امتناع أبي الفضل العباس (ع) عن شرب الماء
السؤال: يذكر المؤرخون والخطباء أنَّ أبا الفضل العباس (عليه السلام) لمَّا وصل إلى المشرعة واغترف غرفةً من الماء تذكَّر عطش أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) فألقى الماء على الماء. هل في عدم شربِه (عليه السلام) محذورٌ شرعاً أو عقلاً؟ ثمَّ أليس كان الأنسب أنْ يشرب ليتقوَّى على قتال الأعداء؟!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أصلُ الحادثة نقلها أبو مخنفٍ الأزديُّ في مقتله، ونقلها صاحبُ البحار بعنوان في بعض تأليفات أصحابنا. [ينظر: مقتل الحسين (ع) ص179، بحار الأنوار ج45 ص41].
وليس فيما فعله (عليه السلام) أيُّ محذورٍ عقليٍّ أو شرعيٍّ، بل هو الراجح كما سيتضح:
أوّلاً:
لمْ يبلغ عطشُه (عليه السلام) حدّاً يخاف معه على حياته من الهلاك بحيث يوجب عليه الشرب، كيف؟ وقد استمرَّ بعد ذلك بمقاتلة الأعداء قتال الأبطال ولمدةٍ ليست بالقصيرة، ومن كانت حالُه هكذا لمْ يكنْ ليهلكه العطش.
وثانياً:
إنَّ العقلاء يتحملون جملةً من الأضرار في سبيل غاياتهم المعقولة، وليس ذلك من الضرر المنفي، وهو أجنبيٌّ عن قاعدة لزوم دفع الضرر العقلية؛ لأنَّ دائرة هذه القاعدة التعرُّض للأضرار والأخطار المعتدِّ بها مع عدم وجود مسوِّغ ومرجِّح وملاكٍ أهمَّ شرعي أو عقلي؛ كدفع ضررٍ أهمَّ وأبلغ.
وأمّا تصوّر أنَّه كان الأليق بحاله (عليه السلام) أنْ يشرب؛ ليتقوى أكثر على مقاتلة الأعداء، فهو تصوّرٌ غيرُ صائب في مثل المقام، بل ما قام به (عليه السلام) هو الأليق بحاله آنذاك، والموافق للبصيرة النافذة التي كان يتمتع بها، لما يلي:
أوّلاً:
إنَّ شربة الماء لمْ تكنْ لتغير في المعادلة والنتيجة النهائية للمعركة، بينما الامتناع هو الذي سيؤسس لمعنىً عميق في الإيثار وشدة الوفاء والفداء لمْ يسبقْ له نظيرٌ تقتدي به الأجيالُ المتلاحقة في إيمانها وصمودها ودفاعها.
وثانياً:
إنَّ ما يتصوره السائل أنسبُ هو الموقفُ الذي يلتزم به أكثرُ الناس في أمثال هذه المواقف؛ حيث لا يقدِّمون في مضمار سباق القيم والحاجات الشخصية إلَّا الثانية، لكنَّ أولياء الله ومن تأثر بهم يريدون أنْ يرفعوا الإنسان إلى سماء أخرى، ذات آفاقٍ أرحب، لا سيما في كيفية العلاقة والتعامل مع أئمتنا وقادتنا (صلوات الله عليهم)، وبالفعل قدْ وجد أبو الفضل العباس (عليه السلام) في شربه للماء والإمام الحسين (عليه السلام) وذراريه ونسائه عطاشى أمراً منافياً لدينه وديدنه وهذا ما نطق به الشعرُ الذي نقل عنه حينها؛ حيث يقول:
يا نفسُ من بعد الحسين هوني * وبعده لا كنتِ أنْ تكوني
هذا الحسينُ واردُ المنون * وتشربين باردَ المعين
واللهِ ما هذا فعالُ ديني * ولا فعالُ صادق اليقين
[ينابيع المودة ص67]
ينظر: من قضايا النهضة الحسينية ج2 ص235، رسائل الشعائر الحسينية ج2 ص400.
اترك تعليق