كيف عرف قبر الحسين (ع) بعد هدمه من قبل العباسيين؟
السؤال: إذا كان العبَّاسيُّون قد عمدوا إلى هدم قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وحرثوا أرضه، وأزالوا المعالم والآثار الدالَّة عليه، فكيف حُفِظ موضع القبر الشريف، وكيف تعرَّف الناس عليه بعد زوال تلك المعالم؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الشروع في الجواب لا بأس أنْ نذكر جملةً من الشواهد الدالَّة على هدم العبَّاسيّين لقبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعدها نُعلِّق عليها بما يناسب المقام، ومن الله تعالى نستمد العون والقدرة في إتمام ذلك.
1ـ هدم المنصور العبَّاسيّ:
قال السيد صالح الشهرستانيّ: «وكان من بين الذين يُمكن أنْ نجعلهم في مقدِّمة الخلفاء العبَّاسيّين في ذلك هو أبو جعفرٍ المنصور الدوانيقيّ الذي كان أوَّل ما أمر به هو هدم قبر الحسين (عليه السلام)، ومنع الزوَّار من زيارته، وإقامة المآتم والمناحات حوله، وفي الجهات الأخرى» [تاريخ النياحة على الإمام الحسين ج2 ص5، وينظر أيضاً: تاريخ كربلاء للسيد الكليدار ص174].
2ـ هدم هارون العبَّاسيّ:
روى الشيخ الطوسيّ بسنده عن يحيى بن المغيرة الرازيّ قال: «كنتُ عند جرير ابن عبد الحميد إذْ جاءه رجلٌ من أهل العراق، فسأله جريرٌ عن خبر الناس، فقال: تركت الرشيد وقد كَرَبَ قبر الحسين (عليه السلام) وأمر أنْ تُقطع السدرة التي فيه فقطعت. قال: فرفع جريرٌ يديه، فقال: الله أكبر، جاءنا فيه حديثٌ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: لعن الله قاطع السدرة ثلاثاً، فلم نقفْ على معناه حتَّى الآن، لأنَّ القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين (عليه السلام) حتَّى لا يقف الناس على قبره» [الأمالي ص325].
3ـ هدم المتوكِّل العبَّاسيّ:
قال أبو الفرج الأصبهانيّ: «كان المتوكِّل شديد الوطأة على آل أبي طالبٍ، غليظاً على جماعتهم، مهتمّاً بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظنِّ والتهمة لهم، واتفق له أنَّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسَّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحدٌ من خلفاء بني العبَّاس قبله، وكان من ذلك أنْ كَرَبَ قبر الحسين وعفَّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلَّا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبةً» [مقاتل الطالبيّين ص478].
وقال السيد عبد الجواد الكليدار: (لم تمضِ أكثر من أربعين سنةً على هدم الرشيد للحائر المقدَّس حتَّى كان دور حفيده في ذلك، فمُني الحائر بالهدم مرَّةً أُخرى على يد جعفر بن المعتصم بن الرشيد، فإنه في خلال خمس عشرة سنةً من حكمه هدم قبر الحسين (عليه السلام)، ومَخَر أرضه أربع مرَّاتٍ في فتراتٍ مختلفةٍ، تأسِّياً بسيرة أسلافه من المنصور والرشيد) [تاريخ كربلاء ص180].
إذا بان ذلك واتضح، فلنعد إلى الجواب عن كيفية معرفة القبر الشريف، بعد أنْ عمد أولئك الظلمة إلى هدمه وتعفية أثره، فنقول:
أوَّلاً: الأسباب الغيبيَّة:
1ـ لا يخفى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد بذل كلَّ ما يملك في سبيل الله تعالى، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى؛ ولذلك تكفَّل الله سبحانه بإبقاء قبره الشريف ظاهراً شامخاً على مرِّ الليالي والأيام، وإنْ سعى أئمَّة الكفر إلى طمسه وتعفية آثاره، فلم يزده ذلك إلَّا رفعةً وعلوَّاً.
فقد جاء في حديث قدامة بن زائدة، عن أبيه، عن إمامنا عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: «بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أحياناً؟ فقلت: إنَّ ذلك لكما بلغك، فقال لي: فلماذا تفعل ذلك ولك مكانٌ عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمَّة من حقِّنا؟ فقلت: والله ما أريد بذلك إلَّا الله ورسوله... إلى قوله (عليه السلام): فجعلتُ أنظر إليهم صرعي ولم يواروا، فعظم ذلك في صدري واشتدَّ لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبيَّنت ذلك مني عمَّتي زينب الكبرى بنت عليّ (عليه السلام)... فقالتْ: لا يجزعنك ما ترى، فو الله إنَّ ذلك لعهدٌ من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى جدِّك وأبيك وعمِّك، ولقد أخذ الله ميثاق أناسٍ من هذه الأمَّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمَّة، وهم معروفون في أهل السماوات... وينصبون لهذا الطفِّ علماً لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنَّ أئمَّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلَّا ظهوراً، وأمره إلَّا علوَّاً» [كامل الزيارات ص444].
2ـ المستفاد من بعض الروايات: أنَّ الثيران التي أُعدَّت لحرث موضع القبر الشريف لم تطأ نفس مكان القبر، وإنَّما حرثت ما حوله، وهو ما يكشف عن عنايةٍ إلهيَّةٍ خاصةٍ في حفظ هذا الموضع المقدَّس، ليبقى القبر الشريف معلماً للأحرار، ومناراً للحقِّ، على مرِّ العصور والأزمان.
فقد روى الشيخ الطوسيّ بسنده عن عبد الله بن دانية الطوريّ قال: «حججتُ سنة سبعٍ وأربعين ومائتين، فلما صدرت من الحجِّ صرت إلى العراق فزرت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) على حال خيفةٍ من السلطان... ثمَّ توجَّهت إلى زيارة الحسين (عليه السلام)، فإذا هو قد حرثت أرضه ومخر فيها الماء، وأرسلتْ الثيران العوامل في الأرض، فبعيني وبصري كنتُ أرى الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتَّى إذا حاذت مكان القبر حادتْ عنه يميناً وشمالاً، فتُضربُ بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها، ولا تطأ القبر بوجهٍ ولا سببٍ» [الأمالي ص329].
وروى أيضاً بسنده المنتهي إلى إبراهيم الديزج قال: «بعثني المتوكِّل إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين (عليه السلام) ... إلى قوله: وأمرتُ بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفتُ لغلماني بالله وبالأيمان المغلَّظة لئن ذكر أحدٌ هذا لأقتلنَّه» [الأمالي ص326].
3ـ كما أنَّ المستفاد من بعض الروايات أنَّ رائحةً زكيَّةً خرجت من القبر الشريف، كانت السبب في معرفة القبر وتحديده أيضاً.
فقد روى أبو الفرج الأصبهانيّ عن محمَّد بن الحسين الأشنانيّ قال: «بَعُد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً، ثمَّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها، وساعدني رجلٌ من العطَّارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتَّى أتينا نواحي الغاضريَّة، وخرجنا منها نصف الليل، فسرنا بين مسلَّحتين وقد ناموا حتَّى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمَّه ونتحرَّى جهته حتَّى أتيناه، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق، وأجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزُرناه وأكبَبْنَا عليه، فشممنا منه رائحةً ما شممتُ مثلها قطّ كشيءٍ من الطيب، فقلت للعطَّار الذي كان معي: أي رائحة هذه؟ فقال: لا والله ما شممتُ مثلها كشيءٍ من العطر» [مقاتل الطالبيّين ص479].
ثانياً: الأسباب الطبيعيّة:
1ـ لا شكَّ ولا ريب في أنَّ القبر الشريف كان معروفاً لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وكانوا يتعاهدونَهُ بالزيارة في مختلف المناسبات، ومن ثمَّ كانوا على معرفةٍ أكيدةٍ بموضعه ومكانه. وعليه، فإنَّ إقدام ظلمة بني العبَّاس على هدمه وتعفية آثاره لا يستلزم خفاء مكانه عليهم، ولذلك كانوا يعيدون بناءه متى ما خفَّ ضغط السلطة العبَّاسيَّة عليهم. ويتأكَّد هذا الأمر بالنسبة إلى الشيعة المجاورين للقبر الشريف، لكونهم الأعرف والأعلم بتحديد مكانه بشكلٍ دقيقٍ.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ معرفة الشيعة ـ وخصوصاً المجاورين منهم ـ بموضع القبر الشريف على وجه الدقة، تُعدُّ شاهداً واضحاً على حفظ مكان القبر وعدم اندراس معالمه عندهم، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ.
2ـ المستفاد من بعض الروايات أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لم تنقطع زيارتهم للقبر الشريف بعد الهدم والحرث، ولذلك جعلت السلطات الظالمة حَرَساً لمنع الزيارة، وأخذ من وجدوه من الزائرين هناك.
فقد روى أبو الفرج الأصبهانيّ، وفيه: «وكان من ذلك أنْ كَرَبَ قبر الحسين وعفَّى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلَّا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبةً» [مقاتل الطالبيّين ص478].
3ـ كما أنَّ المستفاد من بعض الروايات أنَّ بعض الزوَّار للقبر الشريف قد وضع علاماتٍ عليه، كانت سبباً في تعيين موضع القبر وتحديده، وذلك بعد مقتل المتوكِّل العبَّاسيّ وزوال حكمه الظالم.
فقد روى أبو الفرج الأصبهانيّ عن محمَّد بن الحسين الأشنانيّ، وفيه قوله بعدما زار القبر الشريف: «فودَّعناه وجعلنا حول القبر علاماتٍ في عدَّة مواضع. فلما قتل المتوكِّل اجتمعنا مع جماعةٍ من الطالبيّين والشيعة حتَّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه» [مقاتل الطالبيّين ص479].
4ـ لقد حثَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) على زيارة قبر الحسين (عليه السلام) بشكلٍ كبيرٍ جدّاً، مما يعني معلوميَّة القبر الشريف ووضوح مكانه عند الشيعة، وإلَّا لكثر السؤال عن ذلك، ولوصل إلينا بشكلٍ واضحٍ.
فقد روى جعفر بن محمَّد بن قولويه بسنده عن الحسن بن راشدٍ، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «من خرج من بيته يريد زيارة قبر أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وكلَّ الله به ملكاً يضع إصبعه في قفاه، فلم يزل يكتب ما يخرج من فيه حتَّى يرد الحائر، فإذا دخل من باب الحائر وضع كفَّه وسط ظهره ثمَّ قال له: أمَّا ما مضى فقد غفر لك، فاستأنف العمل» [كامل الزيارات ص352].
5ـ كما أكَّد أهل البيت (عليهم السلام) على بعض الأعمال الملازمة لمعلوميَّة القبر الشريف بشكلٍ واضحٍ، أمثال التخيير بين القصر والتمام، وكذلك الأخذ من التراب المبارك للاستشفاء، وأهمية الدعاء تحت القبة المشرَّفة، وكيفية الصلاة في المرقد الشريف، وغير ذلك من الموارد، مما يعني معلوميَّة القبر ووضوحه عند الشيعة خلفاً عن سلفٍ وإلَّا لكثر السؤال من الأصحاب والأتباع عن ذلك ولوصل إلينا بطبيعة الحال، لكونه من المسائل التي يكثر الابتلاء فيها، كما هو واضحٌ.
إنَّ حضور الشيعة عند القبر المبارك طيلة حياة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) وسكوتهم عن ذلك يُعدُّ إقراراً وإمضاءً لفعلهم هذا، وإقرار المعصوم ـ كقوله وفعله ـ حُجَّةٌ يلزم الأخذ به، كما هو واضحٌ.
النتيجة النهائيَّة من كلّ ذلك، أنَّ الأسباب الغيبيَّة والطبيعيَّة قد تكفَّلت بحفظ موضع قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وتعيينه، رغم ما تعرَّض له من الهدم وتعفية آثاره، كما تبيَّن تفصيله.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق