هل عاشوراء يوم قمري أم موسم شمسي؟

السؤال: أليس من الأفضل إحياء مناسبات استشهاد الأئمَّة (عليهم السلام) في الشهور الشمسيَّة لا القمريَّة؛ لأنَّها توافق أيَّام استشهادهم فعلاً.. مثلاً الإمام الحسين (عليه السلام) استشهد في الصيف، وحسب التقويم القمريّ نُحيي استشهاده أحياناً في الشتاء؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا بدَّ هنا من التنبيه إلى أنَّ خلفيَّة هذا السؤال قد لا تكون مجرَّد استفسارٍ عن دقَّة التاريخ، بل قد تكون مرتبطةً ببعض النظريَّات المعاصرة التي تريد إعادة بناء التقويم الإسلاميّ كلِّه على أساسٍ شمسيٍّ أو شبه شمسيٍّ، فتجعل رمضان في موسمٍ ثابتٍ، والحجَّ في موسمٍ ثابتٍ، وتزعم أنَّ المسلمين أخطأوا حين اعتمدوا التقويم القمريَّ المتداول بينهم جيلاً بعد جيلٍ.

وهنا ينبغي أنْ يكون الجواب واضحاً: المسألة ليست مسألة حسابٍ فلكيٍّ مجرَّدٍ، وإنَّما مسألة توقيفٍ شرعيٍّ. فقد نستطيع بالحساب الشمسيّ أنْ نعرف الفصول بدقَّةٍ، ونحدِّد بداية الربيع والخريف، ونرتِّب شؤون الزراعة والتجارة والمدارس والسفر، ولا إشكال في ذلك كلِّه. لكنَّ السؤال: هل جعل الشارع الصوم والحجَّ والأشهر الحرم والمناسبات الدينيَّة تابعةً للفصول الشمسيَّة، أم جعلها تابعةً للأهلَّة والشهور القمريَّة؟

القرآن أجاب بوضوحٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. فالآية لم تقلْ: يسألونك عن الشمس، ولا قالتْ: هي مواقيت للحجِّ بحسب الفصول، وإنَّما جعلت الأهلَّة نفسها علامات الزمن الدينيِّ والاجتماعيِّ. وهذا يعني أنَّ حركة القمر ليست مجرَّد ظاهرةٍ طبيعيَّةٍ، بل صارت في التشريع الإسلاميّ علامةً لتحديد المواقيت.

وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: 36]، ثمَّ قال بعدها مباشرةً: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: 37].

وهذه الآية تكشف جوهر المشكلة: أنَّ الخلل لا يكون فقط في إنكار عِدَّة الشهور، بل قد يقع الإنسان في الخلل وهو يحافظ على العدد ظاهراً، لكنَّه يعبث بالمواقع والحرمة والموعد. وهذا بالضبط هو الخطر في مثل هذه النظريَّات؛ فهي تقول: لا نلغي رمضان ولا الحجَّ ولا الأشهر، ولكن ننقلها إلى نظامٍ آخر ونثبِّتها في مواسم أُخرى. وهذا شبيهٌ بمن يريد أنْ يحافظ على الاسم مع تغيير الحقيقة.

فالنسيء لم يكن مجرَّد خطأٍ تقنيٍّ في التقويم، بل كان تدخُّلاً بشريّاً في الزمن الشرعيّ؛ لأنَّ الناس كانوا يريدون تطويع الأشهر لمصالحهم، فتارةً لأجل التجارة، وتارةً لأجل الحرب، وتارةً لأجل جعل الحجِّ في موسمٍ أنسب لهم. فجاء القرآن ليقطع هذا العبث، ويعيد الزمن الدينيَّ إلى مرجعيَّته الإلهيَّة، لا إلى رغبة السوق ولا إلى راحة الناس ولا إلى مزاج من يريد إعادة ترتيب الدين على هواه.

ومن هنا يظهر أنَّ القول بتثبيت رمضان في سبتمبر، أو تثبيت الحجِّ في موسمٍ شمسيٍّ معيَّنٍ، ليس مجرَّد اجتهادٍ بريءٍ في الحساب، بل هو نقلٌ للعبادات من النظام الذي دلَّ عليه القرآن والسنة والسيرة المستمرَّة إلى نظامٍ آخر لا دليل عليه. فإنْ كان رمضان هو الشهر التاسع في التقويم القمريّ، فلا معنى لجعله شهراً شمسياًّ ثابتاً. وإنْ كان الحجُّ في ذي الحجَّة، فلا معنى لجعل ذي الحجَّة تابعاً لشهرٍ شمسيٍّ ثابتٍ. وإلَّا فسنكون قد أبقينا الأسماء، وغيَّرنا المسمَّيات.

ثمَّ إنَّ هذه النظريَّة تصطدم بسيرة المسلمين القطعيَّة. فالمسلمون، منذ زمن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ثمَّ في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمَّ في زمن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، ثمَّ في فقه الشيعة والسنَّة على امتداد القرون، لم يعرفوا رمضاناً شمسيّاً ثابتاً، ولا حجّاً موسميّاً ثابتاً على مدار السنة الشمسيَّة. وهذه ليست مسألةً فرعيَّةً خفيَّةً يُمكن أنْ تضيع على الأمَّة كلِّها، بل هي من أوضح الشعائر وأظهرها؛ لأنَّ الصوم والحجَّ من أكبر العبادات العامَّة التي يمارسها المسلمون في كلِّ سنةٍ.

ولو كان المسلمون قد انحرفوا في أصل توقيت رمضان والحجِّ، فهذا يعني أنَّ الأمَّة كلَّها، بما فيها فقهاء أهل البيت وشيعتهم، كانت تمارس الصوم والحجَّ في غير أوقاتهما طوال قرونٍ، من غير أنْ يبقى نصٌّ واضحٌ ولا اعتراضٌ صريحٌ ولا تصحيحٌ عمليٌّ من الأئمَّة (عليهم السلام). وهذا الكلام لا يُمكن قبوله إلَّا بثمنٍ باهظٍ جدّاً، لأنَّه ينسف حجيَّة السيرة، ويجعل أوضح العبادات الإسلاميَّة عرضةً لاكتشافٍ متأخِّرٍ يأتي بعد أربعة عشر قرناً.

والأعجب أنَّ أصحاب هذه النظريَّة يريدون تصحيح الدين باسم القرآن، مع أنَّ القرآن نفسه هو الذي جعل الأهلَّة مواقيت للناس والحجِّ، وهو الذي ذمَّ النسيء، وهو الذي جعل عِدَّة الشهور عند الله اثني عشر شهراً، وهو الذي قال في الصوم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: 185]، ولم يقلْ: موسم رمضان، ولا فصل رمضان، ولا سبتمبر رمضان.

فإذا قيل: لكنَّ رمضان ينتقل بين الصيف والشتاء، والحجَّ كذلك، وهذا يسبِّب اختلافاً في المشقَّة بين بلدٍ وبلدٍ وزمانٍ وزمانٍ، فالجواب أنَّ هذا ليس خللاً في التشريع، بل هو من طبيعة العبادة حين ترتبط بدورة القمر. فالصوم لا يُراد له أنْ يكون تجربةً مناخيَّةً واحدةً لكلِّ البشر، بل عبادةٌ تتداولها الأزمنة؛ فيصوم الإنسان أحياناً في الحرِّ، وأحياناً في البردِّ، وأحياناً في النهار الطويل، وأحياناً في النهار القصير. وهذا التداول نفسه يحقِّق لوناً من العدالة الزمنيَّة؛ فلا تبقى المشقَّة محصورةً في جيلٍ دون جيلٍ، ولا في بلدٍ دون بلدٍ.

أمَّا المناطق ذات الحالات الاستثنائيَّة جدّاً، كالمناطق التي يطول فيها النهار أو الليل بصورةٍ خارجةٍ عن المعتاد، فلها أحكامها الفقهيَّة الخاصَّة، كما أنَّ لكلِّ حالة اضطرارٍ أو عجزٍ أو مرضٍ أحكامها. ولا يصحُّ أنْ نهدم أصل التقويم الشرعيِّ كلِّه بسبب حالاتٍ استثنائيَّةٍ لها علاجها الفقهيُّ.

وبهذا يتضح أنَّ إحياء عاشوراء في العاشر من محرمٍ، وصوم رمضان في شهر رمضان القمريِّ، والحجَّ في ذي الحجَّة، ليست مجرَّد عاداتٍ موروثةٍ يُمكن تغييرها متى ظهر لنا تقويمٌ آخر، بل هي جزءٌ من بنية الزمن الإسلاميّ. فكما أنَّ القبلة ليست مجرَّد اتجاهٍ جغرافيٍّ قابلٍ للاستبدال، كذلك المواقيت الشرعيَّة ليست مجرَّد أرقامٍ في تقويمٍ بشريٍّ، بل علامات عبادةٍ جعلها الشارع طريقاً إلى الطاعة والانضباط.

والخلاصة:

نحن لا نُحيي استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في الشتاء أحياناً لأنَّنا نجهل أنَّه استشهد في جوٍّ حارٍّ، بل لأنَّ العنوان الشرعيَّ والتاريخيَّ للواقعة هو عاشوراء، والعاشر من محرمٍ يدور مع التقويم القمريِّ كما يدور رمضان والحجُّ. أمَّا نقل عاشوراء إلى تاريخٍ شمسيٍّ ثابتٍ، فهو ليس تصحيحاً للتاريخ، بل خروجٌ عن الذاكرة الإسلاميَّة التي حفظت الواقعة بعنوانها الحقيقيّ: يوم عاشوراء من شهر محرمٍ.

فالمشكلة في نظريَّة النسيء أنَّها تريد أنْ تجعل الزمن الدينيَّ تابعاً للفصل والموسم، بينما القرآن جعل الفصل والموسم تابعين لحكمة الله في دوران الأهلَّة. وبذلك تتحوَّل الدعوى من بحثٍ في التقويم إلى تدخُّلٍ في بنية الشعائر نفسها .. والحمد لله ربِّ العالمين.