فضل الاسترجاع عند ذكر الحسين (ع) لدى العامة

السؤال: هل يرى أهل العامَّة أنَّ ذكر مصائب سيد الشهداء (عليه السلام) والاسترجاع عندها راجحٌ شرعاً أم لا؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى أنَّ ما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء يُعدُّ من أعظم المآسي التي شهدها التاريخ الإسلاميّ، ومن أبشع الجرائم التي ارتكبها الحزب الأمويُّ بقيادة يزيد بن معاوية، إذْ لم يكفهم قتل الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه الميامين، بل صاروا إلى انتهاك حرمة أهل بيته، وسبي نسائه، وقتل أطفاله، وإحراق خيامه، وغير ذلك من صنوف الظلم والجور. ومن هنا لم يكن يوم عاشوراء يوماً عاديّاً في تاريخ المسلمين، بل أصبح يوماً للحزن والأسى على مصاب ريحانة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الذي أجمع المسلمون على عظيم فضله ورفعة منزلته.

وعليه، فإنَّ الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) وذكر مصابه والاسترجاع عند ذكره ليس أمراً يختصُّ بأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، بل هو مما تقتضيه محبَّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والوفاء له كما ينبغي ذلك، فإنَّ فاجعة كربلاء لم تكن حادثةً عابرةً وحسب، وإنَّما هي جرحٌ عميقٌ أصاب الأمَّة الإسلاميَّة، وبقي أثره حاضراً في وجدان المسلمين على مرِّ العصور.

إذا بان هذا التمهيد، فنقول:

لقد ثبت عند العامَّة مطلوبيَّة الاسترجاع ـ أي: قول إنا لله وإنا إليه راجعون ـ عند تذكُّر المصيبة وإنْ تقدَّم زمانها، وأنَّ المسترجِع يؤجر على ذلك مثل ما يؤجر عليه يوم المصيبة، ومن ذلك مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) وما جرى عليه من مآسٍ في يوم كربلاء.

1ـ فقد روى ابن أبي شيبة وابن ماجة بالإسناد عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من أصيب بمصيبةٍ فأحدث استرجاعاً ـ وإنْ تقادم عهدها ـ كتب الله له من الأجر مثله يوم أُصيب» [مسند ابن أبي شيبة ج2 ص291، سنن ابن ماجة ج1 ص510].

2ـ ورواه ابن كثيرٍ الدمشقيُّ ـ باختلافٍ طفيفٍ ـ عن الحسين بن عليّ، عن جدِّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «ما من مسلمٍ يصاب بمصيبةٍ فيتذكرها ـ وإنْ تقادم عهدها ـ فيحدث لها استرجاعاً، إلَّا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أُصيب بها» [البداية والنهاية ج11 ص580].

كلمات العلماء:

1ـ قال ابن تيميَّة في ذلك: (قتل الحسين معصيةٌ لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضي بذلك، وهو مصيبةٌ أُصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله، وهو في حقِّه شهادةٌ له، ورفع درجةٍ، وعلو منزلةٍ، فإنه وأخوه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تنال إلَّا بنوعٍ من البلاء، إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر والاسترجاع، كما يحبُّه الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة: عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين، عن النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أنه قال: «ما من مسلمٍ يُصاب بمصيبةٍ فيذكر مصيبته ـ وإنْ قدمت ـ فيحدث لها استرجاعاً، إلَّا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أُصيب بها». ورواية الحسين وابنته التي شهدت مصرعه لهذا الحديث آيةٌ، فإنَّ مصيبة الحسين هي ما يُذكر وإنْ قدمت، فيشرع للمسلم أنْ يحدث لها استرجاعاً) [منهاج السنة النبويَّة ج4 ص550].

2ـ وقال أيضاً: (قد عُلم أنَّ المصيبة بالحسين تُذكر مع تقادم العهد، فكان في محاسن الإسلام أنْ بلَّغ هو هذه السنَّة عن النبيِّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وهو أنه كلَّما ذُكرت هذه المصيبة يُسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أُصيب بها المسلمون) [مجموع الفتاوى ج4 ص512].

3ـ وقال أيضاً: (ومن ذلك أنَّ اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء، وكان ذلك مصيبةً عظيمةً من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام) [حقوق آل البيت ص44].

4ـ وقال تلميذه ابن كثيرٍ الدمشقيُّ: (كلُّ مسلمٍ ينبغي له أنْ يحزنه قتله (رضي الله عنه)، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخيّاً) [البداية والنهاية ج8 ص221].

5ـ وقال جلال الدين السيوطيّ في يوم عاشوراء: (إنَّما كانت هذه مصيبةٌ وقعت في الزمن الأوَّل بقتل الحسين بن عليّ (رضي الله عنهما). يجب أنْ تتلقَّى بما تتلقَّى به المصائب، من الاسترجاع المشروع والصبر الجميل) [حقيقة السنة والبدعة ص147].

إلى غيرها من كلمات العلماء في هذا المجال.

النتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدّم، أنَّ الثابت في مصادر أهل العامَّة هو استحباب الاسترجاع عند ذكر مصيبة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وإنْ تقدَّم زمانها، كما بيَّناه مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.