هل يجوز لعن يزيد بن معاوية؟

السؤال: ما هو جوابكم عن كلام الغزاليّ في كتابه (إحياء علوم الدين)، حيث ذهب إلى عدم جواز لعن يزيد بن معاوية؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ عمدة ما استدلَّ به أبو حامدٍ الغزاليّ على عدم جواز لعن يزيد بن معاوية هو أنَّ اللعن بالتعيين والتشخيص غير جائزٍ، ولعن يزيد بن معاوية من ذلك، فلا يجوز لعنه. على أنَّه لم يثبتْ قتله الإمام الحسين (عليه السلام) أو أمره بقتله؛ ولذلك فلا يجوز لنا لعن يزيد، لما قلناه آنفاً.

قال ما نصُّه:

(وعلى الجملة، ففي لعن الأشخاص خطرٌ فليجتنب، ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلاً، فضلاً عن غيره.

فإنْ قيل: هل يجوز لعن يزيد؛ لأنّه قاتل الحسين أو أمر به؟

قلنا: هذا لم يثبت أصلاً، فلا يجوز أنْ يقال إنّه قتله أو أمر به، ما لم يثبت، فضلاً عن اللعنة؛ لأنّه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق ... إلى آخر كلامه) [إحياء علوم الدين ج3 ص124].

إذا بان هذا ـ عزيزي السائل ـ فلنا بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمورٍ، ومن الله تعالى نستمد العون والقدرة.

الأمر الأوَّل: مشروعيَّة اللعن:

لا يخفى أنَّ أصل مشروعيَّة اللعن أمرٌ متَّفقٌ عليه بين المسلمين كافَّةً، وقد دلَّ عليه الكتاب الكريم والسنة المطهَّرة، نذكر بعضاً من ذلك:

1ـ قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78].

2ـ وقوله سبحانه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمرْجِفُونَ فِي الْمدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب: 60].

3ـ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

إلى غيرها من الآيات الواردة في هذا المعنى.

4ـ وروى البخاريّ بسنده الصحيح عن عون بن أبي جحيفة قال: «رأيت أبي اشترى حجَّاماً فأمر بمحاجمه فكُسِرت، فسألته عن ذلك، قال: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب، وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصوِّر» [صحيح البخاريّ ج2 ص780].

إلى غيره من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.

الأمر الثاني: اللعن بالتعيين:

اختلف علماء الإسلام في مسألة اللعن بالتعيين وذكر الشخص المعيَّن ممّن لم يرد النص بلعنه، فذهبت الإماميَّة إلى جوازه قولاً واحداً، بينما اختلف أهل العامَّة فيه، حيث منع منه الأكثر - لاحتمال التوبة -، وأجازه البعض، ومنه يظهر أنَّ المسألة ليست محلَّ وفاقٍ عندهم.

والحقُّ هو الجواز مطلقاً، لما يلي:

أوَّلاً: إنَّ لعن الكافرين والظالمين والفاسقين وغيرها من العناوين يُراد منه الأفراد جزماً؛ إذْ لا معنى للعن العنوان بما هو عنوانٌ، ولذلك فالمقصود من هذه العناوين الملعونة هو الأفراد الخارجيَّة كزيدٍ وعمر وخالدٍ وغيرهم، وهذا يرجع ـ بالحقيقة ـ إلى اللعن بالتعيين، كما هو واضحٌ.

وثانياً: ما ورد في كلمات القوم وأحاديثهم الصحيحة من لعن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وغيره لبعض الأشخاص بالتعيين، من ذلك:

1ـ ما رواه ضياء الدين المقدسيّ بسنده عن نصر بن عاصمٍ الليثيّ، عن أبيه قال: «دخلت مسجد المدينة فإذا الناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، قال: قلت: ماذا؟ قالوا: كان رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يخطب على منبره، فقام رجلٌ فأخذ بيد أبيه فأخرجه من المسجد، فقال رسول الله: لعن الله القايد والمقود، ويلٌ لهذه الأمَّة من فلانٍ ذي الأستاه» [الأحاديث المختارة ج8 ص179].

أقول: والمراد من الرجلين الذين لعنهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالتعيين هما معاوية وأبوه، ولكنَّ القوم أبدلوا ذلك بلفظ رجلٍ وأبيه.

2ـ وما رواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ ـ صحَّحه الحاكم والذهبيّ ـ عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: «إني رأيتني على تلٍّ وحولي بقرٌ تنحر، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك لتكونن حولك ملحمةٌ، قالت: أعوذ بالله من شرِّك، بئس ما قلت، فقلت لها: فلعلَّه إنْ كان أمراً سيسوؤكِ، فقالت: والله لأنْ أخر من السماء أحب إليَّ من أنْ أفعل ذلك، فلما كان بعد ذُكر عندها أنَّ عليّاً (رضي الله عنه) قتل ذا الثدية، فقالت لي: إذا أنت قدمت الكوفة فاكتب لي ناساً ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد، فلما قدمت وجدت الناس أشياعاً فكتبت لها من كلِّ شيعٍ عشرةً ممن شهد ذلك، قال: فأتيتها بشهادتهم فقالت: لعن الله عمرو بن العاص، فإنه زعم لي أنّه قتله بمصر» [المستدرك على الصحيحين ج4 ص14].

3ـ وما رواه الطبريّ من لعن يزيد لعُبيد الله بن زيادٍ، ونصُّه: «فبغَّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البرُّ والفاجر، لما استعظم الناس من قتلي حُسيناً، مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه» [تاريخ الطبريّ ج3 ص365].

4ـ وما حكاه شمس الأئمَّة السرخسيّ، ونصُّه: (والذي روي أنَّ سمرة بن جندبٍ ... كان يتدلَّك بدُرْدِيِّ الخمر في الحمام، فقد أنكر عليه عمر ... ذلك حتَّى لعنه على المنبر لما بلغه ذلك عنه، وليس لأحدٍ أنْ يأخذ بذلك بعدما أنكره عمر) [المبسط ج24 ص20].

إلى غير ذلك من موارد اللعن بالتعيين، كما لا يخفى على المطَّلع.

قال الشيخ سُليمان الجمل الشافعيّ، ونصُّه: (يجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة كالفاسقين والمصوِّرين، وأمَّا لعن المعيَّن من كافرٍ أو فاسقٍ فقضيَّة ظواهر الأحاديث الجواز) [حاشية الجمل على شرح المنهج ج1 ص389].

وبناءً على هذا، يكون لعننا ليزيد بن معاوية وفق القاعدة، وليس كما قاله الغزاليّ من عدم جواز لعن الأشخاص.

الأمر الثالث: يزيد قاتل الحسين (عليه السلام):

لا يخفى أنَّ ما ذهب إليه الغزاليّ في هذه المسألة بعيدٌ عن مقتضى الإنصاف العلميّ؛ إذْ قد ثبت في عددٍ من المصادر التاريخيَّة والحديثيَّة: أنَّ يزيد بن معاوية (لعنه الله) هو من أمر بقتل الإمام الحسين (عليه السلام).

نكتفي بذكر شاهدٍ واحدٍ على ذلك، ونحيل القارئ الكريم إلى ما كُتِب في هذا الشأن بشكلٍ مفصَّلٍ. من ذلك:

ما قاله اليعقوبيّ في ملك يزيد بن معاوية، ونصُّه: (وكان غائباً، فلما قدم دمشق كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وهو عامل المدينة ـ: إذا أتاك كتابي هذا، فاحضر الحسين بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة لي، فإنْ امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير، والسلام) [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص241].

وللمزيد عن هذا الأمر يُمكن مراجعة الأجوبة المتعلِّقة بهذا الموضوع، مثل: (هل يتحمّل يزيد مسؤولية قتل الإمام الحسين؟)، (هل يزيد أمر بقتل الحسين؟)، (هل فرح يزيد بقتل الحسين؟)، (من المسؤول عن قتل الحسين؟)، (هل صحّ أنَّ يزيد بكى على الحسين؟)، وغيرها من الأجوبة المفصَّلة.

الأمر الرابع: كلمات العلماء في لعن يزيد:

لا يخفى أنَّ جمعاً من كبار أعلام المخالفين قد صرَّحوا بجواز لعن يزيد بن معاوية على وجه التعيين؛ نظراً لما اقترفه من الجرائم العظيمة والفظائع الشنيعة، وفي مقدِّمتها قتله الإمام الحسين (عليه السلام)، نكتفي بذكر شيءٍ من أقوالهم:

1ـ قال الجاحظ: (ثمَّ الذي كان من يزيد ابنه ومن عمَّاله وأهل نصرته، ثمَّ غزو مكَّة ورمي الكعبة واستباحة المدينة، وقتل الحسين (رضي الله عنه) في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام وأوتاد الإسلام... إلى قوله: علامَ تدلُّ هذه القسوة وهذا الغلظ بعد أنْ شفوا أنفسهم بقتلهم ونالوا ما أحبوا فيهم... إلى قوله: فإنْ كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال، وذلك أدنى منازله. فالفاسقُ ملعونٌ، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون) [رسائل الجاحظ ص242].

2ـ وقال العلَّامة التفتازانيّ: (اختلفوا في يزيد بن معاوية... إلى قوله: واتفقوا على جواز اللعن على مَن قتله أو أمر به أو أجازه أو رضى به. والحقُّ: أنَّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبيّ (عليه السلام)، ممّا تواتر معناه، وإنْ كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقَّفُ في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه) [شرح العقائد النسفيَّة ص206].

3ـ وقال سبط ابن الجوزيّ: (وذكر جدِّي أبو الفرج في كتاب «الرد على المتعصب العنيد المانع من ذمّ يزيد»، وقال: سألني سائلٌ فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له: يكفيه ما به. فقال: أتجوِّز لعنه؟ فقلت: قد أجاز العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبلٍ، فإنه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللعنة) [تذكرة الخواص ص257].

4ـ وقال أيضاً: (قال جدِّي: وصنَّف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَن يستحقّ اللعن وذكر منهم يزيد. وقال في الكتاب المذكور: الممتنع من جواز لعن يزيد، إمَّا أنْ يكون غير عالمٍ بذلك، أو منافقاً يريد أنْ يُوهم بذلك، وربّما استفزَّ الجهَّال بقوله (عليه السلام): «المؤمن لا يكون لعَّاناً». قال القاضي: وهذا محمولٌ على مضن لا يستحق اللعن) [تذكرة الخواص ص258].

5ـ وقال المناويّ: (قال المولى ابن الكمال: والحقُّ: أنَّ لعن يزيد - على اشتهار كفره وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عُرف بتفاصيله - جائزٌ) [فيض القدير ج1 ص205].

إلى غيرها من كلمات القوم في جواز لعن يزيد على التعيين.

الأمر الخامس: العلَّة في عدم لعن يزيد:

صرَّح بعض علماء العامة بأنَّ العلَّة في عدم لعن يزيد بن معاوية هو خوف الارتقاء إلى الأعلى فالأعلى، وإلَّا فهو مستحقٌّ للعن في حدِّ نفسه، ننقل بعضاً من كلماتهم في هذا المجال.

1ـ قال العلَّامة التفتازاني: (فإنْ قيل: فمِن علماء المذهب مَن لم يجوِّز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنّه يستحقُّ ما يربوا على ذلك ويزيد. قلنا: تحامياً عن أنْ يرتقي إلى الأعلى فالأعلى، كما هو شعار الروافض، على ما يُروَى في أدعيتهم ويجري في أنديتهم، فرأى المعتنون بأمر الدين إلجامَ العوام بالكليّة، طريقاً إلى الاقتصاد في الاعتقاد، وبحيث لا تزلُّ الأقدام على السواء، ولا تضلُّ الأفهام بالأهواء، وإلَّا فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق، وكيف لا يقع عليهما الاتّفاق؟ وهذا هو السرُّ فيما نُقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال، وسدّ طريق لا يؤمن أنْ يجرّ إلى الغواية في المآل، مع علمهم بحقيقة الحال وجليّة المقال، وقد انكشف لنا ذلك حين اضطّربت الأحوال واشرأبّت الأهوال، وحيث لا متَّسع ولا مجال، والمشتكى إلى عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) [شرح المقاصد ج2 ص307].

2ـ وقال عبد الغني المقدسي - عندما سُئل عن يزيد بن معاوية -: (..وأمَّا محبّته: فمَن أحبَّه فلا ينكر عليه، ومَن لم يحبَّه فلا يلزمه ذلك، لأنّه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فيلتزم محبّتهم إكراماً لصحبتهم. وليس ثمَّ أمر يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين، كعبد الملك وبنيه. وإنّما يمنع من التعرُّض للوقوع فيه، خوفاً من التسلُّق إلى أبيه، وسداً لباب الفتنة) [ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ج2 ص34].

أقول: لا يخفى أنَّ هذا التعليل ضعيفٌ جداً، إذْ لو ثبت استحقاق من هو أعلى منه للعن شرعاً، فلا وجه للامتناع عن لعنه أيضاً.

بقي شيء:

تقدَّم في مسألة لعن المعيَّن أنَّ من جملة ما استدلَّ به على المنع من اللعن هو احتمال التوبة، ومن هنا يُمكن أنْ يُقال باحتمال توبة يزيد بن معاوية، ولذا يُمنع من لعنه؟ ونقول في ردِّه: إنَّ توبة يزيد بن معاوية غير ثابت جزماً، وأمّا احتمال توبته فهو احتمال موهوم وضعيف جدّاً، لا مجال لتأثيره، كاحتمال توبة رؤوس الكفر وطواغيت التاريخ قبل موتهم بلحظات، فإنّ احتمال ذلك لا يؤثّر في جواز اللعن والتبرّي، كما أوضحناه في جواب مستقلّ تحت عنوان: (هل صحت توبة يزيد بن معاوية؟)، والله الموفِّق.

النتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، إنَّ ما قاله الغزاليّ في كتابه المذكور، واستدلَّ عليه ببعض الأمور مجانبٌ للصواب جزماً، لما بيَّناه تفصيلاً من جواز لعن الطاغية يزيد. والحمد لله ربِّ العالمين.