونبويٌّ، قال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]. فهل صارتْ مودة قربى النبيِّ (ص) حقداً؟ وهل صار الحزن على ابن فاطمة (ع) مشروعَ انتقامٍ؟

الحقيقة أنَّ راية الحزن على قبة الحسين (ع) لا تقول للناس: اكرهوا العرب، ولا تقول: انتقموا من التاريخ، بل تقول: لا تصالحوا الظلم، لا تبرّروا قتل الأبرياء، لا تجعلوا السلطة فوق القيم، ولا تسمحوا للجلّاد أنْ يكتب التاريخ وحده.

ومن العجيب أنَّ الذي يتّهم الحزن الحسينيَّ بإذكاءِ الكراهيّة لا يرى الكراهيّة في قتل الحسين (ع)، ولا في سبي نسائِه، ولا في تبرير جريمة كربلاء، ولا في تحويل يزيد إلى «أمير مؤمنين»، وإنَّما يراها فقط في دمعة المظلوم وراية الحداد. وهذا يكشف أنَّ المشكلة ليستْ مع الحزن، بل مع الحقيقة التي يفضحها هذا الحزن.

فليستْ كربلاء مظلوميّةً مزعومةً، بل جرحٌ حقيقيٌّ في ضمير الإسلام، وليست الراية الحمراء رايةَ حقدٍ، بل رايةَ وفاءٍ، وليستْ ذكرى عاشوراء دعوةً إلى الانتقام، بل دعوةً إلى أنْ لا يتحوّل المسلم إلى شاهدِ زورٍ على الظلم. ومَنْ لمْ يفهم الفرق بين الذاكرة الأخلاقيّة والكراهيّة، فمشكلتُه ليستْ مع الشيعة، بل مع معنى العدالة نفسِه.